متابعات تحليلية

منتدى شباب العالم: رسائل ودلالات

د. حسن سلامة * 6025 5-11-2017
طباعة

رسائل عدة يبعث بها "منتدى شباب العالم" الذي تستضيفه مدينة شرم الشيخ خلال الفترة من الرابع وحتى العاشر من نوفمبر الجاري (2017). فلا شك أن نجاح مصر في تنظيم هذا المنتدى يمثل دحضًا مباشرًا للمزاعم التي يرددها البعض حول غياب حالة الأمن والاستقرار في مصر؛ خاصة في ظل حجم المشاركين في المنتدى، والذين يزيدون عن ثلاثة آلاف مشارك من الشباب والقيادات السياسية، وممثلي الدول المختلفة المنتمين إلى نحو 100 جنسية. تلك هي الرسالة الأولى للمنتدى. وتتأكد هذه الرسالة إذا أضفنا تنظيم هذا المنتدى إلى جملة فعاليات دولية أخرى سابقة.

الرسالة الثانية، أن المنتدى يمثل نموذجًا مهمًا لاستعادة مصر دورها العالمي، الثقافي والحضاري، باعتبار المنتدى مناسبة مهمة للتفاعل بين مختلف الثقافات. وتأتي أهمية هذا الدور في ظل تزامن عقد المنتدى مع استمرار قيام مصر بدورها المهم في الحرب على الإرهاب. فعلى الرغم مما تبدو عليه مواجتها لموجة الإرهاب الحالية وكأنها مواجهة لتهديد "داخلي"، لكن هذه المواجهة لا تخلو من بعد إقليمي وعالمي، بالنظر إلى الطابع الراهن للتنظيمات الإرهابية والتي تتسم بطابع شبكي عابر للحدود. وبمعنى آخر، فإن تزامن عقد المنتدى مع المواجهة الضارية للإرهاب ينطوي على رسالة مزدوجة بأنه في الوقت الذي تضطلع فيه مصر بمسئولياتها في مواجهة الإرهاب والتشدد فإنها تسهم في الوقت ذاته بتعميق حالة الحوار الثقافي العالمي من خلال منتدى عالمي للشباب.

الرسالة الثالثة، ترتبط بفكرة مأسسة تعامل الدولة المصرية مع قضية تمكين الشباب والخروج بها إلى آفاق أرحب، ونطاقات أوسع، تتجاوز مجرد الطرح النظري إلى واقع عملي ملموس، بدءًا من بيان الثالث من يوليو 2013 الذي أكد على أهمية "التمكين"، إلى تطوير مسارات متعددة للتأهيل والإعداد الجيد، من خلال البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة كفكرة مبتكرة بادرت بها مؤسسة الرئاسة وأفرزت نتائجها الملموسة في مؤسسات الدولة المختلفة بضخ دماء جديدة مؤهلة، مرورًا بالمؤتمرات الشبابية المحلية في مدن ومحافظات مصر المختلفة باعتبارها منصات مباشرة للتواصل الفعال بين القيادة والمسئول من جانب، والشباب من جانب آخر، وصولًا إلى إعلان السيد رئيس الجمهورية عن إنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب كجهة مسئولة عن صناعة النخبة الجديدة من القيادات الشبابية الواعدة.

الرسالة الرابعة، هي التأكيد على وضوح رؤية الدولة المصرية إزاء التعامل مع قضايا الشباب. وما يمكن الإشارة إليه هنا أن هذه الرؤية ليست رؤية موسمية ظرفية، بقدر ما أضحت رؤية استراتيجية طويلة الأمد، مفادها أن المستقبل يصنعه أصحابه، وأن التهميش والإقصاء لفئة الشباب من الجنسين ليس من مفردات العصر الحالي، وأن الدمج والاصطفاف هما لغة يتعين أن يجيدها كل من ينتمي إلى هذا الوطن ويسعى إلى تغيير حقيقي؛ فلن يتم حل المشكلات إلا عبر مشاركات شبابية تتجاوز النظرة التقليدية وتبحث عن حلول إبداعية.

الرسالة الخامسة، أن المنتدى يمثل تجسيدًا مباشرًا لقيمة الديمقراطية والحوار مع الآخر العالمي، المختلف (دينيًا، وثقافيًا، ولغويًا)؛ فقد تجلى قبول هذا الآخر، واستيعاب تجاربه وأفكاره، وبناء جسر مشترك من التفاهم عبر أفكار وسطية معتدلة، في شعار المنتدى "إننا بحاجة إلى التحدث معًا"، الذي تبعث مصر من خلاله رسالة تفاهم ودعوة للتقارب رغم الاختلافات الثقافية والدينية واللغوية.

الرسالة السادسة، هي في الإصرار الرئاسي على تجسير فجوة عدم الثقة التي طالت لسنوات بين الدولة والشباب، خاصة مع حرمان تلك الفئة من حقها في البناء مقابل قيادات استمرأت البقاء على حساب الآخرين، فكان توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بحتمية تجسير تلك الفجوة واستعادة الشباب لثقتهم في أنفسهم أولًا، وفي دولتهم ثانيًا. وكان عام الشباب هو نقطة البداية الحقيقية وما شهده من تواصل مستمر وعبر مسارات متعددة.

الرسالة السابعة، هي توسيع قاعدة فرص المشاركة المتاحة لأكبر عدد ممكن من الشباب، حيث تم مراعاة تمثيل كل المحافظات والفئات الشبابية، كما تم الأخذ في الاعتبار دعوة مجموعات شبابية لم تشارك في المؤتمرات الوطنية السابقة للشباب، وذلك في إطار حرص إدارة المنتدى على إتاحة الفرص لأكبر عدد ممكن من الشباب وتحقيق أعلى نسبة مشاركة جدية لشباب مصر. في السياق ذاته، جرى اختيار مجموعات شبابية ممثلة لكل الفئات الشبابية الدولية من بين المسجلين على الموقع الإليكتروني للمنتدى بحيث يكون هناك تمثيل لكل قارات العالم يكفل تحقيق التفاعل المطلوب، ويسمح بتبادل الخبرات والمعارف من كل مكان في آن واحد.

أجندة عمل المنتدى

فعاليات وأجندة المنتدى تحمل في مضمونها أيضًا دلالة مهمة هي الأبرز، مفادها أن مصر تمارس دورها الإقليمي والدولي في التفاعل مع قضايا الساعة التي يهتم بها العالم أجمع دون الانكفاء على الذات، رغم كثرة الشواغل الداخلية وعظم التحديات؛ فمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وريادة الأعمال، وصناعة القيادات الشبابية، وتجارب استضافة اللاجئين الفارين من مناطق الصراع، واستعادة بناء الدولة الوطنية، كلها قضايا تحتاج إرادة سياسية عالمية، ومشاركة حقيقية بخبرات متنوعة، مع الحفاظ على دور الشباب.

إن مكافحة الإرهاب عبر منظومة متكاملة لا يغيب فيها البعد الأمني، وفي تلازم عضوي مع الأبعاد الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية، يشكل قمة أجندة واهتمامات المنتدى، باعتبار أن الإرهاب يمثل تهديدًا عالميًا، وأن المواجهة هي مواجهة فكرية ثقافية بالأساس، مما يستلزم بدوره مواجهة عالمية، أخذًا في الاعتبار الإجراءات الاستباقية في التعامل مع هذه الظاهرة المركبة. من هنا جاءت أهمية استعراض الخبرة المصرية في هذا المجال، والتي تستند إلى تعاون مختلف مؤسسات الدولة، وعلى رأسهما القوات المسلحة والشرطة المدنية، فضلًا عن البعد المجتمعي المهم في تلك العملية.

ويمثل عرض تجربة مصر في تأسيس الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب محورًا مهمًا، باعتبارها نموذجًا لتحديث المجتمعات، واستخدام التقنيات الحديثة، وأساليب الإدارة المتطورة لتحقيق التقدم. ويُشار في هذا الصدد إلى حقيقة أن إنشاء هذه الأكاديمية جاء كأحد توجيهات المؤتمر الوطني الأول للشباب بشرم الشيخ في نوفمبر 2016. يرتبط بذلك أيضًا استعراض نتائج البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، وما حققه على صعيد تنشئة وتجنيد نخبة جديدة مؤهلة لتولي زمام المستقبل وبناء قاعدة شبابية من الكفاءات القادرة على تحمل المسئولية السياسية والمجتمعية والإدارية في الدولة، من خلال تأهيلها بأحدث نظريات الإدارة والتخطيط العلمي واختبار قدراتها على تطبيق الأساليب والطرق الحديثة بكفاءة عالية لتكوين نواة حقيقة لمجتمع يفكر ويتعلم ويبتكر.

أما ريادة الأعمال فهي أيضًا أحد الموضوعات الرئيسة على أجندة المنتدى باعتبارها تعكس الرؤية الاستراتيجية الواقعية للنمو الاقتصادي، حيث يتفق معظم خبراء الاقتصاد على أن ريادة الأعمال، بما تعنيه من قدرة شخص مبدع على تسويق إبداعاته، وتحمل المخاطرة، خاصة مع وجود مؤشرات لتحقيق أرباح، أضحت مكونًا ضروريًا لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، بما يعني محاصرة البطالة وسد منافذ التوتر المجتمعي المحتملة. وفي العالم النامي، أضحت الشركات الصغيرة الناجحة هي المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل وزيادة الدخل وتقليل نسبة الفقر. ولعل مناقشة المنتدى للعديد من المقترحات الشبابية في هذا الإطار تسمح بالتجاوب مع احتياجات السوق وتخلق طلبًا جديدًا. ربما يكون مطلوبًا أيضًا مناقشة إمكانية توفير مقررات دراسية داخل الجامعات لتدريس ريادة الأعمال والتوسع فيها إلى جانب التوسع في إنشاء معاهد وكليات تطبيقية فنية للتحفيز على مزيد من الابتكار، وتوفير عمليات تدريب منخفضة الثمن للعاملين في مشروعات ريادة الأعمال لفتح أسواق جديدة وتوفير المزيد من فرص العمل، وتشجيع رجال الأعمال على تحمل المسئولية الاجتماعية من خلال دعم وتمويل الأفكار المبتكرة بإجراءات بسيطة تخلو من التعقيد.

من ناحية أخرى، تحظى قضية اللاجئين والمهاجرين بأهمية عالمية نظرًا لمسبباتها المرتبطة باستمرار الصراعات والأزمات في مناطق مختلفة من العالم، ونظرًا لتداعياتها ذات الصلة بفرار الملايين من مناطق الصراع إلى أماكن أكثر أمنًا مما جعل الجمعية العامة للأمم المتحدة  تتخذ شعارًا لأعمال دورتها 71 "اللاجئون والمهاجرون"، وربما كان ذلك ما أعطى أهمية كبرى لتلك القمة بالنسبة لمصر، نظرًا لتزايد عدد اللاجئين داخل مصر بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة الماضية، سواء من السوريين والليبيين الفارين من تردي الأوضاع الأمنية والإنسانية في بلادهم، أو النازحين عبر عمليات الاتجار بالبشر في القارة السمراء. ويتمثل الإحصاء الوحيد لإجمالي عدد اللاجئين في مصر فيما صدر عن المفوضية الخاصة بشئون اللاجئين، التي تحدثت عن وصول عددهم إلى 186 ألف لاجئ، بينهم حوالي 131 ألف سوري، إضافة إلى لاجئين من دول أخرى أكثرهم من السودان والصومال، بالإضافة إلى اللاجئين الليبيين في مصر. وتتفاوت أعداد اللاجئين السوريين في مصر وفقًا للإحصاءات المختلفة، فالبعض وضع مصر في المركز الخامس ضمن دول الجوار التي تستوعب اللاجئين السوريين، حيث قدرت أعدادهم بحوالي 132 ألف لاجئ لا يعيش أي منهم داخل مخيمات، كما هو الحال في بعض الدول، فيما تشير وزارة الخارجية المصرية الى أن مصر تستضيف أكثر من نصف مليون لاجئ سوري، يتمتعون بحقوق المواطنين في المسكن والتعليم، ناهيك عن أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين منهم مسجلون كلاجئين، وبعضهم يعيش بين المواطنين المصريين، وهؤلاء هم من المواطنين السوريين الذين كانت لديهم القدرة على السفر إلى مصر والإقامة بها في بداية الأزمة السورية.

الرئيس عبدالفتاح السيسي، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث قدّر عدد اللاجئين في مصر بحوالي 5 ملايين شخص من سوريا وليبيا، ويضاف إليهم عدد من الدول الأفريقية الشقيقة، وأن مصر تحرص على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة، على استضافتهم وتقديم الدعم اللازم لهم، مشيرًا إلى أن الظروف الأمنية التي تمر بها المنطقة إقليميًا وانعكاساتها السلبية على مصر، تفرض علينا ضمان عدم إساءة استخدام هذا الحق الإنساني على نحو يهدد الأمن القومي المصري.

وتأتي استضافة مصر لمجموعات من اللاجئين تطبيقًا لبنود اتفاقية اللاجئين التي وقعتها مصر في عام 1951، كما وقعت بروتوكولها الصادر عام 1967، واتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، والتي تمنح اللاجئين حق الإقامة في البلدان التي تستضيفهم وعدم إعادتهم إلى بلدانهم إلا في حالة الظروف القصوى، مع وجوب معاملتهم بنفس المعاملة التي يتلقاها مواطنو البلدان المستضيفة. لكن مع تزايد أعداد اللاجئين حول العالم أصبح اللاجئون يشكلون تحديًا كبيرًا للدول النامية ومنها مصر.

وبشكل عام، تقدم مصر تجربة عالمية متمايزة فيما يتعلق بالتعامل مع مشكلة اللاجئين في المنطقة؛ كما تدعو إلى منهج متكامل للتعامل مع هذه الظاهرة، على نحو ما أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي من ضرورة التعامل مع أزمة تدفق اللاجئين في إطار عالمي، وبمنظور شامل يجمع بين البعد الأمني والتنموي. ورغم تحفظ مصر على بعض النقاط باتفاقية 1951، خاصة البند الذي يسمح للاجئين بالعمل لكسب الرزق، نظرًا لانتشار البطالة داخل  مصر، إلا أن اللاجئين بدأوا في فتح أسواق غير رسمية للعمل داخل مصر. ورغم ضغط الأوضاع الاقتصادية التى تعاني منها مصر فإن اللاجئين السوريين في مصر يتمتعون بحياة ربما تكون أفضل من غيرهم، حيث تتم معاملتهم كباقي المواطنين المصريين، رغم كون هؤلاء يشكلون عبئًا كبيرًا على الاقتصاد المصري والخدمات الاجتماعية الموجهة للمصريين، هذا فضلًا عن عبء الخدمات المتاحة للفقراء. وتشير البيانات المتاحة إلى أن هناك نحو 40 ألف طالب من أبناء اللاجئين السوريين والسودانيين في المدارس الحكومية يشكلون ضغطًا شديدًا في ظل عجز المدارس، وتكدس الفصول، وعجز العديد من المواطنين المصريين عن إلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية.

ولعل استعراض تلك الحقائق أمام العالم بأكمله، وبحضور الشباب وقيادات حكومية لفعاليات المنتدى يفتح الباب أمام نقاش ثري للتوصل إلى آليات حقيقية تخفف وطاة هذه المشكلة، كما تُظهر للعالم رؤية مصر في التعامل الإنساني مع هذه القضية، وهو التعامل الذي يندر أن نجد له مثيلًا في دول أخرى، سواء في إقليم الشرق الأوسط أو على المستوى الدولي.

كذلك، فإن نماذج المحاكاة للمؤسسات الوطنية والمنظمات الدولية تمثل بيئة خصبة للمشاركين في معايشة أجواء مشابهة للواقع والوقوف على ملامح التحرك داخل تلك المؤسسات والمنظمات. من هنا تأتي أهمية نموذج محاكاة الأمم المتحدة الذي يعقد في إطار فعاليات المنتدى، ويناقش قضايا عالمية شديدة الأهمية كالإرهاب، والحرب السيبرانية، وكلها قضايا شديدة الوطأة، كما أن مناقشتها عبر نموذج تفاعلي يجعل المشاركين من مختلف جنسيات العالم يقفون على دوافع التحرك وعوائقه في مواجهة فعالة لتلك القضايا، ويبذلون كل جهد ممكن لإيجاد حلول تتجاوز عوائق الواقع إلى أطر أرحب.

وأخيرًا، وبالإضافة إلى النقاط السابقة، تظل أهمية منتدى شباب العالم كونه مبادرة و"صناعة" مصرية، مفادها رسالة إلى العالم بحتمية التفاعل المثمر، والتواصل البناء، وتأكيد جديد على أن مصر ستظل دائمًا نقطة الارتكاز الإقليمي ورقمًا مهمًا في المعادلة الدولية مهما واجهت من تحديات.

طباعة
د. حسن سلامة

أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية