دراسات

المحكمة الجنائية الدولية... من الاختصاص العالمي إلى استهداف أفريقيا

طباعة

انعقد المؤتمر التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية في روما في عام 1998، حيث تمت إجازة النظام الأساسي،  ليدخل حيز النفاذ في يوليو 2002، بعد أن صادق عليه العدد المطلوب. وبلغ عدد الدول الأفريقية الأعضاء في الجمعية العمومية للمحكمة الجنائية 32 دولة، لتمثل بذلك كتلة ذات ثقل كبير داخل المحكمة. وعلى الرغم من أن المحكمة عالمية التوجه، إلا أن اختصاصها لم ينعقد ولم تمارس صلاحياتها إلا ضد الدول الأفريقية، الأمر الذي كشف عن الأهداف الحقيقية للداعمين لقيامها، إذ تبين من خلال الممارسة العملية أنها إحدى الأدوات التي تستخدمها القوى العظمى - سواءً كانت عضوا في المحكمة الجنائية أو لم تكن عضوا- لقهر الدول الضعيفة تحقيقا لأجندتها الخاصة تحت مظلة القانون والعدالة الجنائية الدولية.

هذه الدراسة تتناول علاقة وممارسات المحكمة الجنائية الدولية تجاه المواطنين الأفارقة، من خلال دراسة الجوانب القانونية والسياسية المرتبطة بتعاطي المحكمة مع هؤلاء المواطنين. وتهدف الدراسة إلى محاولة الإجابة على تساؤل رئيسي: هل ما قامت به المحكمة الجنائية الدولية في أفريقيا لخدمة العدالة الجنائية الدولية أم لتحقيق أهداف سياسية خاصة؟ 

أولًا: مؤتمر كمبالا لتكريس اختصاص المحكمة بمحاكمة الأفارقة

عملت الولايات المتحدة الأمريكية في المؤتمر التأسيسي للمحكمة الجنائية، الذي انعقد بروما، على تحقيق غاية أساسية وهي أن يكون مواطنوها بمنأى عن المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي جعل مهمتها بالغة التعقيد، وأدخلها في حرج أخلاقي بالغ. فهي تريد ألا تكون عضوا في المحكمة الجنائية، ولكنها في الوقت ذاته تريد استخدام المحكمة ضد الدول غير الصديقة، حتى لو كانت غير أعضاء في المحكمة. وقد أصرت في هذا الإطار على إدخال التعديلات والاشتراطات على بعض مواد النظام الأساسي لضمان هذه الأهداف.

ولكن الحرج الأكبر ظهر عند مناقشة جريمة العدوان؛ فقد حدد مشروع النظام الأساسي ممارسة المحكمة لاختصاصها عند وقوع جريمة "العدوان" حسبما ورد في الفقرة (2) من المادة (5)، والتي نصت على أن "تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اُعتمد حُكم بهذا الشأن وفقا للمادتين 121، و123 يعرف جريمة العدوان، ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقا مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة"، خاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314)، والصادر في 14/12/1974، والذي حدد قائمة طويلة من الأفعال يشملها تعريف العدوان. وعلى الرغم من أن هذه القائمة مصاغة بشكلٍ جيد، إلا أن الولايات المتحدة نجحت في استبعاد جريمة العدوان من اختصاص المحكمة إلى أن يتم الاتفاق على تعريف محدد لهذه الجريمة[1].

ولكي تضمن الولايات المتحدة وإسرائيل الهروب من دائرة اختصاص المحكمة إذا تم الاتفاق على تعريف جريمة العدوان وحتى لو تم ذلك بأغلبية ساحقة، احتفظت الولايات المتحدة لنفسها، ومن ورائها إسرائيل، بحق عدم سريان اختصاص المحكمة عليهما طالما كانتا لا تعترفان بهذا التعديل، وأن يكون لهما حق الانسحاب الفوري من المحكمة إذا لم توافقا على التعريف المُجمع عليه، وعلى أن يكون الانسحاب نافذا في الحال! مستندةً في ذلك إلى الفقرتين (5)، (6) من المادة (121) من النظام الأساسي للمحكمة.

وبرز الموقف الأمريكي بصورة أكثر وضوحا أثناء انعقاد "المؤتمر الاستعراضي" للنظام الأساسي، والذي قررته المادة (123) من النظام الأساسي للمحكمة، والتي حددت موعد انعقاده بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ النظام الأساسي، بهدف النظر في أية تعديلات مقترحة على هذا النظام. فقد انعقد المؤتمر بالفعل خلال الفترة من 31 مايو إلى 11 يونيو 2010 في كمبالا بأوغندا، وشاركت فيه الدول الأطراف في نظام روما والبالغ عددها (111) دولة، إضافة لعدد كبير من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، ودول عدم الانحياز، والاتحاد الأوروبي، والأمين العام للأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية، فضلا عن أعداد مقدرة من الضحايا، حيث بلغ عدد الحضور حوالي (4600) مشارك[2].

وقد كشف المؤتمر بشكل واضح عن العلة الأساسية التي لازمت نشوء هذه المحكمة، إذ اصطبغت منذ البداية بصبغة سياسية، وأنها تسير في اتجاه امتداد نظامها الأساسي وإجراءاتها ونطاق عملها فقط باتجاه الدول الضعيفة. وقد أشار أحد الخبراء القانونيين في المؤتمر إلى أن عدد القضايا التي أُحيلت إلى المحكمة بلغ (80) قضية، وأن المحكمة تلقت (9654) شكوى عن جرائم في (139) دولة، غير أنها لم تبادر في التحقيق إلا في حالة (5) بلدان فقط كلها دول أفريقية، مكرسةً جل اهتمامها بمشكلة دارفور.

وقد وافق المؤتمر على تعريف جريمة العدوان على غرار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في ديسمبر 1974 رقم 3314 المشار إليه آنفا، واتفق الحضور على خلع صفة العدوان على الجريمة التي يرتكبها قائد سياسي أو عسكري، والتي تشكل بحكم طابعها وخطورتها ونطاقها انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، ولكن وفقا للشروط التالية[3]:

-أن ممارسة المحكمة النظر في جريمة العدوان مرهون بقرار واضح من مجلس الأمن، يقول فيه إن عملا عدوانيا قد وقع، وعندها يمكن لمجلس الأمن، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن يحيل هذه الحالة إلى المحكمة، بغض النظر عما إذا كانت الحالة المذكورة تنطوي على دول أطراف أو على دول غير أطراف.

وعلى الرغم من الموافقة الأمريكية الظاهرية على هذا التعريف، لكن من المفهوم أنها لن تسمح بصدور أي قرار من أي جهة في العالم يتهمها هي، أو يتهم إسرائيل، بالعدوان، خاصة في ظل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن. ومن ثم، يظل الهدف هو استخدام مجلس الأمن والمحكمة الجنائية ضد الدول غير الموالية لها.

- يُسمح للمدعي العام بأن يبدأ إجراء تحقيق بمبادرة منه هو، أو بناء على طلب من إحدى الدول الأطراف، بيد أنه يتوجب على المدعي العام، لكي يفعل ذلك لابد أن يحصل على إذن مسبق من الشعبة التمهيدية للمحكمة.

وهكذا، يتضح أن تقييد سلطة المدعي العام للمحكمة الهدف منه هو حرص الولايات المتحدة على حماية أصدقائها من الدول الأطراف[4].

-لن يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم العدوان المرتكبة على إقليم الدول غير الأطراف، أو المرتكبة من جانب رعايا هذه الدول، أو فيما يتعلق بدول أطراف تكون قد أعلنت أنها لا تقبل اختصاص المحكمة بشأن جريمة العدوان.

- تكون الممارسة الفعلية لهذا الاختصاص رهنا بقرار تتخذه بعد الأول من يناير عام 2017 نفس الأغلبية من الدول الأطراف المطلوبة لاعتماد تعديل النظام الأساسي، وأن تصادق ثلاثون دولة على التعديلات المقترحة[5].

وهكذا، فقد نجحت الولايات المتحدة في تقييد اختصاص المحكمة وتطويعه بالوسائل الآتية[6]:

- أن المحكمة لا تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة العدوان إلا بعد مرور سنة على توافر شرطين أساسيين بشأن هذا التعديل: أولهما أن تتخذ الدول الأطراف قرارا بموافقة ثلثي أعضائها بعد الأول من يناير 2017، وثانيهما أن تصادق ثلاثون دولة على التعديلات المقترحة.

- يمكن لأي دولة طرف أن تعلن أنها لا تقبل اختصاص المحكمة، وفي هذه الحالة لا تمارس المحكمة اختصاصها بشأن جريمة العدوان عندما ترتكب من مواطني الدولة أو داخل إقليمها.

- إن حق الإحالة المخول لمجلس الأمن بمقتضى المادة 13/ب لا ينعقد إلا بعد توفر الشرطين المزدوجين المذكورين أعلاه.

- لا يمكن للمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية أن يباشر أي إجراء للتحقيق يتعلق بجريمة العدوان إلا بعد أن يتأكد مسبقا ما إذا كان مجلس الأمن قد اتخذ قرارا مفاده وقوع فعل عدوان ارتكبته الدولة المعنية من عدمه. ولهذا الغرض يقوم المدعي العام بإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بالوضع القائم أمام المحكمة. وإذا لم يقرر مجلس الأمن الإحالة في غضون ستة أشهر بعد الإبلاغ جاز للمدعي العام أن يبدأ التحقيق في جريمة العدوان بعد أن يأذن بذلك قسم الدائرة التمهيدية بالمحكمة، ما لم يمارس مجلس الأمن حق الإرجاء المخول له بمقتضى المادة (16) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية[7].

ومن ذلك نخلص إلى أن قدرة المحكمة الجنائية الدولية على محاكمة جريمة العدوان ستكون محدودة، وسيقتصر دورها على محاكمة الدول الضعيفة وغير المحمية من جانب أي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. ويظل مجلس الأمن وفق التعديلات الأخيرة هو الجهة الوحيدة القادرة على إحالة جريمة العدوان التي يرتكبها أفراد من الدول غير الموقعة على ميثاق روما.

وقد فشل المؤتمر فشلا ذريعا فيما يتعلق بمحاولة إصدار قرار ملزم بمبدأ الاختصاص العالمي للمحكمة. ولعل صدور مثل هذا القرار كان حلما في غير محله من جانب الذين يعتبرون أن المحكمة الجنائية سوف تكون ساحة للعدالة الدولية. فقد أكدت خبرة المحكمة أنه لا توجد عدالة جنائية دولية بعيدا عن السياسة أو بعيدا عن إرادة الدول الكبرى. فقد نجحت الولايات المتحدة، وفي إطار تناول جريمة العدوان، في قصر دور المحكمة على أن تكون ساحة للاقتصاص من الدول المارقة عن طوع الولايات المتحدة من دول العالم الثالث، خاصة الأفريقية. وقد حصلت الولايات المتحدة على كل ما تريد من نصوص وتعديلات تحقق أهدافها ومصالحها وأجندتها.

وقد تأكدت النوايا الأمريكية السابقة قبل انتهاء أعمال كمبالا؛ إذ قبل انتهاء أعمال المؤتمر وقعت حادثة الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية المكون من ناشطين مدنيين عزل جاءوا لتقديم مساعدات إنسانية لغزة المحاصرة. وأسفر الاعتداء عن قتل وجرح حوالي 45 شخصا، في جريمة واضحة أمام العالم بأسره نقلتها شاشات التلفزيونات وشهد عليها كل العالم، حيث لا حاجة لشهود على عدوان استهدف أبرياء عزل. ومع كل هذا صمت المؤتمر، وتوارى الذين ذهبوا إلى كمبالا لملاحقة المسئولين الأفارقة وقادة دول العالم الثالث[8].

وكشفت هذه الحادثة بوضوح عن ضعف المحكمة الجنائية، وعجزها عن تحقيق العدالة بعيدا عن إرادة الدول الكبرى. ومع كل هذا أعطى مؤتمر كمبالا مجلس الأمن– الذي لا يملك الحق ولا يعترف ثلاثة من أعضائه الدائمين بنظام روما- سلطة محاكمة من يعترفون ومن لا يعترفون بنظام روما من دول العالم الثالث فقط، لتظل الدول العظمى وأصدقاؤها فوق القانون الذي تحركه هيئة سياسية في مجلس الأمن[9]. كما عبر الموقف من التعديلات القانونية والصمت إزاء الاعتداء على قافلة الحرية عن الوجه الحقيقي للمنظمات الكبرى غير الحكومية، والتي ظلت تنادي بالعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. هذه المنظمات ما كان منها غير الصمت المطبق في مؤتمر كمبالا حيال التمييز الواضح في تحقيق العدالة بين الأقوياء والضعفاء، وحيال سفن أسطول الحرية. وغاية ما استطاعت قوله ما جاء على لسان ريتشارد ديكر، مدير العدالة الدولية بمنظمة هيومن رايتس ووتش، الذي قال: "إن الاتفاق قد يمدد دور المحكمة لتغطية جريمة شن حرب عدوانية في المستقبل، إلا أنه يشكل تحديا لفعالية المحكمة الجنائية الدولية بخلق سقف طموحات لا يمكن الوفاء بها وسط مناخ التسويات الراهنة"[10].

ويبدو أن ما ينطبق على الدول ينطبق على هذه المنظمات، التي يعمل بعضها كأبواق للدول الكبرى. كما يبدو جليا أن مشاكل التمويل والأزمة المالية سهلت مهمة الولايات المتحدة، فدفعت هذه المنظمات لتبني مواقف الممولين والدول المعادية للعدالة[11].

وهكذا، وعلى الرغم من فشل المؤتمر في وضع بيئة مؤسسة دولية تضمن تحقيق العدالة بين الدول الكبرى والصغيرة، فقد شهد المؤتمر بعض الأنشطة المصاحبة له، والتي ظل المؤتمرون يلهثون فيها، طيلة أيام المؤتمر، وراء سراب اسمه جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور لا تقوم على أي بينة، ولا يسندها أي دليل[12]، وشملت هذه الأنشطة: 

- يوم ثقافي رياضي بإستاد نيلسون مانديلا احتوى على عروض للتراث والموسيقى والغناء من دارفور، أعقبه مباراة كرة قدم بين فريق ضحايا النزاعات في دارفور، وفريق ضحايا النزاعات في شمال أوغندا، حيث كان كابتن فريق ضحايا دارفور هو الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بينما كان كابتن فريق ضحايا شمال أوغندا هو الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني[13].

- ورشة عمل: محكمة النساء، والتي نظمتها مبادرة النساء للعدالة حول الجرائم الجنسية واستخدام الاغتصاب كسلاح في النزاع في حالة دارفور.

- سيمنار خاص بالمحكمة الجنائية الدولية وحالة السودان، حيث شدد المتحدثون على أن تحقيق العدالة في دارفور مبدأ متلازم ومترابط مع تحقيق السلام، حيث لا يجب تحت أي ظرف أن يفلت الجناة من المساءلة والمحاسبة. وقد صاحب هذه الفعالية معرض توثيقي للصور والفنون التشكيلية التي تتحدث عن تطور الأوضاع الإنسانية والجرائم المقترفة في حق مواطني دارفور[14].

نخلص مما سبق إلى أن الذي تم بمؤتمر الجنائية بكمبالا يفرض علينا إعادة التفكير في التعامل مع المحكمة الجنائية، وإعادة النظر في معظم المواد التي تم وتبنتها المحكمة والتي كرست العدالة الانتقائية على حساب العدالة الدائمة، وسدت الطريق على الضحايا من الاقتصاص من المجرمين الحقيقيين الذين ارتكبوا جرائم بشعة شهد عليها كل العالم، كما حدث في العراق وأفغانستان وفي لبنان وفي غزة.

وكان لانعقاد هذا المؤتمر في أفريقيا وفي كمبالا بالتحديد دلالات خاصة، إذ رمى المنظمون من خلال اختيارهم لهذا الموقع، إلى أن يعمل المؤتمر على إحكام القبضة على القادة الأفارقة، ولكن نتائجه كانت عكسية تماما، فقد انتبه الحضور الكثيف للقادة الأفارقة في المؤتمر للمقاصد الحقيقية للمحكمة، خاصة عندما رأوا التعسف في التفسير، والصياغة التي تسمح لبعض الدول بالتهرب من المحكمة، وتحكم القبضة على الدول الأخرى. وزاد من تأكيد هذا الإحساس لديهم أسماء المطلوبين للمحكمة وكلهم من القادة الأفارقة.

ثانيا: موقف الاتحاد الأفريقي والدول الأفريقية من المحكمة الجنائية

أصبحت معظم الدول الأفريقية تسلم بأن المحكمة الجنائية الدولية ما هي إلا أداة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتسلط على الأفارقة، والعودة إلى عهود الرق القديمة لممارسة الرق والاستعباد، ولكن هذه المرة تحت مظلة القانون وبأداة قانونية هي المحكمة الجنائية الدولية. ووصلت الدول الأفريقية إلى هذه القناعة من خلال الممارسة والتمييز الواضح في الإحالة لهذه المحكمة. فقد اُرتُكِبت جرائم كثيرة ينعقد بها الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية، بواسطة الولايات المتحدة وإسرائيل ومع ذلك لم تتم إحالة أي من هذه الجرائم، أو مرتكبيها، إلى المحكمة الجنائية. وبالمقابل كانت الإحالات إلى المحكمة تتم بالجملة بالنسبة للدول الأفريقية.

وقبل مناقشة موقف الدول الأفريقية من المحكمة، نشير أولا إلى أن عدد الدول الأفريقية الأعضاء بالمحكمة بلغ 32 دولة، لتمثل كتلة مهمة داخل المحكمة (انظر الجدول رقم 1).

 

جدول رقم (1): الدول الأفريقية الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية

م

الدولة

تاريخ التوقيع

تاريخ التصديق

تاريخ النفاذ

1

بنين

24/12/1999

22/1/2002

1/7/2002

2

بتسوانا

8/9/2000

8/9/2000

1/7/2002

3

بوركينافاسو

30/11/1999

16/4/2004

1/6/2004

4

بورندي

13/1/1999

21/9/2004

1/12/2004

5

أفريقيا الوسطى

12/12/1999

3/10/2001

1/7/2002

6

تشاد

20/10/1999

1/11/2006

1/1/2007

7

جزر القمر

22/9/2000

18/8/2006

1/11/2006

8

الكونغو

17/7/1998

3/5/2004

1/8/2004

9

الكونغو الديموقراطية

8/9/2000

11/4/2002

1/7/2002

10

جيبوتي

7/10/1998

5/11/2002

1/2/2003

11

الجابون

22/12/1998

20/9/2002

1/7/2002

12

جامبيا

4/9/1998

28/6/2002

1/9/2002

13

غانا

18/7/1998

20/12/1999

1/7/2002

14

غينيا

7/9/2000

14/7/2003

1/10/2003

15

غيانا

28/12/2000

24/9/2004

1/12/2004

16

كينيا

11/8/1999

15/3/2005

1/7/2005

17

ليسوتو

30/11/1998

6/9/2000

1/7/2002

18

ليبيريا

17/7/1998

22/9/2004

1/12/2004

19

مدغشقر

18/7/1998

14/3/2008

1/6/2008

20

ملاوي

2/3/1999

19/9/2002

1/12/2002

21

مالي

17/7/1998

16/8/2000

1/7/2002

22

مورشيوس

11/11/1998

5/3/2002

1/7/2002

23

ناميبيا

27/10/1998

25/6/2002

1/9/2002

24

النيجر

17/7/1998

11/4/2002

1/7/2002

25

نيجيريا

1/6/2000

27/9/2001

1/7/2002

26

السنغال

18/7/1998

2/2/1999

1/7/2002

27

سيراليون

17/10/1998

15/9/2000

1/7/2002

28

جنوب أفريقيا

17/7/1998

27/11/2000

1/7/2002

29

تونس

-

24/6/2011

1/9/2011

30

أوغندا

17/3/1999

14/6/2002

1/9/2002

31

تنزانيا

29/2/2000

20/8/2002

1/11/2002

32

زامبيا

17/7/1998

13/11/2002

1/2/2003

المصدر: الموقع الإليكتروني للمحكمة الجنائية الدولية. راجع الرابط التالي:

https://www.icc.or.at/members/country

 

جدول رقم (2): الدول الأفريقية التي تم إحالة بعض مواطنيها للمحكمة الجنائية الدولية

الدولة

المواطنين

الصفة

أوغندا

- جوزيف كوني

- نسنتأوتي

- دومينك أونجوين

قائد جيش الرب.

من قادة جيش الرب.

من قادة جيش الرب.

جمهورية

الكونغو

الديمقراطية

- توماس لوبانجا

- جيرمان كاتنجا.

- ماثيو نيدو جولو.

- بوسكو نتجاندا.

- كاليكسيت مبارد شبمانا.

زعيم اتحاد الوطنيين الكنغوليين.

الزعيم التاريخي لقوات المقاومة الوطنية في إيتوري.

-------

أحد قادة القوى الديموقراطية.

قائد القوى الديموقراطية لتحرير رواندا.

السودان

- أحمد محمد هارون.

- علي محمد علي عبد الرحمن.

- عمر البشير.

- بحر إدريس أبو قردة.

- عبد الله بندا نورين.

- صالح محمد جربو جاموس.

- عبدالرحيم محمد حسين.

وزير الدولة بالداخلية السابق – والي جنوب كردفان.

قائد مليشيات.

رئيس جمهورية السودان.

أحد قادة حركات دارفور.

أحد قادة حركات دارفور.

أحد قادة حركات دارفور.

وزير الدفاع.

ليبيا

- معمر القذافي

- سيف الإسلام القذافي.

- عبد الله السنوسي.

رئيس ليبيا السابق

----

رئيس الاستخبارات.

جمهورية

أفريقيا

الوسطى

- جان بيير بيما

القائد العسكري ونائب الرئيس السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية

كينيا

- وليام سومي روتو

- هنري كيبروتو

- جشوا أراب سانق

- أوهورو كينياتا

- فرانسيس موسوارا

- مدجين علي

وزير التعليم.

وزير الصناعة

مسئول الإذاعة الكينية

وزير المالية، نائب رئيس الوزراء، نجل الرئيس السابق جومو كينياتا.

وزير شئون مجلس الوزراء

قائد الشرطة

ساحل العاج

- لوران باغبو

الرئيس السابق لساحل العاج.

المصدر: راجع الرابط التالي: www.icc-cpi.int/

 

ونتيجة لتأكد الدول الأفريقية من استهداف المحكمة الجنائية للأفارقة دون غيرهم، بدأت هذه الدول تقف مواقف سلبية تجاه المحكمة، ولا تستجيب لطلباتها، ولا تتعاون معها. ونشير فيما يلي إلى بعض الأمثلة.

1- أفريقيا الوسطى: رفضت أفريقيا الوسطى التعاون رسميا مع المحكمة الجنائية الدولية عقب خطاب بعث به المدعى العام للمحكمة إلى رئيس أفريقيا الوسطى يطالب فيه بالمساعدة للقبض على مسئولين سودانيين. وقد تم ذلك الرفض في اجتماع طارئ عقده الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزي بحضور وزراء الدولة للدفاع، والداخلية، والخارجية، ووزير الطيران المدني، ورئيس هيئة الأركان، حيث أجمع هؤلاء على عدم تنفيذ توجيهات المحكمة، فيما أثنى رئيس الدولة على تطور العلاقات مع السودان، معتبرا السودان قطرا شقيقا قدم مساعدات كثيرة لأفريقيا الوسطى، وطالب الحضور بالانحياز للمواقف الأفريقية[15].

2- كينيا: تعد كينيا أكثر الدول توجسا من المحكمة الجنائية مقارنةً بغيرها من الدول الأفريقية، وذلك على خلفية مطالبة المحكمة بمحاكمة مواطنين كينيين. وكان الرئيس الكيني أهورو كينياتا أول رئيس يمثل أمام المحكمة، وصوت البرلمان الكيني بالإجماع على الانسحاب من المحكمة الجنائية، ووصف نواب البرلمان المحكمة بأنها استعمارية تستهدف محاكمة الأفارقة دون غيرهم[16].

وعندما وجهت كينيا الدعوة للرئيس عمر البشير في أغسطس 2010 لحضور احتفالات البلاد بالدستور الجديد، مُورست عليها ضغوط كثيرة لكي تقوم بالقبض على البشير، حيث طالبت المحكمة مجلس الأمن باتخاذ الموقف المناسب إزاء الزيارات التي قام بها الرئيس البشير لكل من تشاد وكينيا. كما طالبت المحكمة الدول الأعضاء في ميثاق روما أن تتخذ ما تراه مناسبا حيال تشاد وكينيا[17]. وفي السياق ذاته، انتقد الرئيس الأمريكي السابق أوباما كينيا لاستقبالها الرئيس البشير باعتبارها أحد الأطراف الموقعة على ميثاق روما. كما أدان الاتحاد الأوروبي ومنظمة هيومان رايتس ووتش دعوة كينيا للبشير[18].

إلا أن المحكمة العليا في كينيا أصدرت في 29 نوفمبر 2011 قرارا بالقبض على الرئيس البشير. لكن الحكومة الكينية أبدت أسفها الشديد لقرار المحكمة الكينية، وتعهدت باستئناف الحكم. وردا على هذا القرار طلبت الحكومة السودانية من السفير الكيني مغادرة البلاد خلال 72 ساعة. وتفهمت كينيا رد فعل السودان، وهو ما عبر عنه تصريح الأمين الدائم لوزارة الخارجية الكينية ثويتا موانجي الذي قال "إن تصرف السودان يبعث على الأسف لكنه في إطار الحقوق السيادية للخرطوم". كما أوفدت كينيا على الفور مبعوثا رئاسيا للخرطوم لم يجد مشقة كبيرة في احتواء الموقف، حيث بقي السفير الكيني في الخرطوم ولم يغادرها[19].

ويمكن فهم الموقف السابق للمحكمة العليا في كينيا في إطار الصراع الدائر داخل كينيا آنذاك، لكن المصالح والعلاقات القوية التي تربط البلدين كانت كفيلة باحتواء الموقف.

وفي إطار الموقف الكيني من المحكمة الجنائية الدولية، فقد دعت أثناء انعقاد مؤتمر القمة الأفريقي الحادي والعشرين الذي عقد بأديس أبابا في 27/5/2013، الدول الأفريقية الموقعة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من المحكمة. وذكر السيد رمضان العمامرة، المفوض السابق لمجلس السلم والأمن، أن المشروع الكيني يدعو أيضا الدول التي لم توقع على الميثاق إلى توحيد الموقف ضد قرارات الجنائية التي باتت تستهدف القادة الأفارقة دون غيرهم، حيث أصبحت قرارات المحكمة ذات طابع سياسي. هذا وقد وجد المشروع الكيني مساندة قوية من دول شمال وشرق أفريقيا، أما دول غرب أفريقيا فقد فضلت ترك الخيار لكل دولة لاتخاذ ما تراه مناسبا[20].

3- تشاد: رفضت طلب الجنائية بالقبض على الرئيس السوداني أثناء زيارته لها، وقاومت كل الضغوط، خاصة الفرنسية والأمريكية. كما رفضت تشاد مقابلة وفد الجنائية الذي وصل لإنجمينا، بترتيب من حركة العدل والمساواة، بغرض زيارة بعض المعسكرات لإيجاد شهود حول ادعاءات المحكمة تجاه الرئيس عمر البشير[21].

4- ملاوي: استقبلت ملاوي الرئيس البشير الذي زارها لحضور قمة تجمع السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (كوميسا) في أكتوبر 2011، ومورست عليها ضغوط قوية للقبض على الرئيس البشير، حيث طالب الكونجرس الأمريكي بوقف الدعم عن ملاوي. وتدعمت علاقات السودان مع ملاوي منذ تولي البروفسور بينجو موثاريكا رئاسة الاتحاد الأفريقي، والذي قام بزيارة السودان في العام 2011. ومما يذكر له في هذا السياق قوله في كلمته الافتتاحية أمام مؤتمر القمة: "إن وضع رئيس يمارس مهامه تحت وطأة مذكرة توقيف يسيء إلى التضامن الأفريقي وإلى السلم والأمن في أفريقيا اللذان حاربنا من أجلهما طيلة سنوات"[22].

5- جيبوتي: كانت دولة جيبوتي قد دعت الرئيس البشير لزيارتها للمشاركة في مناسبة تنصيب رئيسها السيد عمر جيله لولاية ثالثة، والتي تمت في 8/5/2011. وعلى الرغم من أن جيبوتي من الدول الموقعة على نظام روما، وتعلم أن هنالك أمر قبض صادر في حق الرئيس البشير، لكنها أكدت أنها لن تلتزم بمطالب تسليم الرئيس البشير. وحضر الرئيس البشير مراسم التنصيب.

6- جنوب أفريقيا: جنوب أفريقيا دولة محورية في القارة الأفريقية، وتتشابك مصالحها وتتعقد مع أفريقيا والعالم الخارجي. لكنها ترفض هي الأخرى تسييس المحكمة، ولذلك استقبلت الرئيس البشير، وقاومت كل الضغوط التي مورست عليها للقبض عليه، ثم ما لبثت أن انسحبت من المحكمة الجنائية.

7- الاتحاد الأفريقي من الجنائية: بعد أن بدأت المحكمة الجنائية الدولية في ممارسة نشاطها، في العام 2002، لاحظ الاتحاد الأفريقي أن معظم الذين وُجهت لهم التهم كانوا من القارة الأفريقية. وزادت مخاوف الاتحاد الأفريقي بعد توجيه المحكمة  الاتهام إلى الرئيس البشير، وصدور قرار من المحكمة بتوقيفه. عند ذلك تأكد للاتحاد الأفريقي أن هذه المحكمة هي أداة سياسية وليست ساحة لتحقيق العدالة، خاصة عندما رأى أن هناك جرائم كثيرة تم ارتكابها بواسطة الولايات المتحدة في العراق، وإسرائيل في غزة ولبنان، وفرنسا في الكونغو، لكن المحكمة غضت الطرف عنها تماما.

ومن جانبه طلب مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، من مجلس الأمن الدولي تعليق الإجراءات والقرارات التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس البشير، مستخدما صلاحياته التي كفلها له النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفق المادة (16)[23].

وفي بيان صدر عن المجلس الوزاري للاتحاد الأفريقي، أثناء الاجتماع الطارئ الذي عُقد بأديس أبابا في 22/7/2008، دعا المجلس لعدم المساس بجهود السلام المبذولة في السودان، مشيرا إلى أن أي مقاضاة ربما لن تكون في مصلحة العدالة والضحايا. كما دعا البيان لتشكيل لجنة من الشخصيات الأفريقية المرموقة لوضع توصيات بشأن كيفية معالجة القضايا المتعلقة بالمحاسبة والمصالحة[24].

وفي اجتماع القمة الأفريقية الخامسة عشر، في يوليو 2009 بمدينة سرت الليبية، أدان الاجتماع قرار المحكمة الجنائية بتوقيف الرئيس، وذلك بتوقيع ثلاثين دولة أفريقية متخذين موقفا موحدا رافضاً للتعاون مع المحكمة الجنائية[25].

وخلال اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي المختلفة أدان القادة الأفارقة سلوكيات المحكمة الجنائية الدولية ومواقفها إزاء المسئولين الأفارقة وفي مقدمتهم الرئيس البشير، كما تم رفض طلب المحكمة الجنائية بإنشاء مكتب لها لدى الاتحاد الأفريقي يكون مقره أديس أبابا[26].

وخلال القمة السادسة والعشرين للاتحاد اقترح القادة الأفارقة الانسحاب الجماعي من المحكمة ، كما كلفت القمة السابعة والعشرين لجنة وزارية للاتصال بمجلس الأمن لتوضيح مواقف الدول الأفريقية، وتم تكليف اللجنة، في حالة عدم استجابة مجلس الأمن لإرادة الدول الأفريقية، بوضع خطة للخروج الجماعي للدول الأفريقية من المحكمة الجنائية.

وفي تطور لاحق أعلنت كل من بورندي وجنوب أفريقيا وجامبيا انسحابها من المحكمة الجنائية في الأسبوع الأخير من أكتوبر 2016، وقد رحبت إثيوبيا، والتي ليست عضوا بالمحكمة الجنائية، بهذه الانسحابات. هذا ومن المعلوم أن ميثاق روما يعطي الحق لأي دولة عضو في الانسحاب من المحكمة من دون أن يترتب عليها أي مسئولية، وهو الحق الذي مارسته هذه الدول المنسحبة[27].

ثالثا: خيارات الدول الأفريقية تجاه المحكمة الجنائية

مما سبق يتضح أن هناك حالة من التوافق الأفريقي الواسع حول طبيعة المحكمة الجنائية الدولية والأهداف الحقيقية وراء تأسيسها، وذلك بعد أن بات واضحا للقادة الأفارقة أن الأوروبيين يرمون من وراء إنشاء هذه المحكمة إلى استعادة التحكم والسيطرة على مستعمراتهم السابقة، وأن السماح للمحكمة بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير لن يكون سوى مقدمة لتوقيفات تالية قد لا ينجو منها أحد.

وعلى خلفية ما سبق، نوضح فيما يلي بعض القواعد القانونية التي قد تكون سندا للأفارقة في حملتهم، ومن ثم الخيارات التي يمكن القيام بها.

1- رفض التعاون مع المحكمة الجنائية؛ فمن المعلومأن المحكمة لا تملك أداة لتنفيذ قراراتها، فهي تعتمد فقط على تعاون الدول، وإزاء رفض معظم الدول الأفريقية قرارات المحكمة، وكذلك الدول الآسيوية ودول أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى روسيا والصين، فإنه سيكون من الصعب تنفيذ قرارات المحكمة. وقد تحدث المدعي العام للمحكمة عن إلزام الدول بتنفيذ أمر القبض إذا زار الرئيس أيا من تلك الدول، كما تحدث عن إمكانية اختطاف الرئيس إذا غادرت طائرته الأجواء السودانية، والذي إذا تم يكون خرقا للقانون الدولي.

2- الانسحاب من المحكمة الجنائية، وذلك استنادا إلى نصالمادة 127 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية التي تنص على أنه "لأي دولة طرف أن تنسحب من هذا النظام الأساسي بموجب إخطار كتابي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويصبح هذا الانسحاب نافذا بعد سنة واحدة من تاريخ تسلم الإخطار، ما لم يحدد الإخطار تاريخا لاحقا لذلك". إلا أن هناك مخاوف من تعرض الدول المنسحبة لضغوط دولية خاصةً في مجال المساعدات.

3- تعديل النظام الأساسي، ويعنيذلك العمل من خلال الجمعية العامة لميثاق روما (جمعية الدول الأعضاء) على تعديل ميثاق المحكمة للمواد التي تستخدم لتحقيق أهداف سياسية بعيدا عن العدالة.

4- إنشاء محكمة جنائية أفريقية، تكون مسئولة من تطبيق القانون الجنائي الدولي على من يرتكبون جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية ضد شعوبهم لكي لا يفلت أحد من العقاب، وبذلك يثبت القادة الأفارقة للعالم أجمع بأنهم ليسوا ضد معاقبة المجرمين، ولكنهم ضد الاستخدام السياسي للقانون.

5- عقد اتفاقات ثنائية بعدم تسليم من يرتكبون جرائم تجعلهم تحت طائلة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؛ وهو حقتكفله المادة (98) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية، والتي بذلت الولايات المتحدة جهدا كبيرا لإثباتها في النظام الأساسي، وبموجبها عقدت الولايات المتحدة مجموعة من الاتفاقات الثنائية مع عدد من الدول تنص على عدم تسليم الرعايا الأمريكيين إذا ما ارتكبوا جرائم تجعلهم تحت طائلة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وعلى الرغم من النقد الذي وُجه للولايات المتحدة في هذا المسلك، خاصة من منظمة العفو الدولية، والجدل القانوني الذي دار حول مشروعية هذا السلوك، لكنها تبقى سابقة قامت بها الدولة الأكبر في العالم، وعليه فليس هناك ما يمنع من قيام دول أخرى بنفس هذا السلوك. ولكن يرى الباحث أن الأفضل هو الدعوة لعقد اتفاقية إقليمية، على المستوى الأفريقي أو العربي أو الاثنين معا، تلتزم الدول الداخلة فيها بعدم تسليم رعايا الدول الأطراف في هذه الاتفاقية الإقليمية للمحكمة الجنائية. وفي تقديري أن هذا الخيار تتوافر له حظوظ كبيرة من النجاح.

خاتمة

إن الدول الأفريقية تمثل كتلة معتبرة داخل الجمعية العامة لميثاق روما، ويمكن لها أن تؤثر كثيرا في القرارات التي تتخذها هذه الجمعية. وفي ظل الاستهداف الواضح للقارة الأفريقية، يتضح أن الهدف الأساسي من إنشاء هذه المحكمة هو أن تكون أداة في أيدي القوى العظمى لاستخدمها ضد دول العالم الثالث.

وكان مؤتمر كمبالا لجمعية الدول الأعضاء، المنعقد في مايو 2010 بالعاصمة الأوغندية، تكريسا لهيمنة الدول العظمى، خاصة الولايات المتحدة، ومنعا تاما لجميع السبل القانونية أمام المحكمة من أن تطال الرعايا الأمريكيين أو حلفاء الولايات المتحدة، سواء كانوا أعضاء أم غير أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.

ويمثل الانسحاب من عضوية المحكمة الجنائية أفضل خيارات العمل الدبلوماسي، وذلك لأن معظم دول العالم الثالث، التي تتمتع بعضوية هذه المحكمة باتت على قناعة تامة بأن هذه المحكمة أنشئت لمحاكمتهم، لا لأن تكون ساحةً للعدالة الدولية كما كان الشعار عند التأسيس. وليس المهم هنا انسحاب كل الدول، ولكن أي عدد ينسحب سيكون له تأثيره الكبير على عمل المحكمة ووضعها. ويمثل تصويت البرلمان الكيني بالإجماع للانسحاب من الجنائية مؤشرا مهما في هذا الاتجاه. لكن هذا الخيار قد تواجهه صعوبات كثيرة، خاصة أن معظم الدول الأفريقية تعتمد على المعونات التي تُقدم لها من الدول الأوروبية، وسوف تستخدم الدول الأوروبية هذا السلاح، وقد بدأت باستخدامه بالفعل ضد كينيا وملاوي.


 [1] راجع نص المادة 124 من نظام روما الأساسي. متاح على الرابط التالي:

https://www.icrc.org/ara/resources/documents/misc/6e7ec5.htm

[2] "رسائل كمبالا 1: المؤتمر الاستعراضي للمحكمة الجنائية الدولية، 31 مايو ـ 11 يونيو 2011". متاح على الرابط التالي:

http://www.sudanile.com

[3] لؤي ديب، "مؤتمر كمبالا والمزيد من العدالة الانتقائيه"، موقع الجزيرة.نت، 24/6/2010. http://www.aljazeera.net

[4] في الجلسة الثالثة والعشرين من الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة المعقودة في 8/12/2003 قررت الجمعية العامة القرار رقم(ES-10/14) وفقا للفقرة (1) من المادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة والذي طالب محكمة العدل الدولية أن تصدر على وجه السرعة فتوى بشأن المسألة التالية: ما هي الآثار القانونية الناشئة عن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال بإقامته في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية وحولها، على النحو المبين في تقرير الأمين العام، وذلك من حيث قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة 1949، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة؟

وفي 9 يوليو 2004 أصدرت محكمة العدل فتواها بشأن المسألة المذكورة أعلاه في الفقرة (163) من الفتوى على النحو التالي: "...أ. بأغلبية 14 صوتا مقابل صوت واحد، تقرر أن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال ببنائه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية وحولها، والنظام المرتبط به يتعارض مع أحكام القانون الدولي. ب. بأغلبية 14 صوتا مقابل واحد ينبغي للأمم المتحدة ولا سيما الجمعية العامة ومجلس الأمن، النظر فيما يلزم من إجراءات أخرى لإنهاء الوضع غير القانوني الناتج عن تشييد الدار والنظام المرتبط به مع المراعاة الواجبة لهذه الفتوى".

وعلى الرغم من كل ذلك فإن إسرائيل مازالت مستمرة في بناء الجدار العازل ولم يستطع مجلس الأمن بسبب الدعم اللامحدود من أحد الأعضاء الدائمين - الولايات المتحدة- لإسرائيل من اتخاذ إجراءات سريعة لإنهاء الأفعال غير المشروعة لإسرائيل الناجمة عن بناء الجدار.

انظر: لؤي ديب، مرجع سابق. وللاطلاع على فتوى محكمة العدل الدولية راجع الرابط التالي:

http://www.icj/homepage/ar/advisory/advisory/2004-07-09.pdf

[5] لؤي ديب، مرجع سابق.

[6] محمد عبد الصادق، "حصيلة المؤتمر الاستعراضي لنظام المحكمة الجنائية الدولية"، موقع الصباح الإليكتروني، 29/7/2011. متاح على الرابط التالي:

http://www.assabah.press.ma.

[7] محمد عبد الصادق، مرجع سبق ذكره.

[8] "مؤتمر كمبالا الخاص بالجنائية وإصابة في الصميم من إسرائيل"، متاح على الرابط التالي:

http://odwan-sudan.maktoobblog.com، 2/6/2010.

[9] إيناس محجوب، بابكر أبو مدين، "مؤتمر كمبالا كتب شهادة وفاة المحكمة الجنائية الدولية"، بدون تاريخ، على الرابط التالي:

http://www.alhadag.com

[10] إنصاف العوض، "أوراق جديدة من مؤتمر كمبالا" على الرابط التالي:

http://www.akhirlahza.sd، 9/7/2010.

[11] إيناس محجو،/بابكر أبو مدين، مرجع سابق.

[12] د. محمد بشير التجاني، "بماذا خرج مؤتمر الجنائية في كمبالا"، على الرابط التالي:

www.syasasudan.maktoobblog.com، بتاريخ 7/6/2010.

[13] رسائل كمبالا للمؤتمر الاستعراضي، مرجع سابق.

[14] المرجع نفسه.

[15] "أفريقيا  الوسطى ترفض التعاون مع الجنائية الدولية"، متاح على الرابط التالي www.islam4africa.net بتاريخ 2/1/2011.

[16] "نيوزويك الأمريكية تعترف بخروج أوكامبو عن اختصاصه القضائي وكينيا ترفض طلباً أمريكياً للتعاون مع الجنائية"، متاح على الرابط التالي www.sudannewsnet.net، بتاريخ 11|10|2009. انظر أيضا: هنادي عبد اللطيف، "انسحاب كينيا من المحكمة الجنائية صفعة أخرى لأوكامبو"، www.alraed.sd.com، 29|12|2010.

[17] "المحكمة الجنائية الدولية تطالب مجلس الأمن باتخاذ مواقف تجاه زيارات البشير لتشاد وكينيا"، متاح على الرابط التالي:

http://www.radiodabanga.org/node/3605

[18] "كينيا تدافع عن دعوة البشير والجنائية تطالب بإجراءات مناسبة في حقه"، متاح على الرابط التالي www.sudanjem.com، بتاريخ 28/8/2010. أنظر أيضا ، كينيا تسعى لتجنب حكم ضد البشير، http://www.albawaba.com/node/403332،  30|11|2011م.

[19] جريدة آخر لحظة، العدد 1899، بتاريخ 3|12|2011.

[20] رابط الرابط التالي:

 www.akhbarak.net/news/2013/5/27/263992/articles/12548359

[21] "تشاد ترفض مقابلة وفد المحكمة الجنائية لإيجاد شهود زور ضد الرئيس البشير"، متاح على الرابط التالى www.sudansafari.net، بتاريخ 25/11/2010.

[22] نزار عوض الكريم صالح، "الجمهورية الثانية والجنائية"، متاح على الرابط التالي: www.hurriyatsudan.com بتاريخ 20/10/2011. انظر أيضا: بشرى الفاضل، "أفريقيا تقرر مواجهة الجنائية"، صحيفة المدينة، 29/10/2011، العدد : 17720، على الرابط التالي:

www.al-madina.com

[23] للاطلاع على موقف المنظمات الدولية والإقليمية والدول الفاعلة من أزمة دارفور والمحكمة الجنائية الدولية راجع الرابط التالي:

www.moqatel.com

[24] المرجع السابق ذكره.

[25] حسن أحمد الحسن، "أوكامبو هومن يخضع الآن للمحاكمة"، على الرابط التالي: www.sudanile.com، 6 يوليو 2009.

[26] "قمة الاتحاد الإفريقي في أوغندا.. استمرار الأزمات وهيمنة مكافحة الإرهاب"، الأهرام، 9/8/2010.

[27] "إعلان كيجالي ... إجماع حول الجنائية وحقوق الإنسان"، على الرابط sudansafari24، بتاريخ 19/7/2016.

طباعة
د. خالد حسين محمد

مدير مركز السودان للبحوث والدراسات الإستراتيجية بالخرطوم