مقالات

قانون النقابات العمالية الجديد... دلالات وتداعيات

طباعة

أقر مجلس النواب قانون التنظيمات النقابية العمالية يوم الثلاثاء 5 نوفمبر 2017 بعد صولات وجولات عدة. فعليًا، بدأت المناقشات حول إمكانية إقرار قانون جديد للتنظيمات النقابية العمالية في الفترة التالية لثورة يناير 2011، خاصة أن استمرار العمل بالقانون رقم 35 لعام 1976،، الذي جعل من النقابات العمالية التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر الممثل القانوني والشرعي الوحيد للعمال والموظفين، وهو أمر تعداه الوقت والزمن لأن قطاعات من العمال أو الموظفين قررت بالفعل تنظيم نفسها واختيار ممثليها عبر تأسيس نقابات أخرى لا تتبع هذا الاتحاد، وبالتالي كانت هناك حاجة ماسة لتشريع جديد.

وقد كان تعارض الرؤى حول القانون الجديد سببًا رئيسيًا في تأخر صدوره، حيث صعوبة الموازنة بين المصالح المتناقضة لأطراف التفاوض من جهة، واتفاقات مصر الدولية في مجال الحريات النقابية، من جهة أخرى . فالنقابات الجديدة الناشئة، وهي تلك التي تجمعت بعد ثورة يناير 2011 تحت لواء عدة اتحادات نقابية مستقلة عن اتحاد عمال مصر (أهمها الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، ومؤتمر عمال مصر الديمقراطي)، تعثرت في التأثير على عملية صياغة قانون يشرعن وجودها نظرًا لضعفها التنظيمي على الرغم من القوة التمثيلية المؤكدة لبعضها. ومن جانبه - وبطبيعة الحال - فقد عمل اتحاد عمال مصر على تأخر فرص التوافق على قانون بديل،  فمصلحته تكمن في بقائه الممثل الوحيد للعمال والموظفين دون منازع. وعلى الجانب الآخر، وفيما يتعلق بمنظمات رجال الأعمال، فإنها لم ترحب، في أي وقت، بقانون يتيح مزيدا من الحريات النقابية، خوفا من أن الأمر قد يدفع إلى اختلال موازين القوى في غير صالحها، وإلى تفتيت التنظيمات النقابية وصراعها بما قد يضر بالعملية الإنتاجية.

أما الحكومات المتتالية فقد سعت أغلبها إلى صياغة نسخ قانونية تتيح بعض الحريات النقابية لتحسين سجل مصر في مجال احترام اتفاقيات العمل الدولية، إلا أنها سعت، في الوقت ذاته، إلى تقييدها واحتواء الحركة العمالية داخل اتحاد عمال مصر بهدف إحكام السيطرة على الحراك العمالي، ومن ثم تلافي أي احتجاجات محتملة في لحظة اقتصادية حرجة يتم فيها تفكيك منظومة الدعم وتحرير سعر صرف الجنيه. فرغم أن  هذه الإجراءات الاقتصادية قد تكون ضرورية لإحداث إصلاح هيكلي في الاقتصاد المصري، إلا أنها مما لا شك فيه لها تداعياتها الاجتماعية، خاصة علىالحركة العمالية.

وبالتالي، جاء القانون بصيغته الحالية معبرًا عن صعوبة التوافق بين مختلف الأطراف، من جهة، وعاكسًا لتوازنات القوى الحالية، من جهة أخرى . وعلى الرغم من أن القانون بصيغته الجديدة يمثل تقدمًا بالمقارنة بالقانون 35 لسنة 1976، الا أن العديد من مواده لازالت تحد من الحرية النقابية، ولا تحقق الفاعلية التمثيلية أو تتواءم مع اتفاقيات العمل الدولية. ومن ثم، سنناقش في السطور التالية بمزيد من التحليل أهم المواد الإشكالية لهذا القانون، وتداعياتها ودلالاتها.

أولا – ما هي أهم المواد الإشكالية في القانون؟

1- تشكل المادة (11) التي حددت نظام تكوين اللجان النقابية إشكالية حقيقية لأنها حددت حق تكوين اللجان النقابية بحد أدنى 150 عضوا، وهو ما يعني بوضوح أن المنشآت الصغيرة في القطاع الخاص الذي يضم أغلبية العاملين في مصر (حوالي 17.5 مليون عامل من أصل  23.9 مليون عامل وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام  2014)[1] لن يكون لها الحق في تأسيس لجان نقابية. وبما أنالشركات منخفضة العمالة تمثل أغلبية القطاع الخاص في مصر، فإن هذا يعني أن أغلبه لن يستطيع تنظيم نفسه في شكل تنظيمات نقابية تدافع عن حقوقه. وهو أمر لا يحد من الحق في حرية التنظيم النقابي فحسب، بل أيضًا قد يمثل إخلالا  بالتزامات مصر الدولية في هذا الصدد.

ويضاف إلى  ذلك أن هذه المادةحظرت إنشاء أكثر من لجنة نقابية في المنشأة الواحدة بما يعتبر تقييدًا واضحًا لمبدأ الحرية النقابية المنصوص عليه في اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي وقعت عليها مصر - خاصة الاتفاقية رقم 87 التي وقعت عليها مصر في عام 1957- وهو ما يصب، في أغلب القطاعات، في صالح النقابات التابعة لاتحاد عمال مصر. وهو أمر تزداد خطورته بسبب المادة (3) من مواد الإصدار التي تنص على  احتفاظ الاتحاد العام بشخصيته الاعتبارية عقب إقرار القانون مباشرة دونًا عن النقابات الجديدة التي تأسست بشكل مستقل عنه، حيث يتحتم عليها توفيق أوضاعها وفقًا لأحكام القانون الجديد قبل منحها الشحصية الاعتبارية.

2- اشترطت المادة (12) من القانون ألا  يُقبل إنشاء النقابات العامة بعدد أقل من 15 لجنة نقابية،تضمفيعضويتها20 ألفعاملعلىالأقل،وألا  يقبل إنشاء اتحادات نقابية بعدد أقل من 10 نقابات عامة تضم في عضويتها 200 ألف عامل على  الأقل. وهي أيضًا مادة تخدم اتحاد عمال مصر ذي الوجود التاريخي الراسخ. ومع ذلك، فإن سعي النقابات المستقلة الجديدة لتطبيق نص هذه المادة قد يعالج إشكالية الضعف التنظيمي والهيكلي الذي عانت منه اتحادات نقابية مستقلة وُلدت بسرعة في لحظة الانفتاح السياسي الذي تلى ثورة يناير، ثم عانت لاحقًا من انحسار  الفاعلية المؤسسية، خاصة في ضوء ضعف آليات التواصل الرأسي بين القيادات على مستوى الاتحاد والنقابات على مستوى قاعدة الاتحاد، والتواصل الأفقي بين المركز في العاصمة والأطراف في باقي المحافظات.

3- لم يكفل القانون في مادته (43) الحد الأدنى من توافر ضمانات شفافية الانتخابات النقابية. فقد نصت هذه المادة على أن عملية الترشح والانتخاب تجري تحت إشراف لجان عامة يصدر بتشكيلها قرار من الوزير المختص ويرأسها أعضاء من الجهات والهيئات القضائية، وهو ما لا يعني فقط غياب الإشراف القضائي الكامل بما يضمن النزاهة الانتخابية بل أيضًا التدخل في حق التنظيمات النقابية في اختيار الطريقة الأنسب لها لضمان نزاهة انتخاباتها (إشراف قضائي، رقابة داخلية، أو أي طريقة أخرى ).وفي هذا الصدد نشير إلى  أن الانتخابات النقابية التي اعتادت أن تجرى في اتحاد عمال مصر بشكل مشابه، كانت تشهد بعض الانتهاكات والتدخلات، فتأتي بقيادات عمالية غير ممثلة للعمال أو الموظفين. وهو الأمر الذي خلق قبيل ثورة يناير فراغا تمثيليا ونقابيا دفع  البعض إلى إنشاء نقابات مستقلة عن الاتحاد وأكثر تمثيلاً للعمال. ومن ثم، فإن الإصرار على  اتباع هذه الآلية في القانون الجديد سيكون له تأثيره أيضًا على قضية التمثيل النقابي غير الفعالة في اتحاد عمال مصر في الوقت الذي حجمت فيه المادة (11) من إمكانية منافسته من قبل النقابات الجديدة المؤسسة في المنشآت التي يتواجد فيها.

4- أصر القانون في مادته (10) على اعتماد الشكل الهرمي للتنظيم النقابي (لجنة نقابية، نقابة عامة، اتحاد نقابي عام) وفي ذلك استنساخ للشكل التنظيمي الذي يعتنقه الاتحاد العام وفرضه بشكل غير مبرر على جميع المنظمات النقابية على الرغم من حقها الطبيعي في اختيار الشكل التنظيمي الأكثر ملاءمة لها على  أن تحدد لائحة النظام الأساسي القواعد المتعلقة بتشكيلها.

ثانيًا: هل تتغير الخريطة النقابية العمالية في مصر بعد صدور القانون؟

بناءً على التحليل السابق وأهم الإشكاليات التي يثيرها القانون، من المتوقع أن ينتج عن الوضعية التي يؤسس لها هذا الأخير تشكيل خريطة نصف جديدة - نصف قديمة للواقع النقابي في مصر، كما يلي:

1- من المتوقع أن ينتج عن تطبيق القانون اختفاء للنقابات الضعيفة تنظيميًا وتمثيليًا والتي تم تأسيسها بشكل مستقل عن اتحاد عمال مصر (خاصة بعد عام 2011) داخل  المنشآت التي يتواجد فيها إحدى النقابات التابعة للاتحاد لأنها لن تستطيع مواجهة النقابات التابعة للأخير بسبب ضعفها من جهة، ولأنها لن تحصل على الشخصية الاعتبارية قبل توفيق أوضاعها بعكس نقابات اتحاد عمال مصر من جهة أخرى.

2-  من المتوقع أيضا استمرار هيمنة اتحاد عمال مصر على  القطاع الصناعي العام نظرًا لغياب النقابات المستقلة من الأصل داخل هذا القطاع ذي العلاقة شبه العضوية مع الدولة من جهة، ولأن الانضمام لاتحاد عمال مصر يضمن، من ناحية أخرى، التمتع بمجموعة من المميزات الاجتماعية والفوائد المادية التي يصعب على العمال التضحية بها، على غرار صناديق الزمالة التي تقدم خدمات الضمان الاجتماعي لأعضاء النقابات التابعة لها، ومكافآت نهاية الخدمة التي تقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات، كما هو الحال مثلا في نقابة الحديد والصلب، وتقدم في أحيان قليلة معاشات كحال نقابة النقل البري، حيث يتم تمويل هذه الصناديق من الاشتراكات التي يدفعها العمال والتي عادة ما يتم خصمها تلقائيًا من رواتبهم. لذا، يواجه العمال الراغبون في إنشاء نقابات جديدة مستقلة عن اتحاد عمال مصر مشكلة فقدان نصيبهم في هذه الصناديق الاجتماعية رغم أنه  قد سبق لهم تمويلها من رواتبهم.[2]

3- من المتوقع حدوث صراع على النفوذ بين النقابات الجديدة القوية تمثيليًا (نسبيًا) المستقلة عن اتحاد عمال مصر وبين تلك التابعة له في منشآت وقطاعات بعينها. وهو الأمر الذي سنشهده بشكل أوضح في القطاعات الخدمية في القطاع العام والقطاع الحكومي، حيث التواجد الأقوى للنقابات الجديدة والمستقلة. ونذكر هنا، على  سبيل المثل لا الحصر، النقابة المستقلة للعاملين في البريد في مواجهة نقابة البريد العامة للعاملين بالبريد؛ والنقابة المستقلة للعاملين بالنقل العام في مواجهة النقابة العامة للنقل البري؛ والنقابة المصرية للاتصالات المستقلة في مواجهة النقابة العامة للعاملين بالاتصالات، والنقابة المستقلة لموظفي الضرائب العقارية والنقابة المستقلة لموظفي الضرائب على المبيعات في مواجهة النقابة العامة للعاملين بالبنوك والمؤسسات المالية؛ ونقابة المعلمين المستقلة في مواجهة نقابة العاملين بالتعليم والبحث العلمي.

4- كذلك يتوقع أن يكون هناك سهولة أكبر في توفيق أوضاع النقابات الجديدة المستقلة عن الاتحاد العام في المنشآت التي لا يوجد فيها نقابات تابعة للأخير كما هو الوضع بالأخص في القطاع الخاص (على أن تكون حجم العمالة فيه مساوية أو أكبر من 150 عاملا للتوافق مع المادة 11 سابقة الذكر).

وفي السياق ذاته، من المتوقع (أو من الأكثر منطقية) أن تسعى  اللجان النقابية القائمة بشكل مستقل عن اتحاد عمال مصر في فترة توفيق أوضاعها (التي حددها القانون بستين يومًا تبدأ من اليوم التالي لنفاذ اللائحة التنفيذية للقانون) إلى تكوين نقابات عامة يعترف بها القانون قبل الشروع في توفيق أوضاع الاتحادات النقابية المستقلة القائمة (وذلك بهدف التوافق مع المادة (12) من القانون التي حددت إنشاء النقابات العامة بحد أدنى  15 لجنة نقابية وتأسيس الاتحادات النقابية بحد أدنى 10 نقابات عامة كما سبق وأن أشرنا). وهو ما سيؤكد مرة أخرى  تغيير المشهد النقابي الحالي، ربما بتفكك الاتحادات النقابية المستقلة الحالية وإعادة تأسيسها وفقًا لقواعد هذا القانون، أو عبر اندماج عدة اتحادات نقابية مستقلة، أو حتى عبر اختفاء بعض النقابات والاتحادات النقابية المستقلة القائمة التي لن تستطيع التوافق مع متطلبات القانون.

ثالثًا: هل عالج القانون أزمة التمثيل العمالي والتوافق مع اتفاقيات العمل الدولية؟

فعليًا، صدور القانون بصيغته الحالية، بعد تعثر دام لسنوات، كمحصلة  لتوازنات القوى  الحالية التي هي بالطبع في صالح الاتحاد العام، ذي العلاقة العضوية والبنيوية مع الدولة منذ لحظة تأسيسه. وهو ليس على  أي حال، في صالح الاتحادات النقابية الجديدة التي عبر تراجعها عن أزماتها التنظيمية والهيكلية، وإن عبر ظهورها من الأصل عن مشكلة مفصلية للحركة العمالية في مصر تلك المتعلقة بأزمة التمثيل العمالي.  فهل عالج القانون بصيغته الحالية هذه الأزمة؟ وهل منح فرصًا لتحسين وضع مصر في مجال اتفاقيات العمل الدولية؟

في الواقع، على الرغم من أن هذا القانون أفضل من القانون رقم 35 بما سيوفر مؤشرات إيجابية إلا أن القيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي سيكون لها آثار سلبية على التزامات مصر في هذا المجال، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرصها في زيادة الاستثمار الأجنبي. فعليًا، ما وفره هذا القانون هو تحسينًا لشروط اللعبة، وفرصًا أكبر للتنظيم والتمثيل العمالي على أسس جديدة - خاصة أنها المرة الأولى منذ عام 1956 التي لا يتم فيها اعتبار الاتحاد العام ممثلاً قانونيًا وشرعيًا وحيدًا للعمال - إلا أن القانون لم يعالج، في الوقت ذاته، المشكلة التمثيلية بشكل جذري لأنه من جهة، لم يدفع إلى  تغيير القواعد التمثيلية داخل الاتحاد العام من خلال فصله عن الدولة كي لا يكون ممثلا للدولة والعمال في آن واحد  وضمان نزاهة انتخاباته الداخلية، ومن ثم ضمان فاعليته التمثيلية. وفي الوقت ذاته لم يعط فرصة للنقابات الجديدة لمنافسته في المنشآت التي يتواجد فيها أو يفتح الباب لإنشاء نقابات جديدة مستقلة عنه، بما يدفع لضمان الفاعلية التمثيلية بناءًا على حرية اختيار العمال لنقابتهم في المنشأة. وهو ما يعني أن القانون حجب إمكانية إنشاء نقابات صغيرة، وحجم من فرص المنافسة النقابية لصالح نقابات الاتحاد العام، بجانب تقييد التنظيمات النقابية في اختيار طريقة تنظيم انتخاباتها وبشكل يضمن نزاهتها. ففي وقت الضغوط الاقتصادية، يكون إيجاد قنوات تواصل وتفاوض فعالة لممثلين حقيقيين للعمال أو الموظفين هو الطريقة المثلى لامتصاص هذه الضغوط والحد من فرص تفاقمها، وذلك باعتبار أن توسيع دائرة التمثيل يمثل مفتاحا مهما للوصول إلى حلول وسط بين الممثلين الحقيقيين لأصحاب المصالح المتناقضة.


[1] أيمن عبد المعطي، "الحركة العماليةالمصرية...ما العمل؟"، المجتمع الديمقراطي، 2015. متاح على الرابط التالي:

http://dem-society.com/2015/10/22/الحركة-العمالية-المصرية-ما-العمل؟/

[2] في حين أن هذه الأموال تذهب في معظمها إلى العمال الصناعيين، فإن بعض موظفي الخدمة المدنية يستفيدون منها أيضًا.

طباعة
د. نادين عبد الله

مدرس غير متفرغ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة