مقالات

قراءة في خطاب ترامب بشأن القدس

طباعة

بغض النظر عن التداعيات السريعة المتمثلة في اندلاع الاحتجاجات في العديد من دول العالم ضد قرار الرئيس دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس "عاصمة" لإسرائيل، والبدء في إجراءات نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، من المهم القيام بقراءة مدققة لخطاب ترامب في السادس من ديسمبر الجاري (2017)، والذي أعلن خلاله قراره الآنف الذكر.

فقد حوى الخطاب العديد من النقاط التي تكشف عن الأسباب التي دعته لاتخاذ القرار، كما احتوى أيضا على مغالطات وتناقضات وغموض في بعض التعبيرات والتي قد تفرغ القرار من محتواه لاحقا عند دراسة التصورات التي أطلقها ترامب في خطابه عن مستقبل التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين.

القرار والدوافع الشخصية لدى ترامب

يدرك كل المتابعين لترامب منذ ترشحه للرئاسة وأثناء حملته الانتخابية، وصولا إلى قراءة قراراته خلال العام الأول من ولايته، أنه ينطلق في تصوراته السياسية من ثلاثة مرتكزات أساسية:

أولها، أن المؤسسات الحاكمة والمؤثرة في صناعة القرارات (الأحزاب، الإعلام، الخارجية، الكونجرس، الأجهزة الأمنية) غارقة في البيروقراطية والفساد.

ثانيها، أن الرؤساء الأمريكيين الأسبق عليه لم يكونوا يتحلوا بشجاعة اتخاذ القرارات حتى لو كانوا مقتنعين بصحتها خوفا من المؤسسات أو قيادتها أو اللوبيات المؤثرة داخلها.

ثالثها، أن عالم السياسة لا يختلف عن عالم المال أو "البزنس"، وأنه يمكن إدارة الشئون السياسية بطريقة الصفقات DEALS، التي لا تحتاج للغرق في التفاصيل بقدر امتلاك الرؤية المستقبلية، والقوة الضرورية لفرض الصفقة أو الفوز بها.

هذه العناصر الثلاثة ظهرت بوضوح في خطاب ترامب الأخير. فقد أكد أولا أن البيت الأبيض في عهد الرؤساء السابقين منذ اتخاذ الكونجرس لقرار نقل السفارة عام 1995 وحتى اليوم  لم يتحلوا بالشجاعة لتطبيق القرار، وأنه وحده الذي وعد بنقل السفارة أثناء حملته الانتخابية وفعلها، خلافا للوعود المماثلة التي قطعها من قبل الرؤساء: كلينتون، وبوش الابن، وأوباما، ولم يقوموا بتنفيذها. وأكد ترامب بشكل مباشر على انتقاده للكونجرس والسياسات التي اتبعها الرؤساء السابقون كونهم لم يتعاملوا مع الأمر الواقع بل مع افتراضات بدا بوضوح (بالنسبة له) أنها غير صحيحة، وعلى الأخص تبرير الرؤساء عدم اتخاذهم قرار النقل على مدى أكثر من عشرين عاما بأن تطبيق القرار سيلحق ضررا بفرص السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وحسب نص ما قاله ترامب: ثبت بوضوح أن التأجيل لم يؤد لتحقيق السلام!!!

مغالطات تاريخية لتسويغ القرار

تحت دعوى "الاعتراف بالأمر الواقع"، أدعى ترامب أن القدس ظلت عاصمة لإسرائيل منذ نشأتها عام 1948، وأن الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس ترومان كانت معترفة بذلك.

لقد قفز ترامب بهذا الزعم على حقائق التاريخ والمتمثلة في أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والذي أوصى بتقسيم فلسطين، قد جعل مدينة القدس منطقة خاضعة للإدارة الدولية وليست تابعه لأي من الدولتين العربية واليهودية (جاءت نسب التقسيم في القرار كالتالي: 55% من الأرض للدولة اليهودية، 44% للدولة العربية، 1% منطقة مدولة). ولم يتمكن ترامب في سياق خطابه من الاستمرار في هذه المغالطة، حيث بدا أنه لا يحدد القدس بنفس المصطلح الذي يستخدمه أغلب السياسيين الإسرائيليين "القدس الموحدة وغير القابلة للتقسيم"، وبينهما فارق كبير، فعلى حين يقصد الإسرائيليون شرق المدينة وغربها، فإن تعبير القدس وفقط الذي استخدمه ترامب لا يشير إلى اعترافه بالتحديد الإسرائيلي لحدود المدينة. وقد عاد في فقرة أخرى من خطابه للتحدث بوضوح عن أن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها لا يعني التدخل في رسم حدود المدينة، وأن القضية متروكة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين!!!

تحدث ترامب أيضا عن أن سيادة إسرائيل على المدينة لم تؤثر في حق أبناء الديانات الثلاث المسيحية واليهودية والإسلام في التعبد في أماكنهم المقدسة!!! وهو قول يستهدف تصوير الصراع حول المدينة على أنه صراع على المناطق التي توجد بها المناطق المقدسة، بينما الواقع أن مدينة القدس الشرقية بأكملها هي جزء لا يتجزأ من حدود الرابع من يونيو عام 1967 وتعتبر في عرف القانون الدولي مدينة محتلة لا يجوز تغيير معالمها أو جغرافيتها أو نقل سكان من الدولة المحتلة إليها أو منها.

تناقضات وغموض الخطاب

لم يتوقف الخطاب عن سوق المغالطات التاريخية وفقط، بل وقع في تناقضات عديدة منها إدعاؤه بأن قرار نقل السفارة لن يؤثر على إصرار إدارته على السعي نحو تحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، في الوقت الذي لا يوضح كيف يمكن جلب الفلسطينيين إلى مائدة التفاوض لكي يطلعوا على تفاصيل الصفقة التي يعد ترامب بأنها ستنهي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى الأبد! هل يتوقع ترامب أن هناك قائد فلسطيني سيتحلى بنفس شجاعته ويوافق على تجاهل قراره بشأن القدس والدخول في مفاوضات مع الإسرائيليين رغما منه؟ وهل يحتاج القرار من قائد فلسطيني لمجرد الشجاعة وفقط أم أن ما يتيحه المجتمع الأمريكي لرئيسه من فرصة للقفز على التناقضات الداخلية لا يمكن تصور مثيله في المجتمع الفلسطيني المليء بالانقسامات والخاضع لمعادلات سياسية ومناطقية وأيدولوجية صعبة الحل؟  أم تُرى أن ترامب يراهن على الضغوطات التي سيمارسها على بعض القوى العربية الإقليمية لتقوم بدورها بالضغط على الفلسطينيين للقبول بالصفقة الكبرى التي تحدث عنها؟

أغلب الظن أن ترامب بنى حساباته على العناصر التالية: 

1- أن الفلسطينيين ليس لديهم خيارات كثيرة؛ فهم يمرون بأزمة اقتصادية خانقة قد تزيد حدتها حال قررت الإدارة الأمريكية تخفيض أو قطع المعونة المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية، كما أن التنافس بين حماس وفتح إما أنه سيتحول إلى خصومه أو حتى قتال بين الطرفين، أو أن كليهما لن يجرؤ على الدخول في منازعات جانبية بينهما تؤدي إلى مزيد من فقدان ثقة الشعب الفلسطيني بكليهما.

2- أن الدول العربية تمر أغلبها بتحديات داخلية وخارجية صعبة تجعل من الاهتمام بتحسين الأوضاع الاقتصادية لمواطنيها ومقاومة الإرهاب وكبح التدخل الإيراني في المنطقة أولويات تتقدم على الدخول في منازعات مع واشنطن حول القضية الفلسطينية التي تراجع التأييد الشعبي لها في معظم الشوارع العربية. وقد لمح ترامب لهذا في خطابه، حين دعا الدول العربية للتفكير في رفاهية شعوبها ووضع هدف محاربة الجهل والتطرف والإرهاب على رأس أولوياتها وليس الصدام مع إسرائيل.  

3- إن رفض قرار نقل السفارة لن يسفر سوى عن احتجاجات ومصادمات محدودة، يمكن استيعابها سواء بالتأكيد على أن القرار لن يؤثر على حقوق المسلمين والمسيحيين الشرقيين في القدس، ويلاحظ هنا أنه أشار إلى المنطقة التي تحوي هذه المقدسات باستخدام التعبير الإسرائيلي والعربي معا من خلال حثه الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على الحفاظ على الوضع القائم في منطقة "جبل الهيكل"، أو بدعوة قادة هذه الدول للتحلي بالحكمة وعدم الدعوة إلى صدام قد يؤثر على مصالحها ويزيد من حدة عدم الاستقرار الذي تعانيه في الوقت الراهن.

مستقبل التسوية في الخطاب

على الرغم من أن ترامب أكد على استمرار التزامه بما يسميه بالصفقة الكبرى لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إلا أنه لم يدل بأية تفاصيل يمكن أن تكشف عن مضمون هذه الصفقة، واكتفى ترامب بالقول إنها ستكون صفقة كبرى للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي! ولكنه حتى عندما تحدث عن قناعته بحل الدولتين فقد جعله مرهونا بتوافق الطرفين، وهو ما يمنح الطرف الإسرائيلي الحق في رفض هذا الحل من حيث المبدأ،  أو وضع اشتراطاته لشكل الدولة الفلسطينية التي سيقبل بوجودها على الأقل.

وفِي كل الأحوال يمكن القول إن اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل وما ساقه من مبررات من أنها عاصمة لها بالفعل كونها تحتضن مؤسسات الدولة العبرية (برلمان، مقر الحكومة، المحكمة العليا... إلخ)، يشير فقط إلى القدس الغربية التي قامت إسرائيل بتوسيعها منذ تأسيسها عام ١٩٤٨، أما القدس العربية التي ضمتها إسرائيل إليها بعد حرب يونيو ١٩٦٧، فرغم إحاطتها بالمستوطنات إلا أنها عجزت عن تحويل اليهود إلى أغلبية بها. كما بقي أكثر من ٣٠٠ ألف فلسطيني داخلها ويحملون هوية مواطنة بالقدس وليس بالدولة العبرية، وهؤلاء سيشكلون حجر عثرة أمام أي محاولة إسرائيلية لتوحيد شطري المدينة. إذ لن يكون أمام إسرائيل حينها إلا أن تمنحهم الجنسية الإسرائيلية مما يزيد من مخاوف الخطر الديموغرافي في إسرائيل عامة والقدس خاصة، وإما أن تحاول طردهم وهو ما لا تقوى على تحمل ثمنه من انتفاضات داخلية وإدانات دولية واسعة النطاق.

وأخيرا، فإن عدم تعرض ترامب في خطابه للحديث عن المستوطنات والتي كانت إدارة أوباما السابقة قد سمحت بإدانتها في مجلس الأمن، يفتح بابا آخر للتشكيك في قوة قرار ترامب بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، حيث إن معظم المستوطنات التي تم بناؤها حول القدس الشرقية والتي تعتبر امتدادا لها لم تحظ حتى الآن بشرعية قانونية دولية أو أمريكية (حتى في خطاب ترامب الأخير). كذلك سيظل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس مجرد قرار رمزي، إذ تشير التقارير الواردة من الولايات المتحدة ومن إسرائيل ذاتها أن تجهيز مبنى السفارة هناك سيستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أعوام، وهي فترة زمنية طويلة ينبغي على العرب عدم تفويتها لوضع المزيد من الصعوبات أمام تحويل القرار الذي اتخذه ترامب لأمر واقع.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية