متابعات تحليلية

استقالة الحريري... الحسابات الإقليمية

طباعة

استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري التي أُعلن عنها بصورة مفاجئة خلال زيارته الأخيرة للرياض في الرابع من نوفمبر الجاري (2017)، حملت العديد من الدلالات التي لا تتوقف عند عنصر التوقيت المفاجئ، وخروجها عن الأعراف والتقاليد السياسية كونها أُعلنت من خارج الدولة اللبنانية، وإنما تتجاوز ذلك كله لتشمل أبعادًا أخرى تتعلق بالمتغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، وتحديدًا تلك المتعلقة بمستجدات حالة التنافس والصراع بين إيران والسعودية، بشأن مشروع النفوذ والسيطرة الذي تحاول طهران رسم خرائطه حاليًا، وذلك على خلفية اقتراب الحرب الدولية على تنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا من الانتهاء، وارتباط هذه المستجدات بالمتغير الدولي لاسيما العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العديد من ملفات الصراع في المنطقة. فقد كان ملفتًا هجوم الحريري في خطاب استقالته على إيران، كما هاجم حزب الله ذراعها في لبنان الذي يمثل إحدى آليات تنفيذ مشروعها الإقليمي في حلقته اللبنانية. كما اتهمها بزراعة الفتن في المنطقة، وبتدمير الدول العربية التي انخرطت بها سياسيًا وعسكريًا. ما يعني أن الاستقالة تجاوزت مسبباتها اللبنانية لتصطدم بمستجدات إقليمية مضمونها يشير إلى أن التسوية السياسية التي شهدتها لبنان في ديسمبر 2016، وأسفرت عن تولي ميشيل عون المتحالف مع حزب الله منصب الرئاسة، وتولي سعد الحريري المدعوم من قبل السعودية منصب رئاسة الوزراء، قد تغيرت ظروفها الإقليمية والدولية التي جاءت انعكاسًا لها، وأن ثمة ظروفا إقليمية جديدة تستدعي إعادة تشكيل الداخل اللبناني بصورة تقلص من نفوذ إيران داخل لبنان.    

مقدمات ودوافع

زار سعد الحريري - الذي يتمتع برعاية إقليمية سعودية - الرياض مرتين في أقل من أسبوع؛ الأولى في 30 أكتوبر 2017 والثانية في 4 نوفمبر. وكانت الزيارة الثانية على درجة كبيرة من الأهمية؛ لكونها جاءت في أعقاب اللقاء الذي جمع بين الحريري وعلى أكبر ولايتي - مستشار المرشد الإيراني للشئون الدولية - خلال زيارته الأخيرة لبيروت على هامش حضوره "المؤتمر العالمي لاتحاد علماء المقاومة". وكان ولايتي قد أعلن بعد لقائه الحريري في مقر الحكومة اللبنانية "انتصار محور المقاومة الذي تتزعمه إيران في لبنان وفي المنطقة"، ما يعني أن لبنان أصبح جزءًا  من المنظومة الإيرانيةالإقليمية. الأمر الذي لم تتقبله الرياض واعتبرته رسالة موجهة إلى نفوذها في لبنان؛ مؤداها أن محور إيران هو المنتصر في نهاية مطاف الصراع والتنافس معها في كافة ملفات التشابك الإقليمي البينية في سوريا والعراق واليمن، وكذلك في لبنان الذي يتولى رئاسة حكومته أحد التيارات السياسية الموالية لها. وبالتالي رأت الرياض أن استمرار حليفها سعد الحريري في منصب رئاسة الحكومة يوفر لإيران وحليفها حزب الله غطاءً شرعيًا لسياساتها الإقليمية المتعارضة في الأهداف معها. ما يعني إدخال لبنان في سياق المواجهة بين إيران والسعودية من باب رفض الأخيرة لهيمنة حزب الله على الحياة السياسية اللبنانية من ناحية، وإدخاله كذلك في سياق المواجهة الإيرانية- الأمريكية من ناحية ثانية، على خلفية توجيه واشنطن لحزب الله رسائل ضمنية توحي بشموله ضمن حربها على الإرهاب حال الانتهاء من محاربة تنظيم الدولة.           

تزامن هذا التطور مع تصعيد الرياض ضد حزب الله عبر تصريحات وزير الدولة لشئون الخليج، ثامر السبهان، الذي دعا إلى  ضرورة إخراج حزب الله من معادلة التسوية السياسية في لبنان، وانتقد صمت الحكومة اللبنانية عن سياساته الداخلية والإقليمية. هذا التصعيد في هذا التوقيت عكس رغبة الرياض في استهداف حزب الله، سواء سياسيًا عبر إفشال مخطاطاته بشأن طبيعة خرائط النفوذ التي تحاول إيران رسمها في لبنان خلال الانتخابات التشريعية في مايو 2018، أو عبر الموافقة على استهدافه عسكريًا من خلال التحالف الدولي والولايات المتحدة التي تصعد حاليًا من نبرتها التحذيرية للحزب سواء لدوره السياسي في لبنان، أو لدوره العسكري في سوريا. مع الأخذ في الاعتبار أن فكرة استهداف حزب الله عسكريًا ينهي عمليًا فكرة التسوية السياسية في لبنان، ويضع استقراره على المحك، ويدخل المنطقة في أتون حرب مفتوحة تزيد من حلقات الصراع العسكرية التي لم تغلق ملفاتها بعد. 

حسابات إقليمية

اعتبرت إيران خطاب استقالة الحريري من منصبه خطابًا منفصلًا عن الواقع، كما رأت في اتهاماته لسياستها ببث الفتنة في الدول العربية واستهدافه حزب الله، مؤشرات على خلق واقع إقليمي جديد يستهدف نفوذها في المنطقة عبر لبنان. من هنا يجب قراءة استقالة الحريري من منصبه، والكيفية التي أُعلنت بها، في ضوء أبعادها الإقليمية التي يمكن رصدها في النقاط التالية:

1- احتمالية إجبار سعد الحريري على الاستقالة من قبل الرياض؛ إما لكونه فشل في كبح جماح حزب الله على مستوى الداخل اللبناني، لاسيما مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في مايو 2018. وتزايد مخاوف الرياض من إحكام الحزب سيطرته على الحياة السياسية عبر تلك الانتخابات. وبالتالي تراجع النفوذ السعودي الذي تمثله التيارات السنية وعلى رأسها تيار المستقبل. وإما لكونه توافقًا إلى حد ما مع سياسات حزب الله لبنانيًا، خاصة أن الأجواء السياسية الداخلية التي كان يتحرك في إطارها رئيس الحكومة المستقيل كانت أجواءً إيجابية، ولم تحمل أزمات سياسية حادة أو تصعيدًا داخليًا بين الكتل السياسية.وفقًا لهذا التصور يمكن القول إن السعودية لم تحسب مدى تداعيات تلك الخطوة في الوقت الراهن على حالة الاستقرارالداخلي في لبنان. بل انحصر هدفها في الضغط على الحكومة اللبنانية ودفع رئيسها للاستقالة، بهدف تجريد حزب الله من الغطاء الشرعي لتحركاته الداخلية والإقليمية، الذي يتمثل في موافقة رئيس الحكومة على تلك التحركات، باعتباره (أي حزب الله) جزءًا من الحكومة.

2- قناعة الرياض بأن تطورات الأوضاع الإقليمية التي تزامنت مع آفاق التسوية السياسية في ديسمبر 2016 التي أتت بسعد الحريري رئيسًا للوزراء، وبميشيل عون حليف حزب الله رئيسًا للدولة قد تغيرت. ومن ثم فإن ما تمخض عنها آنذاك أصبح من الماضي. الغريب في هذا التصور هو أن الأجواء الإقليمية التي جرت فيها التسوية اللبنانية العام الماضي قد تغيرت فعليًا، لكنها تغيرت لصالح إيران سواء على مستوى الملف العراقي أو السوري أو حتى على مستوى الفشل السعودي في اليمن. فماذا تقصد الرياض إذن بهذا التغير؟ عندما أشارت الرياض لهذا التصور فإنها وضعت نصب أعينها حالة العداء الأمريكي لإيران في ظل إدارة ترامب التي ترى في طهران مصدرًا للإرهاب، ومن ثم يصبح المقصود بالتغير في مناخ التسوية اللبنانية إقليميا هو حالة الحراك السعودي الخليجي الأمريكي التي تبدو أنها في طريقها للتبلور خلال الفترة القادمة نحو تقليص نفوذ إيران في المنطقة؛ بدءًا من قطع أو تقويض ذراعها في لبنان حيث حزب الله، ومرورًا باستراتيجيات سعودية جديدة في العراق تستهدف إعادة ربطه بعمقه وجواره العربي؛ عبر نسج علاقات شراكة مع عدد من القوى الشيعية المعتدلة كمقتدى الصدر وحيدر العبادي وإياد علاوي وبدرجة ما عمار الحكيم. هذا التصور يعني أن الرياض قررت فتح معركة سياسية مع حزب الله في لبنان وفي سوريا ولعب دور ملموس في العراق،أي البحث عن أوراق ضغط على إيران داخل ساحات نفوذها الإقليمية.لكن هل حسبت الرياض التكلفة السياسية لهذه الاستراتيجية على ملفات التشابك بينها وبين إيران إقليميا، وعلى حالة الاستقرار السياسي اللبناني تحديدا أم لا؟  تطورات الأحداث تشير إلى أن الرياض في طريقها لتنفيذ أجندتها الإقليمية ضد إيران في لبنان بالاعتماد على المتغير الدولى، دون الأخذ في الاعتبار تداعيات ذلك السلبية على الوضع اللبناني الداخلي.  

3- إن مواجهة حزب الله في لبنان وسوريا قد تتخذ درجات تصاعدية يتوافق فيها الموقفان الأمريكي والسعودي؛ في ظل تشديد الضغط الدولي على الحزب في الآونة الأخيرة. والتي قد تبدأ بالعقوبات الاقتصادية على الأطراف الحليفة لحزب الله داخل لبنان وفي الإقليم – الولايات المتحدة تفرض بالفعل عقوبات على حزب الله – ووقف المساعدات التي تقدمها الرياض للحكومة اللبنانية خاصة فيما يتعلق بملف دعم الجيش اللبناني، وصولًا إلى إجبار حزب الله على الخروج من الحكومة اللبنانية. ومن ثم، يمكن القول إن مرحلة "تقليم أظافر" حزب الله في الإقليم قد بدأت بتفاعلات سعودية أمريكية. أي رصد مساعي سعودية أمريكية لتبديل سياسة احتواء حزب الله إقليميا عبر التسوية السياسية التي حدثت في لبنان نهاية العام الماضي، بسياسات المواجهة التي ستبدأ بالعقوبات وتتدرج وصولًا إلى مواجهته بالقوة العسكرية، من باب أن انخراطه في الصراع العراقي والسوري كفيل بتوريطه في مواجهات أخرى تعتبره أحد صور الإرهاب التي لا تقل إرهابًا عن تنظيم الدولة (داعش).

4- اقتراب القوى الدولية من رسم ملامح تسوية سورية أولية، سيُترجم فيها واقع الصراع الميداني الحالي بين النظام والمعارضة المسلحة، بما يفرضه ذلك من تحديات على مجمل سياسات الدول المعنية بالأزمة ومنها السعودية. إذ ترغب الرياض في أن تكون جزءًا من تلك التسوية التي ترى أن واقع معطياتها يسير في اتجاه بعيدا عن مصالحها ويصب في صالح إيران، بناء على ميزان القوى الجديد الذي يرجح النظام وداعميه الإقليميين والدوليين. ومن ثم، فإن تغييرًا في هذا الواقع عبر استهداف حزب الله إن لم يغير جذريا في عملية توزيع النفوذ الإقليمي في سوريا مستقبلا، فإنه سيؤدي على أقل تقدير إلى "تقليص" النفوذ الإيراني في خاصرته السورية وهنا - ومن وجهة النظر السعودية - سيتاح للرياض هامش من المناورة الإقليمية التي تمكنها من العودة إلى خريطة تقاسم النفوذ في سوريا، للقيام بدور على شاكلة الدور نفسه الذي لعبته في لبنان وفي تسوياته السياسية المختلفة سواء في اتفاق الطائف عام 1989، أو في التسوية السياسية نهاية عام 2016 الماضي، والتي أسفرت عن اختيار رئيس الدولة ورئيس الحكومة بالتماهي بين تيار المستقبل الذي ترعاه السعودية وبين حزب الله الذي ترعاه إيران. في هذا السياق، السوري يأتي انجاز تحرير محافظة دير الزور من تنظيم الدولة، والدور الرئيسي الذي لعبته إيران عبر ميليشياتها الفاعلة على أرض الصراع فيها، بل وإعلانها الاستعداد لدخول الرقة الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية التي تساندها الولايات المتحدة، كمدخلات تدفع الرياض إلى محاولة اللحاق بمسار خرائط النفوذ في سوريا التي تكاد تنفرد إيران وروسيا برسمها. كما يمكن فهم الضغط السعودي على حزب الله في لبنان في السياق الإقليمي نفسه؛ حيث اعترضت الرياض على قيام الحريري بتوقيع مرسوم اعتماد سفير جديد للبنان لدى دمشق، واعتبرت هذا التصرف من قبل الحكومة اللبنانية - التي يرأسها حليفها - أحد أوجه تأثير حزب الله عليها.

5- تطورات الملف العراقي والدور الذي تلعبه ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية العراقية - التي ترتبط تدريبًا وتسليحًا بإيران- في تحرير آخر معاقل سيطرة تنظيم الدولةفي مدينة القائم العراقية، ودور الميليشيات الإيرانية الرديفة العاملة في الجانب السوري واقترابها من تحرير مدينة البوكمال السورية. وتقع المدينتان على جانبي الحدود العراقية السورية، ما يعني استعادة إيران السيطرة على منطقة الحدود العراقية- السورية عبر ميليشياتها المسلحة على أرض الصراع في كل من العراق وسوريا؛ أي أصبح الممر الإيراني واقعًا لا يمكن تجاوزه، بل إن طريقه إلى لبنان لم يعد بعيد المنال. ووفقًا لهذا المعطى أصبحت السعودية فعليا أمام طوق شيعي يحدها ودول الخليج من الشمال من ناحية، ويقترب من نفوذها في لبنان الذي يتمثل في  رعايتها لبعض القوى والتيارات السنية في مقدمتها تيار المستقبل من ناحية ثانية.

6- المتغير الإسرائيلي ودخوله على معادلة المواجهة الإقليمية بين الرياض وإيران والولايات المتحدة؛ فقد تزامنت استقالة الحريري تحت الضغط السعودي مع تصاعد نبرة التهديدات الإسرائيلية التي أطلقتها تل أبيب ضد حزب الله، والتي عكست رفضها حالة التوسع التي يشهدها النفوذ الإيراني في المنطقة؛ لاسيما بعد المكاسب التي حققتها إيران وميليشياتها سواء في سوريا أو العراق فضلا عن النفوذ السياسي المعترف به لحزب الله في لبنان. ناهيك عن تلويح تل أبيب بالتداعيات السلبية التي فرضها الاتفاق النووي الإيراني على مجمل الأوضاع في المنطقة وفقًا لحسابات الربح والخسارة الإسرائيلية. هذا التصاعد في مستوى تهديدات إسرائيل لحزب الله ولإيران ينذر بالتزامن مع التصعيد السعودي ضدهما بأجواء مواجهة عسكرية تلوح في أفق العلاقات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، وهي مواجهة غير محسوبة النتائج والتداعيات، ولن تقف عند حد استهداف الدور الإقليمي لحزب الله، بل ستتجاوز ذلك إلى مرحلة غاية في الصعوبة ستطال تداعياتها السلبية العديد من دول المنطقة.

وختامًا، فإن المعطيات التي سبقت استقالة الحريري ودلالاتها الإقليمية تشير إلى دخول لبنان على خط الصراع الإيراني السعودي مجددا، الذي يشهد مرحلة جديدة تستهدف التصدي لإيران عبر استراتيجية إقليمية دولية تبدأ بتقليم "أظافر" حزب الله الذي يتمتع بنفوذ سياسي وعسكري يعتد به داخليًا وإقليميًا، وهو ما يعني أن خيار المواجهة السياسية والاقتصادية وصولا إلى المواجهة العسكرية على المستوى الإقليمي والدولي مع الحزب، أصبحت خيارات مطروحة وقابلة للتنفيذ، الأمر الذي يفرض تحديات داخلية وإقليمية جمة على الدولة اللبنانية، ويضع استقرارها على المحك، ويجعل من سياسة النأي بالنفس عن الأزمات الإقليمية التي اتبعتها طوال السنوات الماضية مسارًا يصعب عليها الاحتفاظ به في الوقت الراهن.            

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية