دراسات

مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان... علاقة جدلية قابلة للضبط

طباعة

يعد الإرهاب الدولي من أبرز صور العنف السياسي في مجال العلاقات الدولية. ورغم أن مكافحته مدرجة على جدول الأعمال الدولي منذ ثلاثينيات القرن الماضي عندما ناقشت عصبة الأمم أول خطوة لتجريمه من خلال اتفاقية منع الإرهاب والمعاقبة عليه، ورغم أنه منذ ستينيات القرن العشرين، وضع المجتمع الدولي تحت إشراف الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة 19 اتفاقية دولية لمنع العمليات الإرهابية[1]، كما تم ضخ الكثير من الأموال لمكافحته؛ حيث "قامت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها خلال 15 عامًا بإنفاق ما يعادل 5 تريليون دولار؛ إضافة إلى أن المال المقترض قد يكلف 8 تريليون دولار أخرى بحلول منتصف القرن الواحد والعشرين[2]، رغم كل ذلك، فإن الإرهاب لم يتم القضاء عليه، ولم يحصل العالم على الأمن المرجو؛ بلإن حدة النزاعات والعمليات الإرهابية ازدادت عنفًا وتدميرًا خلال العشر سنوات الماضية.

والواقع، استطاع الإرهاب تدمير مجتمعات بأكملها كما تسبب في عدم استقرار مناطق كثيرة حول العالم، ولم يفرق بين اختلاف في الدين أو الجنس؛ وحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن الإرهاب نفذ عام 2016، ما لا يقل عن 11 ألف اعتداء إرهابي في أكثر من 100 دولة، مما أدى إجمالًا إلى مصرع أكثر من 25 ألف وإصابة 33 ألف شخص".[3]​إضافة إلى أن هناك تقديرات أخرى تشير إلى أن أكثر من مليون شخص لقوا حتفهم في العراق لأسباب تتعلق بالحرب، وأن أكثر من 220 ألف لقوا حتفهم في سوريا منذ نشوب الحرب[4] وحتى عام 2015. كما تشير تقديرات المفوضية السامية لشئون اللاجئين عن نفس العام إلى أن عدد اللاجئين السوريين الذين فروا من ديارهم بسبب الحرب والعمليات الإرهابية يزيد عن الثلاثة ملايين، فيما بلغت أعداد المشردين داخل سوريا سبعة ملايين[5]، وهو ما يعد في الحقيقة انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

​ويبدو أن مكافحة الإرهاب العالمي، مع عدم الإخلال بالالتزام بالمواثيق الدولية الخاصة باحترام حقوق الإنسان أضحى مهمة بالغة التعقيد؛ خاصة مع الوضع في الاعتبار الوقت الطويل الذي يتطلبه مكافحة الإرهاب. ولكن إذا كان الإرهاب هو تجاهل، وتقويض، وإنكار لجميع المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، فإن المجتمع الدولي لا يمكنه هو الآخر أن يقوم بالأمر ذاته تجاه تلك المواثيق. وأزعم أنه إذا أرادت الدول كسب معركتها حيال الإرهاب المتنامي؛ فعليها أن تجعل نصب أعينها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/158/2005 الذي يوفر الإطار الأساس لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب[6]. كما أن عليها الانحياز إلى مبادئ حقوق الإنسان كما هي مسوغة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين، وكافة الصكوك، بوصفها المرجعية العقلية المستقلة أو "المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم" حسب ديباجة مقدمة الإعلان العالمي، وهذا ما ينقلنا إلى السؤال عن كيفية القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه.

لقد أدى انتشار موجات الإرهاب المتنامية في العالم إلى اختلاف الرؤى فيما يتعلق بالأساليب الناجعة التي يمكن من خلالها القضاء على تصاعد ظاهرة الإرهاب. وبشكل عام، يمكن التمييز بين استراتيجيتين أساسيتين لمكافحة الإرهاب، الأولى قريبة المدى، والثانية هي استراتيجية بعيدة المدى.

أولا: الاستراتيجية قريبة المدى

تتضمن الاستراتيجية قريبة المدى عددًا من السياسات والضوابط، نناقشها في النقاط التالية:  

1- ضرورة ابتعاد الدولة عن الاستخدام المفرط للقوة في غير موضعها الصحيح، والذي يولد بدوره العنف المضاد. إذ تنص المادة (5) من الإعلان العالمي على "عدم جواز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة". كما تنص المادة (7) على أن "الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حقِ التمتع بحمايةالقانون دونما تمييز. كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز".وتنص المادة (9) على أنه "لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا".

وينقلنا ذلك إلى مبدأ سيادة القانون؛ حيث يفترض ضمنا أن المشتبه في ارتكابهم الهجمات لهم حقوق، كأعضاء في الأسرة البشرية أثناء القبض عليهم؛فهم أبرياء إلى أن يثبت أنهم مذنبون بارتكاب الجريمة من خلال محاكمات علنية.وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن "93% من مجمل الاعتداءات الإرهابية بين عامي 1989 و 2014 في بلدان ذات مستويات مرتفعة من الوفيات خارج نطاق القضاء، والتعذيب، والسجن دون محاكمة"[7]. والحال أن هذه الرؤية التي تتعامل بها بعض حكومات الدول لا يمكن أن تشكل سوى الوقود الأكثر اشتعالا الذي يلقى في آتون الاحتقان الاجتماعي بما يهدد النسيج الاجتماعي، وإن كان قدرا من العنف ربما كان لازما ومبررا في كل رد فعل دفاعي مشروع، وإلا لما تعين وجود قوات الشرطة، ولما توجب استخدام العنف ضد من يطلق النار على الناس في الشارع.

والواقع، إن بعض الحكومات لا تفرق بين الإرهابيين والمدنيين المسالمين وتصدر بحق الجميع إجراءات مشددة. وبالتأكيد ليس هناك ما يبرر الإرهاب؛ خاصة أن المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل التي اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 52/164 المؤرخ في 15 ديسمبر 1997 تنص على أن "تتخذ كل دولة طرف ما يلزم من تدابير، بما فيها التشريعات المحلية عند الاقتضاء، لتكفل ألا تكون الأفعال الجنائية الداخلة في نطاق هذه الاتفاقية - وبخاصة عندما يُقصد منها أو يُراد بها إشاعة حالة من الرعب بين عامة الجمهور أو جماعة من الأشخاص أو أشخاص معينين - مبررة بأي حال من الأحوال لاعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو عقائدي أو عرقي أو إثني أو ديني أو أي طابع مماثل آخر، ولتكفل إنزال عقوبات بمرتكبيها تتمشي مع طابعها الخطير"[8].

2- المساواة وعدم الإقصاء الاجتماعي والتمييز الذي يولد الإحباط واليأس، وهي ممارسات لازالت تقوم بها بعض الدول تجاه مواطنيها، حتى في الدول الأكثر تقدما. على سبيل المثال، تجلت ظاهرة الفرنسيين المتشددين التي تضم فرنسيين من ذوي الأصول العربية بالإضافة إلى معتنقين جدد للإسلام بعضهم فرنسيون أصلاء وآخرون من أصول أوروبية وبرتغالية وأفريقية، ينتمي أغلبهم ضمن ما يعرف في أدبيات السياسة الداخلية الفرنسية بأحياء الهامش والضواحي، وذلك كنتيجة طبيعية لسياسات الإقصاء الاجتماعي التي انتهجتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة قبل أن يكونوا ضحايا قراءات دينية متشددة. وتقدر بعض المصادر عدد المقاتلين الفرنسيين في صفوف داعش بنحو الألف وسبعمائة[9]، ما يعني أنها أكبر مصدر أوروبي للمقاتلين الأجانب في صفوف التنظيم. والحال إن هذه الرؤية التي تتعامل بها بعض النخب في أوروبا مع الإسلام نتجت عن فشل مشروع إدماج أبناء المهاجرين في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

3- تفعيل المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وعدم الاكتفاء بالتصديق عليها، وهو ما يعني أن حقوق الإنسان يجب أن تكون إلزاما وليست التزاما، وكذا تعزيز سيادة القانون في الشئون العالمية وفي المجتمعات المحلية؛ حيث إنها الأداة الأكثر فعالية لدى المجتمعات البشرية لإدارة الصراعات بين الناس دون التذرع بالحرب على الإرهاب؛ خاصة أن الأمم المتحدة في حد ذاتها ليس لها القوة الإلزامية لتطبيق تلك المواثيق؛ فهي وإن أمنت الجانب النظري للحقوق المعلنة لا تؤمن الجانب العملي لها. ولتعزيز سيادة القانون، قبلت 124 دولة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية بما فيهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. ولكن من اللافت للنظر أنه رغم قبول كل من الولايات المتحدة، وروسيا، والصين نيابة المحكمة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في السودان، وليبيا، وكينيا، فإن رفض كل منها الانضمام إلى المحكمة كفيل بإضعاف المحكمة والقانون، كما أنه يدل على الانتقائية وازدواجية واضحة في المعايير. ومما يدل على ذلك إعلان مساعدة المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، في نوفمبر 2017، أمام مجلس الأمن الدولي أن الولايات المتحدة ترفض أي تحقيق للمحكمة الجنائية الدولية يشمل موظفين أمريكيين في أفغانستان.

4- تفعيل الاتفاقيات الدولية في مجال مكافحة الإرهاب بما يؤدي لانحسار الظاهرة؛ بمعنى عدم الاكتفاء بإدانة الأعمال الإرهابية التي تستهدف أرواح مئات الأبرياء المدنيين والعسكريين على حد سواء وغيرهما على المستوى المحلي والدولي، ولكن يجب أن ترتبط الإدانة دائمًا بردعها عسكريا، وهو ما يعد أحد الحقوق الأساسية في الإعلان العالمي الذي ينص في مادته الثالثة على "الحق في الحياة والحرية وسلامة الشخص"، وهذا ما ينقلنا إلى الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي نصت على إمكانية قيام الدولة ببعض التجاوزات في حالات خاصة؛ فتحت عنوان مخالفات في حالة الضرورة جاءت المادة (15) التي تتيح إمكانية مخالفة الالتزامات المنصوص عليها بالاتفاقية ولكن في أضيق الحدود، وهي حالات "الحرب أو الطوارئ العامة"[10]؛ في حين أن المادة (17) وإن كانت تمنع هدم الحقوق والحريات المقررة في الاتفاقية أو المعاهدة؛ فإنها توافق على ما يعرف بـ: لا حرية لأعداء الحرية. وهذا ما يستدعي تنمية طبيعة العلاقات الدولية في مجال المعلومات؛ خاصة أن الإرهاب أضحى ظاهرة عالمية تحتاج تضافر كافة الجهود للتصدي لها من خلال تكثيف تعاون الدول والوكالات الأمنية في عملية تبادل المعلومات الخاصة بعدد الإرهابيين وأفكارهم وتمويلهم... إلخ. بيد أن تجريم الدول التي تدعم الإرهاب وتموله هي إحدى الخطوات الفعالة مثلما حدث في حالة دولة قطر؛ إذ قررت أربعة دول، هي مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية معها في 5 يونيو 2017، وذلك حماية لأمنهم من مخاطر الإرهاب والتطرف. وفي أعمال الدورة (148) لوزراء الخارجية العرب بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية المنعقدة بالقاهرة في 12 سبتمبر 2017، تم اتهام دولة قطر بسجل حافل في دعم وتمويل الإرهاب من دول المقاطعة داخل الجلسة العلنية للاجتماعات. والأمر الذي يدعو للدهشة والاستغراب أن بعض الدول التي يعلو ضجيجها بإدانة الإرهاب لم تقم بأي شكل من أشكال الإدانة حيالها.

5- رصد الجماعاتاليمينية المتطرفة الموجود في جميع أنحاء العالم؛ خاصة في الغرب والتي تثير الشقاق والصدام وعدم التسامح، وتحجيم نشاطها من خلال تجفيف منابع التمويل؛ حيث ترتكب تلك الجماعات معظم المؤامرات والهجمات الإرهابية ضد اللاجئين على سبيل المثال، رغم هروب هؤلاء المهاجرين من بلدانهم بسبب العمليات الإرهابية الموجودة بها. تلك الجماعات اليمينية موجودة في معظم الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا والنمسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، توجد خلية إرهابية يمينية متطرفة تطلق على نفسها اسم "مجتمع المدرسة القديمة"[11]، وأخرى تسمى "الحركة السرية الاشتراكية القومية" NSU متورطة في سلسلة جرائم قتل ضد الأجانب[12]. كما يقف "الحزب القومي الديمقراطي" NPD، خلف الاعتداءات على اللاجئين والهجوم على المؤيدين لسياسة الباب المفتوح أو الذين يعملون في مجال دعم اللاجئين[13]، ناهيك عن المظاهرات العنصرية لحركة "بيغيدا" (الألمانية) التي أصبحت حسب تصريح رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي في ألمانيا "حركة متطرفة ومستودعا للكراهية"[14] نظرا لما تقوم به من إشاعة الكراهية من خلال مظاهرات أسبوعية يشارك فيها أعضاء بالآلاف ضد اللاجئين؛ رغم أن حق اللجوء هو حق من حقوق الإنسان، وكل من يتقدم بطلب لجوء سياسيٍ ينبغي أن يُعامل بإنصاف وأن يتم استقباله وبما يترتب على ذلك من أمور.

6- عدم ربط الإرهاب بأي دين أو جنس، أو عرق، أو حضارة، خاصة أن المادة الثانية من حقوق الإنسان تنص على أن "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات، دونما تمييز من أي نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر. وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا أم موضوعا تحت الوصاية أم غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعا لأي قيد آخر على سيادته".

كما يجب تمييز ظاهرة الإرهاب عن غيرها من الظواهر والمفاهيم ضمانا لفعالية مكافحته، لاسيما فيما يتعلق بالكفاح المسلح لمقاومة الاحتلال على سبيل المثال، والمنصوص عليه ضمن المعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة؛ حيث يجب تكثيف الجهود الدولية وصولا إلى اتفاق يتضمن تحديد دقيق وشامل لمفهوم الإرهاب مراعيا كافة جوانبه الجوهرية بحيادية. وفي هذا الإطار، ينبغي الاعتماد على ترسيخ مبدأ الثقة والتسامح والاحترام المتبادل والتكامل والتواصل بين الحضارات المختلفة وليس ما أرسته نظرية صدام الحضارات،لأن كل تقدم في أنماط الإنتاج وأساليب العيش ووسائله لا يمكن أن يتم إلا بالتقاء وتقارب الدول، إذ إن الحضارات الإنسانية العظمى ذات أصول واحدة تقوم على تكامل الجهد الإنساني في الارتقاء بالإنسان وتعترف بالتعددية الثقافية والدينية والقومية، وهو في الحقيقة ليس دورا منوطا بالزعماء السياسيين والدينيين فقط بل دور كل فرد في المجتمع الدولي.

7- ضبط الفضاء الإلكتروني، وذلك على خلفية نجاح الجماعات المتطرفة في استغلال قيم الحداثة الغربية، خاصة الفضاء الإلكتروني المتمثل في شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث استخدم تنظيم داعش، على سبيل المثال، ذلك الفضاءلاستقطاب وتجنيد المتطرفين الجدد وجمع الأموال[15]. ومن ثم، يجب وضع ضوابط أكثر إحكامًا تحول دون تحقيق أهداف الإرهابيين وتواصلهم عبر شبكة الإنترنت. وفي أحدث مبادرة لمنع نشر دعايا التنظيمات المتطرفة أعلنت شركات فيسبوك ومايكروسوفت وتويتر ويوتيوب في يونيو 2017 بتأسيس "منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الارهاب"[16]، الغرض منه منع المحتويات ذات الطابع المتطرف ومحاربة الأفكار الإرهابية. 

8- ضبط وسائل الإعلام؛ فقد ترسخت علاقة قوية تربط بين الإعلام المرئي ورأس المال الهادف إلى زعزعة استقرار بعض الدول وتحقيق مصالحه الخاصة، بحيث بدأت هذه العلاقة تؤثر إلى حد كبير في إدراك تفاصيل الحدث الذي تعالجه ونمط تفاعل أفراد المجتمع معه؛ فنجدها بدلاً من أن يكون لها دور في مكافحة الإرهاب، أضحت عاملا مؤسسا للتحريض والتضخيم الذي يقودالأفراد إلى الخوف وتشكيل صورة نمطية بمعايير مزدوجة عن بعض الدول. بل الأدهى من ذلك أن تجد لأعمال الإرهابيين مسميات من شأنها نفي صفة الإرهاب عنهم. فعلى سبيل المثال، أصرت جريدة "الجارديان" البريطانية مؤخرا؛ على عدم وصف من قاموا بالعملية الدموية الإرهابية في قرية الروضة ببئر العبد (المصرية) بالإرهابيين، رغم أنه نتج عنها استشهاد 305 مواطنا وإصابة 130 آخرين مسالمين، مفضلة استخدام تعبير مسلحين. بالتأكيد إن الصورة النمطية التي تُعرض في وسائل الإعلام تشكل نهجا حيويا لقيادة الأفراد إلى النظرة السلبية أو الإيجابية تجاه المحتوى. وبمعنى أدق، أصبحت وسائل الإعلام المرئي تسهم في تغيير منظومة معتقدات أو آراء أفراد المجتمع في ضوء طبيعة النهج الذي تمارسه في معالجة المضامين، وأسلوب الطرح.وعلى هذا يتحتم وضع ضوابط وآليات لضبط العمل الإعلامي بشكل عام بحيث يكون محكوما بالموضوعية والمهنية في نقل الأحداث والأخبار المتعلقة بالإرهاب وغيرها.

ثانيا: الاستراتيجية بعيدة المدى

على المدى البعيد، تتضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب عددا من السياسات والضوابط، نناقشها في النقاط التالية.

1- استراتيجية إرساء السلام المستدام: فرغم أن هذه النقطة تبدو واضحة بالضرورة؛ فإن الحكومات لا تركز على محاولة حقيقة لإرساء أسس السلام المستدام؛ فالرأي السائد في تخطيط الأمن القومي القديم لا يزال هو الحد الأقصى المتعارف عليه: إذا كنت ترغب في السلام فاستعد للحرب؛ وهذا ما يدفع إلى مزيد من إزكاء الصراعات وإيجاد أرضية خصبة للإرهاب. ويبدو أن هناك حاجة إلى تدابير لتوفير مؤسسات عادلة موثوق بها، وبناء الاحترام المتبادل، كما أن هناك حاجة إلى مبادرات مماثلة على الصعيد الدولي من حيث تعزيز المؤسسات الدولية التمثيلية لجعل النظام العالمي سلمي وآمن.

2- القضاء على العنف البنيوي: لا شك أن جزء من الحل في مكافحة الإرهاب هو القضاء على الفقر لإقامة العدالة الاجتماعية على أسس متينة،وهو ما يعني في أحد أوجهه الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تم اعتمادها كوثيقة دولية في عام 1966، والتي توفر إطارا موحدا للقيم والمعايير المعترف بها عالميا والخاصة بالعمل والضمان الاجتماعي والصحة والتعليم والغذاء والمياه والسكن والبيئة الصحية والثقافة؛ حيث إن هناك "50 ألف شخص يموتون يوميا من أسباب يمكن الوقاية منها مثل نقص الغذاء أو المياه الملوثة رغم أن هناك 8 أشخاص أغنياء يمتلكون ثروة بما يساوي الثروة التي يمتلكها 3,6 بليون شخص من الدول الفقيرة"[17]. ومن ثم، على الحكومات والشعوب واجب محدد وهو وقف إطالة أمد النظام الذي يحرم أي شخص من الحصول على حقوقه. ويمكن للمجتمع الدولي في هذا الإطار وللتخفيف من أوجه الإجحاف الظالمة أن يطلب نسبة مئوية صغيرة من الدخل المكتسب من تصدير الموارد الطبيعة، على سبيل المثال، ويتم وضعها في صندوق التنمية لاستخدامها لصالح مواطني البلدان التي تأتي منها هذه الصادرات، ولا يمكن أن تتضاءل نوعية حياة أغنى الناس على الأرض بذلك.

ومن الملفت للنظر أن بعض الدول العظمى المحفزة على حقوق الإنسان لم تكن هي المبادرة على المصادقة على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فنجد دولة كالولايات المتحدة الأمريكية لم تصدق حتى الآن على ذلك العهد وإن وقعت عليه عام 1977؛ رغم مضاعفة عنايتها بالجانب الاقتصادي، وربما ذلك ما يفسر عزمها على مخالفة تلك الحقوق الاقتصادية. ويبدو أن خطاب الحقوق الاقتصادية مازال يتعثر ولا يأخذ حقه الكامل ومداه الحيوي الضروري لا في نطاق المنظمات غير الحكومية ولا في المؤسسات المعنية به محليا وإقليميا وعالميا رغم أن الإرهاب هو الآخر يجعل العالم أكثر فقرا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن "تأثير الإرهاب على الاقتصاد العالمي بلغ في عام 2015 ما قدره 90 بليون دولار. وفي عام 2015، بلغت تكاليف الإرهاب مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في العراق وأفغانستان 17.3% و 16.8 % على التوالي".[18]

3- خوض معركة الأفكار: إذا كانت الجماعات الإرهابية لديها قناعة بعدالة قضاياها، وأن قضايا سواهم هي محض هراء؛ وهذا ما جعلهم يستخدمون جميع الوسائل من أجل تحقيق النصر أو تجنب الهزيمة؛ فإن دحض الأفكار الإرهابية ليس مشروعا فحسب بل ضروريا، لأن الجماعات الإرهابية تشعر بأن لديها التسويغ الأدبي للبربرية. فعلى سبيل المثال، إدعى تنظيم داعش أنه يخدم قضية عادلة تهدف إلى الانتقام للعدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا في سوريا والعراق على أيدي قوات التحالف الدولية. ​وعلى ذلك، نجد أنه يقوم بتوظيف من يتواصل باللغات الأوروبية المختلفة، ويروج لأهدافه من خلال منشورات وكتيبات لامعة وجميلة عن طريق عرض صورة لحرب هدفها ليس فقط الصلب وتقطيع الرؤوس، بل الزعم أنها تدور رحاها كذلك من أجل أغراض أخرى كالدفاع عن قيم إنسانية نبيلة مثل الحق والعدل والحرية رغم إنكاره لتلك القيم والحقوق كلية. ولمواجهة الإرهاب لا يجب قبول أي تبرير للعمليات الإرهابية، فأي تبرير ينتهك حقوق الإنسانية، وينتهك كذلك قرار مجلس الأمن رقم (2354) الصادر في 24 مايو 2017 والذي ينص على أن "الإرهاب بجميعأشكاله ومظاهره يمثل أحد أشد الأخطار التي تهدد السلام والأمن الدوليين، وأن أي عمل إرهابي هو عمل إجرامي لا يمكن تبريره بغض النظر عن دوافعه"[19] أياً كانت ومهما كانت. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الإرهاب ليس مقصوده ممارسة العنف البدني فقط؛ بل يجب أن يطول تعريف الإرهاب مفهوم الإرهاب الفكري الذي يؤدي إلى التأثير على حرية إبداء الرأي ويشكل عائقا حقيقيا أمام الإبداع فيما تمارسه بعض الجماعات والقوى من إرهاب فكري.

4- الاهتمام بالشباب من خلال تمكينهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا... الخ؛ حيث تشير التقديرات إلى أن من ينتمون للتنظيمات المتطرفة هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 17: 27 عاما[20]. ومن الملفت للنظر أنه رغم تزايد الكراهية للتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم (داعش) يزداد عدد المنضمين إليه، فطبقا لتقرير صدر عن مجلس الأمن الدولي، "فإن نحو 30 ألف مقاتل أجنبي مجندون حاليا في صفوف تنظيم الدولة، وقد جاءوا من 100 دولة حول العالم، من بينها دول كانت بمنأى عن نشاط الجماعات الإرهابية، مثل تشيلي وفنلندا وجزر الماليدف"[21].

5- زيادة مستوى التعليم في مختلف مجالاته، وزيادة التدريب المهني والقضاء على الأمية؛ فقد خلصت دراسة حديثة بشأن التهديدات الإرهابية في أفريقيا إلى أن الافتقار إلى التعليم من العوامل الكامنة وراء نزعة التطرف والإرهاب.

6- التنمية المستدامة: ويقصد بها دبلوماسية الوقاية التي تعد وسيلة من وسائل الدفاع التي تتسم بأنها أولية في إطار القضاء على البنية التحية للإرهاب ومكافحته، الأمر الذي يعني وضع خطط إنماء متوسطة وطويلة الأمد من قبل الحكومات للعمل على القضاء على الأسباب الأساسية والجوهرية والجذرية لنشأة الإرهاب.

ونخلص مما سبق أن التركيز على الاستعدادات العسكرية، أو بالأحرى الافتراض بأن العمليات العسكرية والشرطية، وحدها سوف تقضي على العمليات الإرهابية وتوفر الأمن بشكل حاسم سيكون من قبيل الوعود غير الصادقة، لأن كل وسائل مقاومة الإرهاب والتي منها حرمان الإرهابيين من القواعد الطبيعية حيث يعملون ويتدربون، بل وكل وسائل الردع الممكنة لن تكون فعالة بشكل كبير ضد ذهنية من يجعل موته سلاحا هجوميا مضادا. كما أن وقوع ضحايا مدنيين وارد، وتظل سيادة القانون حتى في حالات النزاعات المسلحة، وضمان احترام القانون الإنساني الدولي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومحاربة الأفكار الإرهابية ودبلوماسية الوقاية أحد أهم الحلول الممكنة في استراتيجية مكافحة الإرهاب.


[1] للتفصيل أنظر: مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، الصكوك القانونية الدولية. متاح على الرابط التالي:

http://www.un.org/ar/counterterrorism/legal-instruments.shtml

[2] Johansen, Robert C., “The global forum: Developing a Grand Strategy for Peace and Human Security: Guidelines from Research, Theory, and Experience”, Global Governance, Vol. 23, Issue 4, (Oct. - Dec.; 2017. Pp. 525–536, P. 534.

[3] António Guterres, "Counter-terrorism and human rights: winning the fight while upholding our values", Speech at SOAS, University of London, 16 November 2017. UNIS/SGSM/845. Available at:

http://www.unis.unvienna.org/unis/en/pressrels/2017/unissgsm845.html

[4] Hadid, Diaa, “Syrian Rebels And Government Reach Truce In Besieged Area”, The World Post, 15th of Jan. 2015.

[5] تصريح المفوضية السامة لشئون اللاجئين، الأمم المتحدة،؛ فى 8 يناير 2015. متاح على الرابط التالي:

http://www.un.org/arabic/news/story.asp?newsID=22557

[6] أنظر: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الدورة الستون فى 16 ديسمبر 2005، والخاص بحمايةحقوقالإنسانوالحرياتالأساسيةفيسياقمكافحة، وثيقة رقم: A/RES/60/158 بتاريخ 28 فبراير 2006.

[7] António Guterres, "Counter-terrorism and human rights: winning the fight while upholding our values", Op. Cit.

[8] أنظر: الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 52/164 المؤرخ في 15 ديسمبر 1997 وفتح باب التوقيع عليها خلال الفترة من 12 يناير 1998 حتى 31 ديسمبر 1999.

[9] "الأوروبيون في داعش .. هدف جديد للغارات"، سكاى نيوز العربية؛ 10 سبتمبر 2015.

[10] أنظر: الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق مجلس أوروبا، روما في 4 نوفمبر 1950.

[11] BacchiUmberto, “Old School Society: anti-Islam extremists 'planned attacks on mosques”, International Business Time, 6May 2015. See also:“German arrests over 'terror' plot”, BBC, 6May 2015. Available at:

http://www.bbc.com/news/world-europe-32604308

 [12]تصريح: "دي ميزير يشيد بتفكيك خلية خططت لهجمات على مساجد"، دويتشه فيله، 6 مايو 2015.

[13]" Großrazzia bei Rechtsextremisten", Zeit, 21 October 2015. Available at:

http://www.zeit.de/politik/deutschland/2015-10/franken-die-rechte-razzia-rechtsextremismus-anschlag

[14] تصريح رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي ونائب المستشارة ميركل، دويتشه فيله؛ فى 20 أكتوبر 2015.

[15] للتفصيل أنظر: "سلوكيات معادية: تنامى ظاهرة الإسلاموفوبيا فى المجتمعات الغربية"، التقرير الاستراتيجى العربى (2014- 2015)، القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2016.

[16] Twitter Public Policy, Global Internet Forum to Counter Terrorism, 26 June 2017

[17] Johansen, Robert C., “The global forum: Developing a Grand Strategy for Peace and Human Security: Guidelines from Research, Theory, and Experience”, Op. Cit., P.529.

[18] António Guterres, "Counter-terrorism and human rights: winning the fight while upholding our values", Op. Cit

[19] أنظر: قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فيجلسته7949 ،المعقودة فى24 مايو2017، رقم الوثيقة: (S/RES/2354 ( 2017

[20] António Guterres, "Counter-terrorism and human rights: winning the fight while upholding our values", Op. Cit.

[21] Schmitt Eric and Sengupta Somini, “Thousands Enter Syria to Join ISIS Despite Global Efforts”, The New York Times, 26th of Sep. 2015. Available at:

http://www.nytimes.com/2015/09/27/world/middleeast/thousands-enter-syria-to-join-isis-despite-global-efforts.html?_r=0

وأنظر أيضاً: تفاصيل تقرير مجلس الأمن الدولى؛ سكاى نيوز؛ فى 27 مايو 2015.

وكذلك: تصريح بان كى مون فى مجلس الأمن بشأن زيادة عدد المقاتلين الأجانب؛مركز أنباء الأمم المتحدة؛ فى 29 مايو 2015. متاح على الرابط التالي:

http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=23703#.Vi54TlIbG70

طباعة
د. حازم محفوظ

خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية