مقالات

الاقتصاد السياسي للفساد وعدم المساواة

حسين سليمان * 5534 27-12-2017
طباعة

مقدمة: الآثار الاقتصادية لعدم المساواة

تكتسب المساواة في الدخل والثروة أهمية في الاقتصاد ترجع بالأساس إلى تأثيرها على المتغيرات الاقتصادية المختلفة، وليس إلى الاعتبارات الفلسفية المعقدة مثل العدالة. ونظريا، تحمل الزيادة في عدم المساواة منفعة للإنتاج، فهي تؤدي لزيادة التراكم لدى فئة قليلة من الأثرياء، بما يسمح بزيادة الادخار لديهم، ومن ثم زيادة الاستثمار والنمو الاقتصادي[1].

لكن هذا التحليل يهمل تأثير الزيادة في عدم المساواة على المتغيرات السياسية، والتي يتسبب أخذها في الاعتبار في تغير النتائج الاقتصادية الإجمالية لعدم المساواة من خلال عدة قنوات. فمع زيادة عدم المساواة في الدخل والثروة، يتصاعد عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وذلك في صوره العنيفة وغير العنيفة، والقانونية وغير القانونية على حد سواء، وهو ما يغذي مناخ عدم اليقين Uncertainty في البيئة السياسية المحيطة، بما يدفع لتراجع الاستثمار، نظرا لحساسيته البالغة تجاه عدم اليقين، وهو ما يؤدي لتراجع النمو الاقتصادي[2].

وعلى الجانب الآخر، قد تضغط الزيادة في عدم المساواة على الحكومات للتوسع في إعادة التوزيع من خلال السياسات المالية والنقدية. وفي حين قد ينتج عن ذلك دعم الاستقرار السياسي بما يؤثر إيجابيا على الاستثمار، إلا أن التدخل الحكومي غير المنضبط استجابة للضغط، قد يخلق تشوهات في السوق، ويقلص من حافز الربح لدى القطاع الخاص، بما يدفع من جهة أخرى نحو تراجع الاستثمار، وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي[3]، وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن تأثير عدم المساواة على النمو من خلال الضغط على الحكومات يميل للظهور أكثر في الأنظمة الديمقراطية[4]، في حين يظهر تأثيرها على النمو في الأنظمة غير الديمقراطية بصورة أوضح من خلال الآلية الأولى المتعلقة بتراجع الاستقرار السياسي وسيطرة مناخ عدم اليقين.

علاقة الفساد بالمساواة وآليات التأثير

يشير ما سبق ضمنيا إلى محورية دور التدخل الحكومي من خلال سياسات إعادة التوزيع في الحد من عدم المساواة، وذلك بغض النظر عن التأثير النهائي للتدخل ذاته على الاستثمار والنمو، والذي يعتمد على النتيجتين المتضاربتين لإعادة التوزيع من خلال زيادة الاستقرار السياسي وتشوهات السوق في الوقت نفسه. وبالتالي، فمن المتوقع مع توسع دور الدولة في الاقتصاد لإعادة التوزيع أن تتزايد المساواة في الدخل والثروة. أو بمعنى آخر، قد نستنتج أن بإمكان "حجم" الدور الاقتصادي للدولة - والممكن قياسه بمؤشرات أبرزها إجمالي الإنفاق الحكومي كنسبة إلى الناتج المحلي- تفسير التفاوت في المساواة من بلد لآخر، وأن مع زيادة الإنفاق الحكومي –وأى إنفاق حكومي هو إعادة توزيع – تتزايد المساواة في الدخول، وبالتالي في الثروة على المدى الطويل.

لكن البيانات التطبيقية تشير إلى عدم دقة هذا الاستنتاج، فحجم الإنفاق الحكومي قد لا يكفي وحده لتفسير التفاوت في عدم المساواة، بل تلعب جودة الإدارة الحكومية، دورا أبرز في زيادة أو تقليص عدم المساواة في المجتمع[5]. ويؤثر الفساد على درجة المساواة في الدخل والثروة من خلال عدد من القنوات؛ فبسبب التهرب الضريبي وسوء الإدارة والمعاملات التفضيلية والإعفاءات للشرائح الأكثر دخلا وثروة، يؤدي الفساد إلى تآكل تصاعدية النظام الضريبي، بما قد يصل إلى إعادة التوزيع من الشرائح الأقل دخلا إلى الأعلى، وليس العكس، وهو ما يعني زيادة عدم المساواة. كما قد يؤدي الفساد إلى تحويل دفة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية، كأن يتم دعم سلع وخدمات تستهدف الشرائح الأكثر دخلا بدلا من استهداف الفقراء كما هو مفترض من هذا النوع من الإنفاق، أو أن يتم ببساطة اختلاس مخصصات الدعم والضمان الاجتماعي. كما يؤدي الفساد كذلك إلى خلق سوق مواز للحصول على الخدمات العامة والاجتماعية مقابل دفع الرشاوى، وهو ما يؤدي لحرمان الشرائح الفقيرة من هذه الخدمات بسبب محدودية قدرتها على الدفع. وينتج عن الفساد أيضا ارتفاع كلفة تشغيل الجهاز الإداري الحكومي، وبالأخص بند الرواتب، وهو ما يقلص من الحيز المالي المتاح لبنود الإنفاق الاجتماعي الأخرى من جانب كالتعليم والصحة، ويركز الإنفاق الاجتماعي في صورة رواتب للعاملين في هذه القطاعات وليس الاستثمار والتطوير من جانب آخر، بما يتسبب في تدهور جودة الخدمات الاجتماعية العامة وعدم كفايتها، وهي الخدمات الموجهة بالأساس للشرائح الأقل دخلا، والتي قد لا تتمكن من الحصول على هذه الخدمات في السوق. وأخيرا، قد يضيف الفساد أعباء إضافية على الاستثمارات والمشروعات الصغيرة للفئات الأقل دخلا ونفوذا، بالمقارنة بالتسهيلات لرجال الأعمال المقربين من الموظفين العموميين، وهو ما يرفع من كلفة تشغيل المشروعات الصغيرة ويحد من قدرتها على النمو بالمقارنة بمشروعات الشرائح الأكثر ثراء، بما يحد من الحراك الاقتصادي Economic Mobility ويفاقم من عدم المساواة[6].

الفساد وعدم المساواة محليا

وتبدو علاقة الفساد بعدم المساواة في أوضح صورها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فمن بين أصحاب المشروعات بمختلف أحجامها في المنطقة، يرى 54.2% منهم أن الفساد يعد عائقا أساسيا في النشاط الاقتصادي، وهي النسبة الأعلى في العالم، ويليها بفارق كبير إفريقيا جنوب الصحراء، التي يرى فيها 41.6% من أصحاب المشروعات الفساد كعائق رئيسي، وذلك في حين يصنف 10.5% فقط من أصحاب المشروعات في بلدان الدخل المرتفع الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD، الفساد كمشكلة أساسية تواجههم، وهي النسبة الأقل[7]. كما يُقدر أن ثلث مواطني الشرق الأوسط على الأقل يضطرون إلى دفع الرشاوى في معاملاتهم مع الجهات الحكومية[8].

نتيجة لذلك، فإن عدم المساواة في الدخل، هي الأعلى عالميا في الشرق الأوسط. ففي عام 2016 كان نصيب أغنى 10% من السكان في المنطقة 61% من إجمالي الدخل بها، وذلك في حين كان نصيب الشريحة ذاتها 54% في إفريقيا جنوب الصحراء، و47% في أمريكا الشمالية، و41% في الصين، و37% في أوروبا، أكثر مناطق العالم مساواة في الدخل. وعلى الجانب الآخر، كان نصيب النصف الأفقر من السكان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 10% فقط من إجمالي الدخل في المنطقة، و12.5% في إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الشمالية، و15% في الصين، و20% في أوروبا[9].

ولا يختلف الوضع في مصر، إذ لم يحقق مؤشر الفساد العالمي CPI منذ إطلاقه في عام 1995 نتيجة تزيد عن 37 من 100، كما حققت مصر تراجعا في نتيجة المؤشر من 2014 إلى 2016.[10] إضافة إلى ذلك، يُصنف 68.2% من أصحاب المشروعات في مصر الفساد كعائق رئيسي أمام أنشطتهم[11]. ونتيجة لذلك، يشهد توزيع الدخل في مصر مستوى مرتفع من عدم المساواة كذلك، ففي عام 2015، كان نصيب شريحة الـ 10% الأكثر ثراء 48.5% من إجمالي الدخل، وكان نصيب الـ 1% الأكثر ثراء وحدهم 19.1% من إجمالي الدخل في مصر، وهو ما يفوق نصيب الـ 50% الأقل دخلا، والبالغ في العام ذاته 18.2% فقط[12].

وتأتي أهمية مكافحة الفساد في مصر في المرحلة الراهنة على خلفية بدء تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بدءا من النصف الثاني من عام 2016، والذي سيمتد لـ 3 سنوات بهدف إصلاح سوق صرف النقد الأجنبي، وخفض عجز الموازنة والدين الحكومي، وتحقيق الاستقرار في مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار لدفع النمو والتشغيل[13]. فمن ناحية، قد ينتج عن التقليص المستهدف لحجم الجهاز الإداري للدولة، وما سيصحبه من ميكنة قدر متزايد من الإجراءات الحكومية، وتراجع الفساد بسبب الحد من المعاملات المباشرة بين المواطنين والموظفين العموميين، أي الحد من فرص الفساد نفسها. لكن مع أهمية هذه الخطوة لكنها لن تكون كافية بمفردها للقضاء جذريا على الفساد.

من ناحية أخرى، من المُتوقع أن ينتج عن الإصلاح الاقتصادي زيادة مباشرة في عدم المساواة لعدة أسباب. فمع ارتفاع التضخم نتيجة تحرير سوق الصرف الأجنبي بالأساس، في نوفمبر 2016، سيزداد عدم المساواة بسبب العلاقة الطردية بين المتغيرين، فالشرائح الأكثر ثراء عادة ما تمتلك دخلا مرتبطا بالتضخم، كمدخرات بنكية أو سندات بفائدة متغيرة، وبالتالي يقل تأثرها به بالمقارنة بالشرائح الأقل ثراء أصحاب الدخول الثابتة؛ وبالإضافة لذلك تكون أكثر قدرة على تحصين قدرتها الشرائية من خلال التخلص من النقود المحلية واستبدالها بالعقارات أو الذهب أو العملات الأجنبية أو غيرها من مخازن القيمة التقليدية المكلفة، وبالتالي تتجنب فقدان جزء كبير من قيمة ثرواتها جراء التضخم، على العكس من الشرائح الأفقر، التي يغلب التكوين النقدي على حيازاتها[14].

وبالإضافة لنتائج الإصلاح النقدي السابقة، فقد يؤدي الإصلاح المالي كذلك لزيادة عدم المساواة. فعلى الرغم من ضعف كفاءة واستهداف برنامج الدعم الشامل القديم وإسهامه في مستوى عدم المساواة المرتفع، وهو البرنامج المطبق منذ عقود لتثبيت أسعار عدد من السلع والخدمات عند مستويات أقل من قيمتها السوقية للجميع، إلا أنه مثل ضمانة لحصول الشرائح الأقل دخلا على عدد من الاحتياجات الأساسية بأسعار مخفضة، وإن كانت كلفة ذلك تقديم الدعم ذاته لكافة الشرائح وإهدار جزء كبير من الإنفاق العام السنوي على هذا البند. لكن مع إصلاح برنامج الدعم هذا وتحريك أسعار السلع والخدمات لتقترب من قيمتها السوقية، مع التحول نحو الدعم النقدي للمستحقين، ستواجه الشرائح الأقل دخلا، ولكن ذات الدخل الأعلى من ذلك المستحق للدعم النقدي، تراجعا حادا في قدراتها الشرائية التي ستُستهلك في الوفاء بالاحتياجات الأساسية بأسعارها الجديدة، بما سيقلص من قدرتها على تمويل الاستثمار في رأس مالها البشري (كالتعليم والصحة) أو المادي لزيادة دخلها المستقبلي، وهو ما سيقوض من الحراك الاقتصادي لجزء أكبر من المجتمع ويعزز عدم المساواة.

خاتمة

يطرح ما سبق مجددا الآثار الاقتصادية للزيادة المتوقعة في عدم المساواة على الاستثمار والنمو، والتي قد تمر على الأغلب من بوابة سيادة مناخ عدم اليقين، وليس التدخل الحكومي المفرط وغير المنضبط. ويعني ذلك أن ما قد يترتب على برنامج الإصلاح من زيادة في عدم المساواة. وبالتالي فسيتعين على الدولة أن تستخدم سياساتها في إعادة التوزيع لتخفيف عدم المساواة الناتجة عن الإصلاح والسوق. فإلى جوار الدعم النقدي المقصور على الشرائح شديدة الفقر، يجب إعادة التوزيع من الشريحة العليا، ليس فقط إلى فئة مستحقي الدعم النقدي، ولكن للشرائح الفقيرة والمتوسطة كذلك، بآليات مختلفة عن برنامج الدعم الشامل القديم وغير الكفء. ويتم ذلك بالأساس من خلال التوسع في الاستثمار في التعليم (خاصة الأساسي) والصحة لتحقيق قدر أكبر من المجانية، لدعم الحراك الاقتصادي لكافة الشرائح، ومن ثم زيادة المساواة، بالإضافة إلى تحسين مخصصات التقاعد، واستحداث مخصصات للبطالة.

ويعيدنا ذلك مرة أخرى إلى النقطة الأساسية لهذا التحليل: أنه من غير المُتوقع أن تنجح سياسات إعادة التوزيع السابقة – إذا افترضنا نية التوسع فيها - في زيادة مساواة الدخل في الاقتصاد المصري، إذا لم تتم أولا السيطرة على الفساد. ومن ثم، من الضروري أن يقترن برنامج الإصلاح بتوجه جاد لمكافحة الفساد وتعزيز الرقابة والشفافية.


[1] Kaldor, N. (1955) 'Alternative Theories of Distribution', The Review of Economic Studies, 23(2), pp. 83-100.

[2] Alesina, A. and Perotti, R. (1993) 'Income Distribution, Political Instability, and Investment', National Bureau of Economic Research Working Paper Series, No. 4486.

[3] Alesina, A. and Rodrik, D. (1994) 'Distributive Politics and Economic Growth', The Quarterly Journal of Economics, 109(2), pp. 465-490.

[4] Persson, T. and Tabellini, G. (1994) 'Is Inequality Harmful for Growth?', The American Economic Review, 84(3), pp. 600-621.

[5] Gupta, S., Davoodi, H. and Alonso-Terme, R. (2002) 'Does corruption affect income inequality and poverty?', Economics of Governance, 3(1), pp. 23-45.

[6] Ibid.

[7] Enterprise Surveys (2017), the World Bank Enterprise Surveys Database <http://www.enterprisesurveys.org/>

[8] Pring, C. (2016) 'People and Corruption: Middle East and North Africa Survey 2016', Global Corruption Barometer, Transparency International.

[9] Piketty, T., Alvaredo, F., Chancel, L., Saez, E. and Zucman, G. (2017) 'World Inequality Report 2018', World Inequality Lab.

[10] Transparency International (2017), Transparency International Corruption Perceptions Index

<https://www.transparency.org>

[11] Enterprise Surveys, op. cit.

[12] Piketty, T., Alvaredo, F., Chancel, L., Saez, E. and Zucman, G., op cit.

[13] IMF (2016) Egypt: ‘IMF Reaches Staff-Level Agreement on a Three-Year US$12 Billion Extended Fund Facility’. IMF Press Release No. 16/375.

[14] Bulir, A. (2001) 'Income Inequality: Does Inflation Matter?', IMF Staff Papers.

طباعة
حسين سليمان

باحث اقتصادي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية