متابعات تحليلية

ما بعد استقالة الحريري... لبنان إلى أين؟

طباعة

عادة ما تتداخل أحداث السياسة اللبنانية مع الأحداث الإقليمية والدولية المستجدة، سواء كانت إيجابية التأثير أم سلبية. ذلك أن لبنان الذي خرج من حرب أهلية طاحنة استمرت خمسة عشر عامًا ولم يخمدها إلا انتهاء الحرب الباردة، لا يزال يعاني، حتى في زمن السلم، من نفاذية شديدة للتأثير الخارجي في التفاصيل السياسية اليومية لنظام حكمه الهش. ولم تكن الاستقالة المفاجئة لرئيس  وزرائه سعد الحريري في 4 نوفمبر 2017، إلا فصلًا جديدًا لما يمكن أن يحمله الإقليم المضطرب للبنان من هزات سياسية واقتصادية، وربما عسكرية أيضًا.

أولًا: الحريري على رأس الحكومة؟ ليس بعد الآن

تم تكليف سعد الحريري برئاسة مجلس الوزراء في نهاية العام الماضي (2016) عقب صفقة ملفتة بينه وبين الرئيس ميشال عون، تقرر بموجبها أن يقبل الحريري بعون رئيسًا للبلاد، على أن يقوم الأخير بتسميته رئيسًا للحكومة إلى أن يتم إجراء انتخابات نيابية جديدة. وقد أنهت هذه الصفقة التي جاءت بمبادرة من الحريري نفسه، عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، بسبب فشل الفريقين السياسيين المتحكمين في القرار البرلماني، 8 آذار و14 آذار، في الاتفاق حول انتخاب الرئيس. وقد كانت هذه الصفقة بمثابة تنازل كبير للحريري وفريقه السياسي للقبول بمرشح حزب الله الأول، ميشال عون، ولكنه برر ذلك آنذاك برغبته العميقة في تجنيب لبنان الاضطراب الإقليمي واستئناف الحياة السياسية بشكل مؤسسي.

ورغم أن هذه الصفقة عكست تحالفًا هشًا واقتسامًا دقيقًا للسلطة بين الفريقين الخصمين في لبنان، إلا أنها نجحت في استكمال الحياة السياسية اللبنانية عقب انتظام العمل في المؤسسات السياسية الرئيسية، الرئاسة، ورئاسة الحكومة ومجلس النواب؛ فقد تم إقرار بعض القوانين المؤجلة منذ سنوات مثل تمرير إصلاح ضريبي لتمويل رفع أجور العاملين في قطاع الدولة، وتمرير التدابير المنظمة لاستخراج البترول المكتشف حديثًا في لبنان، فضلا عن تمرير الموازنة السنوية. إلى جانب ذلك، تشكلت لجنة وزارية للبحث في قانون انتخابي جديد استعدادًا للانتخابات البرلمانية المقبلة والمتوقع إقامتها في ربيع 2018، بعد سلسلة من التمديد لولاية البرلمان الحالي المنتخب عام 2009. وهي الإجراءات التي عكست تحسنًا ملحوظًا في الأداء السياسي الداخلي اللبناني، بعد سنوات من الجمود والاستقطاب الحاد على أساس الاصطفاف الإقليمي للفرقاء السياسيين اللبنانيين. لكن بعد عام تقريبًا من عمر حكومة الحريري، يبدو أن شبح الفراغ الحكومي عاد ليخيم على لبنان، بعد قيام الحريري بإعلان استقالته في خطاب متلفز من الرياض، على نحو فاجأ الجميع، خصومه وحلفاءه وجمهوره، فضلا عن مساعديه المقربين، وربما فاجأه هو شخصيا أيضًا.

حكومة سعد الحريري الأولى تشكلت عقب الانتخابات النيابية لعام 2009 في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، وكانت أيضًا عنوانًا للتسوية والتوافق عقب أزمة 8 أيار الشهيرة في عام 2008 والتي أفضت إلى حرب شوارع مصغرة قبل أن يتم تسوية الأزمة باتفاق الدوحة. ولكن الحكومة الأولى كانت أطول عمرًا نسبيًا، حيث امتدت من نوفمبر 2009 إلى يناير 2011، قبل أن تسقط نتيجة لاستقالة ثلث أعضائها وهم وزراء فريق 8 آذار عقب تضييق الخناق على حزب الله بشأن ملف التحقيق الدولي في اغتيال رفيق الحريري. وبعد أيام قليلة من إسقاط سعد الحريري وحكومته، تم تسريب تسجيل صوتي له ورد فيه انتقاد للأمير محمد بن نايف الذي كان حينذاك أحد أقوى الأمراء في المملكة العربية السعودية، مما أدى إلى تعقد علاقته بالمملكة لفترة ليست بالقليلة وحرمانه من العودة على رأس الحكومة اللبنانية لفترة طويلة. ولكن إسقاط حكومة الحريري هذه المرة قد أتى بإرادته، أو هكذا يبدو، أوعلى الأقل ليس بسبب تعنت خصومه. 

البعض يعتبر أن الحريري قد اعتمد إسلوب قديم سبق أن اعتمده والده الراحل رفيق الحريري في العام 1998 عندما قرر الاستقالة من رئاسة الحكومة لكي يستعد من موقع المعارضة لخوض الانتخابات النيابية التالية في العام 2000 والتي خرج منها بحصيلة نيابية أكبر، مما أهله للعودة على رأس حكومة أقوى. ولذا فقد يكون قرار الحريري الابن اليوم، إذا كان نابعًا من شخصه، هو مناورة لرفع شعبيته في أوساط الشارع السُني من جديد، بعد أن أسهمت طبيعته التوافقية وميله للتسوية مع حزب الله، وتفاهمه مع الرئيس عون في خفض شعبيته وارتفاع نجم بعض السياسيين السنة الأكثر تشددًا. فإذا كان الحال كذلك، فقد كان متوقعًا آنذاك أن يبادله خصومه التصعيد والقيام بتسميته زعيمًا سنيًا آخر لكي تمضي لعبة التصعيد السياسي إلى نهايتها إلى أن تحسم الانتخابات النيابية المقبلة الأوزان النسبية لكل فريق.  

ثانيًا: رد فعل الداخل اللبناني

لكن الملمح الأبرز في هذه الاستقالة أن النخبة السياسية اللبنانية على تمايزها واختلافها البيني،اتخذت موقفا داعما لسعد الحريري، ولم تأخذ استقالته مأخذ الجد، أو بمعنى أدق لم تعتبرها سارية ما لم يؤكدها الحريري نفسه بعودته إلى لبنان. فقد اعتبر الرئيس ميشال عون أن الحريري لا يزال على رأس الحكومة لحين عودته إلى بيروت واجتماعه بالرئيس عون لتوضيح أسباب الاستقالة. في حين اجتمع الرئيس عون -بشكل متتالٍ وعقب إعلان الحريري استقالته مباشرة- مع رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة السابقين للتباحث في شأن الأزمة وكيفية تجنيب لبنان تداعيات الاضطراب الإقليمي. كما اجتمع مع ممثلي كل القوى السياسية المهمة، ومن كتلة الحريري نفسه اجتمع بفؤاد السنيورة وبهية الحريري. مع ذلك فقد أعلنت الرئاسة اللبنانية أن هذه اللقاءات هي لتعزيز التوافق اللبناني وجمع الصف الوطني، وليست استشارات نيابية، كالاستشارات التي يعقدها الرئيس مع النواب لتسمية رئيس حكومة جديد. مما يعني أن الاستقالة لم تُقبل بعد، ولم تدخل حيز التنفيذ. 

أما رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان في زيارة لشرم الشيخ لحضور منتدى شباب العالم، فقد قطع زيارته إلى مصر وآثر العودة إلى لبنان استعدادًا ربما لجولات من الحوار من أجل التهدئة. وكان من المفترض أن يلتقي بري بالحريري في شرم الشيخ، قبل أن يتغير جدول أعماله الأخير، ويتم الابقاء عليه في الرياض ضمن التدابير المفاجأة التي وقعت بحق عدد من الأمراء ورجال الأعمال السعوديين، حيث يحمل الحريري الجنسية السعودية أيضًا ويعد من أبرز رجال الأعمال في السوق السعودي، وقد ناله ما نال غيره من مصادرات للأملاك والأرصدة ضمن التدابير الأخيرة التي تم التسويق لها سعوديًا باعتبارها حملة لمكافحة الفساد.  

أما حزب الله فقد اعتبر على لسان أمينه العام أن خطاب الحريري المتلفز من الرياض يعبر عن تصعيد سعودي، ولكن نصرالله نفسه لم يستجب لذلك عبر تصعيد مماثل من جانبه وبدا أنه أقرب إلى انتهاج التهدئة لتطويق الأزمة. ورغم أنه معروف بالخطابات النارية التصعيدية، غير أنه أحجم عنها هذه المرة. بل قد يكون قد وصل إلى درجة من التضامن مع الحريري معتبره لا يزال "رئيس وزرائنا" وهي لهجة ناعمة لم تصدر من حزب الله تجاه خصومه السياسيين منذ سنوات. 

ولا شك أن الشارع السني قد تفاعل مع الاستقالة بتضامن كبير مع الحريري، وكانت فعاليات عدة للتضامن في الشارع على وشك الانطلاق، ولكن تم تأجيلها لحين عودة الحريري وتبيان حقيقة الاستقالة. ولكن الجديد أنه حتى شارع 8 آذار المناوئ لفريق الحريري قد أبدى تعاطفًا معه باعتباره رئيس حكومة يبدو محتجزًا على غير إرادته في دولة أخرى ومجبرًا على اتخاذ قرارمفاجئ بالاستقالة رغمًا عنه. بمعنى أن استقالة رئيس حكومة لبنان من عاصمة دولة أخرى قد أمّنت للحريري شعبية لحظية واسعة لم تكن متوقعة على الاطلاق. ففريقه يؤيده لأنه خلع أخيراً ثوب التوافق، وانتقل إلى خطاب متشدد رافض بحزم لهيمنة حزب الله على مفاصل الدولة اللبنانية، والفريق الآخر يؤيده أيضا لأنه يراه محتجزا في الخارج رغما عنه ومجبرا على اتخاذ قرار الاستقالة على غير إرادته في سابقة هي الأولى، ولم تحدث من قبل حتى إبان الهيمنة السورية على لبنان. ورغم تأويل الفريقين كلٍ على حسب مصالحه للموقف الراهن، إلا أن النتيجة واحدة، وهي دعم واسع للحريري والمطالبة بعودته للبنان. وربما سيكون الظهور العلني القادم للحريري هو النقطة الفاصلة التي سيتم بها تفسير الموقف الملتبس، وربما حينها قد تنفض عنه هذه الشعبية الجارفة ويعود المشهد للانقسام السابق بين فريقي 8 و14 آذار.

ثالثا: الاستحقاقات المؤجلة

لا يخلو لبنان من مشكلات داخلية عديدة، سواء بسبب تعثره الاقتصادي، أو استقراره السياسي الهش، فضلا عن معاناته من تداعيات الحرب السورية سواء بسبب عبء وجود اللاجئين السوريين على أرضه أو بسبب انخراط حزب الله فعليا في هذه الحرب. ولكن رغم ذلك، فمنذ عقد الصفقة الرئاسية بين الحريري وعون منذ عام، شهدت البلاد حالة من التوافق النسبي والانخفاض في مستوى التصعيد السياسي، وصلت إلى ذروتها في الالتفاف الوطني اللافت حول الجيش اللبناني في معركته الحاسمة مع الإرهاب في الجيوب المحاذية للحدود السورية. وهي حالة ربما لم يدركها اللبنانيون منذ عقود خلت كان الانقسام السياسي فيها هو سيد الموقف. ومن المتوقع أن يتم استئناف العمل ضمن اللجنة الوزارية للقانون الانتخابي لإجراء إصلاحات حاسمة مثل إقرار مبدأ تصويت اللبنانيين بالخارج والانتخاب ببطاقة بيروميترية، وهي إصلاحات إذا ما تم المضي بها بالفعل قد تغير من توازنات القوى على الأرض بشكل ملفت، فعندما يُتاح التصويت للبنانييّ الخارج، من المتوقع أن يتراجع التصعيد الطائفي المرهون بالوضع الإقليمي، ويتقدم الخطاب السياسي العقلاني المرهون بالخيارات اللبنانية إلى صدارة المشهد. الأمر الذي من المتوقع أن يُغير من طبيعة التوازنات السياسية الطائفية في لبنان ويفتح المجال بشكل جدي لتجديد النخبة السياسية. وفي المقابل، كان لبنان مقبلا على المستوى الاقتصادي على خطوة أكثر جدية لتفعيل التنقيب عن البترول والغاز على سواحله. وفي حال تحقق هذا الأمر ربما يدخل لبنان نادي النفط على نحو يحصن اقتصاده بشكل أكبر ويغنيه عن الاعتماد على حلفائه الخارجيين الذين يُرهنون الدعم الاقتصادي بالتبعية السياسية. فيما كان حزب الله، وهو الخارج لتوه من الحرب السورية منتصرا، يطمع في تعزيز مكاسبه السياسية في لبنان، ولكنه لم يكن من الوارد في كل الأحوال كسر صفقة التسوية السارية منذ انتخاب عون رئيسا. ولا يبدو أنه قد يعاني من خطرمحدق بسبب استقالة الحريري، بل على العكس، حزب الله اليوم أقوى عسكريا وعلى الأرض في لبنان من أي وقت مضى. وفيما فشلت محاولات سابقة للإطاحة بنفوذه ونزع سلاحه، سواء دبلوماسيا من خلال القرار الأممي 1559 الصادر في سبتمبر 2004، أو عسكريا من خلال الحرب الإسرائيلية في يوليو 2006، والقرار 1701. أو حتى من خلال تحريض وتسليح ميليشيات سُنية طائفية، لا تصنف إلا ضمن الهواة، إذا ما قورنت بقدرات الحزب الاحترافية، خلال أحداث 7 و8 أيار في العام 2008. وبالتالي، يمكن القول إن التصعيد العسكري في هذه الحالة غير متوقع، فلا يوجد فصيل لبناني يضاهي قوة حزب الله العسكرية، إلا إذا تطور الأمر إلى تدخل عسكري سعودي مباشر يكون قادرًا على كسب عنصر المفاجأة، ولكنه غير قادر بكل تأكيد على استيعاب تداعيات هذه الخطوة الخطيرة والسيطرة على الوضع الميداني وهزيمة حزب الله على أرضه. أو ربما تطور الأمر إلى تصعيد أمني بتفجير هنا أو اغتيال هناك يؤدي إلى حالة انقسام حاد ويعزز من فرص الاستقطاب السياسي مرة أخرى ويضعف من الموقف الداخلي لحزب الله.

لذا، فالقرار السعودي الحاسم بكسر الصفقة اللبنانية، وإن بدا خشنا في شكله ومضمونه، وينذر بتسخين التنافس السعودي الإيراني في لبنان، فإنه غير قادر على تغيير المعادلات الراسخة في لبنان. بل إن هذا القرار قد أضر كثيرا بحليف السعودية الأول في لبنان، سعد الحريري، الذي بدا أنه يعاني من هذا التحالف بدلا من أن يستقوى به، حيث سلبه هذا التحالف مع السعودية قراره الحر على نحو محرج للغاية أمام جمهوره وخصومه على حد سواء. وتبدو التداعيات في هذا الخصوص غير مطمئنة ولا يمكن التنبؤ بها، تماما كما لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمنحى السياسة السعودية بشكل عام خلال الفترة المقبلة. غير أن الثابت حتى الآن في الداخل اللبناني هو الالتفاف السياسي والشعبي حول المؤسسات السياسية القائمة، ورغبة بالتشبث بالاستقرار القائم حتى ولو كان هشًا، وتجنيب لبنان تداعيات التنافس الإقليمي الطاحن بين السعودية وإيران. غير أن الثابت حتى الآن في الداخل اللبناني هو الالتفاف السياسي والشعبي حول المؤسسات السياسية القائمة والإدارة العقلانية للرئيس عون لهذه الأزمة. فقد ساهمت المشاورات التي عقدها مع كافة الأطياف السياسية في تثبيت وضعية التوافق، وعكست رغبة حقيقية بالتشبث بالاستقرار القائم حتى ولو كان هشا، وتجنيب لبنان تداعيات التنافس الإقليمي الطاحن بين المملكة العربية السعودية وإيران.

طباعة
رابحة سيف علام

باحثة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية