إصدارات المركز - مختارات إيرانية

التوابع السياسية لزلزال إيران - افتتاحية العدد 199 - مختارات إيرانية

خامنئي يتفقد آثار الزلزال
طباعة

لم تقتصر تداعيات الزلزال الذي تعرضت له إيران في 12 نوفمبر الجاري وبلغت شدته 7.3 بمقياس ريختر على أعداد ضحاياه التي بلغت 530 قتيلاً ونحو 8 آلاف مصاب، بل امتدت إلى الساحة السياسية أيضاً، وقد تتجاوز ذلك إلى التفاعلات الخارجية، التي تنخرط إيران فيها بكثافة خلال الفترة الحالية، في ظل خلافاتها المتعددة والمتصاعدة مع بعض القوى الإقليمية والدولية حول دورها الإقليمي وبرنامجها النووي، الذي لم يقلص من خطورته وصولها إلى الاتفاق النووي مع مجموعة “5+1”في 14 يوليو 2015.

فقد فتح الزلزال الباب على مصراعيه أمام تدشين حملة انتقادات جديدة للسياسات التي كانت تنتهجها حكومة الرئيس السابق أحمدي نجاد، بعد أن كشفت آثار الزلزال عن شبهات فساد تحوم حول المشروعات السكانية التي تبنتها الحكومة السابقة في بعض المناطق التي تعرضت لتوابعه، وهى المشروعات منخفضة التكلفة التي روجت لها الحكومة في إطار سعيها إلى تصدير صورة اجتماعية مرموقة للرئيس السابق باعتباره مدافعاً عن حقوق الفقراء والمحرومين.

وفي هذا السياق، قال الرئيس حسن روحاني أن “سرعة انهيار الأبنية التي شيدتها الحكومة بسبب الزلزال تشير إلى وجود فساد أثناء بناءها”، مضيفاً: “عندما يصمد منزل بناه مواطنون في منطقة سرب الذهب وينهار أمامه منزل شيدته الحكومة فهذا دليل على وجود فساد”.

هنا، ربما يمكن القول إن روحاني لا يسعى فقط إلى تقليص حدة الانتقادات التي تعرضت لها حكومته بسبب تأخرها في التعامل مع تداعيات الزلزال وعدم استعدادها بشكل كافٍ لمثل تلك الحوادث رغم تكرارها في الأعوام الأخيرة، باعتبار أن إيران تقع في منطقة تصادم بين الصفائح الواقعة مباشرة تحت قشرة الكرة الأرضية حسب تصريحات رئيس الشبكة القومية  للزلازل أحمد بدوي، وإنما يهدف أيضاً إلى الترويج لحملته التي شنها ضد الحكومة السابقة وتحميلها المسئولية عن الأزمات التي ما زالت تعاني منها إيران على المستويات كافة.

وبمعنى آخر، فإن أحد أهداف تصاعد حدة انتقادات حكومة روحاني للمشروعات السكانية للحكومة السابقة يتمثل في توجيه الانتباه نحو عمليات الفساد التي كانت مستشرية خلال فترتي رئاسة أحمدي نجاد (2005-2013)، ومن ثم تقليص حدة الضغوط التي تتعرض لها الحكومة الحالية بسبب إخفاقها في الحصول على عوائد كبيرة ومميزة للاتفاق النووي، على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي، في ظل المشكلات التي يتعرض لها الاتفاق، بعد اتساع نطاق الخلافات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت في التركيز على مخاطر الدور الإقليمي لإيران ودعمها للإرهاب إلى جانب إجراءاتها التصعيدية تجاه الاتفاق.

كما أن حرص الحرس الثوري على المشاركة في جهود احتواء تداعيات الزلزال يهدف إلى تأكيد جدارة الباسدران في المشاركة في إدارة شئون الدولة، وذلك لمواجهة الدعوات المتكررة التي أطلقها الرئيس روحاني وبعض المسئولين في الحكومة من أجل ابتعاده عن التدخل في السياسة والتركيز على حماية الدولة ضد أية تهديدات قد تواجهها.

 ومن هنا سارع قائد الحرس محمد علي جعفري، في 14 نوفمبر الحالي، إلى إعلان أنه تم تفويض الحرس ببناء مساكن لمتضرري الزلزال في مدينة كرمانشاه، مكرراً الاتهامات نفسها التي وجهها الرئيس حسن روحاني إلى الحكومة السابقة برئاسة أحمدي نجاد.

ومن دون شك، فإن الأمر لا يخلو من محاولات من جانب الباسدران لتوجيه ضربات سياسية إلى أحمدي نجاد، الذي يواجه في الوقت الحالي اتهامات تتعلق بقضايا اختلاس وقعت خلال فترتي رئاسته للجمهورية، خاصة أن الرئيس السابق تعمد في بعض الأحيان توجيه انتقادات قوية للحرس بسبب نفوذه الاقتصادي وتورطه في عمليات تهريب عابرة للحدود خصمت، في رؤية الرئيس السابق، من قدرة الحكومة على إدارة الشئون الاقتصادية للدولة، باعتبار أن هذا النفوذ كان بعيداً عن رقابتها.

لكن اللافت هنا أيضاً أن اهتمام حكومة روحاني والحرس الثوري بالإسراع في التعامل مع تداعيات الزلزال يهدف إلى تصدير صورة مغايرة عن تلك التي كرستها سياسات الحكومات المتعاقبة تجاه المناطق التي تقطنها القوميات العرقية والأقليات المذهبية، أو بمعنى أدق توجيه رسالة بأن وقوع الزلزال في مناطق بعض القوميات لا يعني تراجع اهتمام الدولة بالعمل على معالجة آثاره الممتدة.

خطر بوشهر

فضلاً عن ذلك، فإن التداعيات الكبيرة التي فرضها الزلزال سوف تضفي وجاهة خاصة على التحذيرات التي سبق أن أطلقتها دول عديدة في المنطقة، ولا سيما بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تجاه التداعيات التي يمكن أن تتمخض عن تعرض المناطق التي تتواجد بها منشآت نووية لزلازل، بشكل قد يؤدي إلى حدوث تسرب إشعاعي سوف يؤثر بشكل مباشر على بعض تلك الدول، التي تعد منطقة بوشهر أقرب إليها من العاصمة طهران.

ومن هنا، فإن تلك الأحداث الطبيعية ربما تفتح الباب مجدداً أمام الحديث عن المخاطر “غير المرئية”للبرنامج النووي الإيراني، التي لا تقتصر على التهديدات الخاصة باحتمال وجود جانب عسكري خفي لهذا البرنامج وإنما تمتد أيضاً للآثار البيئة التي يمكن أن تتعرض لها مياه الخليج وبعض العواصم الخليجية بسبب تكرار وقوع تلك الزلازل.

وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول في النهاية إن الزلزال الذي وقع في إيران مؤخراً ربما ينتج توابع سياسية سوف تساهم بشكل مباشر في تحديد اتجاهات التفاعلات السياسية الداخلية وربما تؤثر على مسارات الصراع المفتوح حالياً بين واشنطن وطهران.

طباعة
د. محمد عباس ناجى

رئيس تحرير مجلة "مختارات إيرانية" - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية