مقالات

البريكس.... نظام اقتصادي عالمي جديد؟

طباعة

في كل مرة تعقد فيها مجموعة "بريكس" BRICS قمتها السنوية تنشغل العديد من الكتابات والتغطيات الصحفية بالثقل الاقتصادي المتزايد للمجموعة، سواء فيما يتعلق بحصتها من الناتج الإجمالي العالمي (حوالي 25%)، أو من التجارة العالمية (حوالي 20%)، أو سكان العالم (43%)، أو من حجم سوق العمل (46%)، أو مساهمتها في معدل نمو الاقتصاد العالمي (حوالي 40%)، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية. ومع أهمية هذا المدخل في فهم دور "بريكس"، لكنه يظل قاصرا عن تقديم قراءة أكثر عمقا لدور المجموعة ليس داخل الاقتصاد العالمي فحسب، ولكن داخل هيكل وطبيعة النظام العالمي، واتجاهات تحول هذا النظام.

واقع الأمر إن "بريكس" تمثل في الحقيقة جزءًا من ظاهرة عالمية أوسع، وهي صعود "المجموعات الدولية" التي أضحت إحدى الظواهر الأساسية المميزة لنظام ما بعد الحرب الباردة، حيث يضاف إلى "بريكس" التي عقدت قمتها الأولى في يونيو 2009، "مجموعة العشرين" G20، التي بدأت عملها على المستوى الوزاري في ديسمبر 1999، ثم تحولت إلى مستوى القمة بدءًا من نوفمبر 2008. هذه الظاهرة تمثل إلى حد كبير "انقطاعًا" مع نمط المؤسسية الاقتصادية الدولية التي تطورت عقب الحرب العالمية الثانية، والتي شكلت أطرًا أساسية لإدارة التفاعلات والسياسات العالمية خلال فترة الحرب الباردة، بدءًا من صندوق النقد والبنك الدوليين، ثم منظمة التجارة العالمية، فضلًا عن مجموعة السبع الصناعية، وموجة الترتيبات الإقليمية التقليدية أو ما عرف بالموجة الأولى من الإقليمية. وعلى الرغم من استمرار المؤسسات التقليدية التي ارتبطت بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية جنبًا إلى جنب مع "المجموعات الدولية" الجديدة، لكن الأخيرة اتسمت بعدد من السمات التي ميزتها هيكليًا عن الموجة الأولى من المؤسسية الاقتصادية الدولية، سواء من حيث طبيعة وتركيب هذه المجموعات، أو أجندات عملها، أو أبنيتها المؤسسية، أو توجهاتها إزاء النظام العالمي.

وقد ارتبط بظهور بريكس تحول آخر مهم تمثل في السعي إلى إنهاء حالة المركزية وتغيير نمط الحوكمة الاقتصادية. إذ ظلت المركزية وضعف الحوكمة واحدة من السمات الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، استنادًا إلى مؤسسات بريتون وودز، ممثلة في صندوق النقد والبنك، الدوليين. وقد تكرست هذه الظاهرة مع تأسيس مجموعة السبع الصناعية التي عبرت عن مركزية إدارة النظام الاقتصادي العالمي، ليس فقط على المستوى الاقتصادي والمالي، ولكن على المستوى الأمني أيضًا، وذلك على خلفية توسع دور وأجندة عمل المجموعة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي لتشمل قضايا أمنية. وكان من المتوقع أن يكون تأسيس منظمة التجارة العالمية في يناير 1995 خطوة مهمة لتوسيع ونشر عملية صنع القرار داخل النظام الاقتصادي العالمي، إلا أنها لم تنجح في ذلك، وتحولت هي الأخرى إلى ساحة لهيمنة القوى الاقتصادية الغربية، وآلية لفرض برامج وسياسات اقتصادية على الدول النامية لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها أو طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية. وقد ظلت ظاهرة المركزية تلك قائمة حتى بدأت مجموعات اقتصادية جديدة في الظهور، لعبت دورًا رئيسا في كسر احتكار القوى الغربية بشكل عام، ومجموعة السبع الصناعية ومؤسسات بريتون وودز بشكل خاص، لإدارة الاقتصاد العالمي. وهكذا، كان الدور الأول والأبرز الذي لعبته "بريكس" هو إضفاء نوع من اللامركزية على عملية صنع القرار داخل النظام الاقتصادي العالمي.

وقد تكرس هذا التحول على خلفية ثلاثة عوامل. أولها، يتعلق بارتباط هذه المجموعات بالاقتصادات الصاعدة والناشئة. ويتعلق ثانيها، كما سبق القول، بتنامي الثقل الاقتصادي للمجموعة، والذي أسهم بدوره في تحسن ترتيبها داخل الاقتصادات العشرين الأكبر عالميًا خلال العقود الثلاث الأخيرة. ويتعلق ثالثها، بسعي هذه المجموعات إلى إنشاء مؤسسات التمويل الخاصة بها؛ فبالإضافة إلى "بنك التنمية الجديد"NDBالخاص ببريكس والذي دخل اتفاقه حيز النفاذ في يوليو 2015، أنشأت الصين "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية" AIIB، كبنك دولي متعدد الأطراف والذي دخل اتفاقه حيز النفاذ في ديسمبر 2015، و"صندوق طريق الحرير"الذي أسسته الحكومة الصينية في ديسمبر ٢٠١٤، برأسمال قدره ٤٠ بليون دولار. وتأتي أهمية هذه المؤسسات المالية أنها تعمل وفقًا لشروط أفضل بكثير بالنسبة للدول النامية والصاعدة، بالمقارنة بمؤسسات بريتون وودز.

وقد ضاعف من أهمية الصعود الاقتصادي للبريكس أن ارتبط به إدراك دول المجموعة لأهمية دورها في إصلاح النظام الاقتصادي العالمي وتوسيع عملية صنع القرار داخل هذا النظام، الأمر الذي دفعها إلى محاولة تمثيل أكبر عدد ممكن من الاقتصادات الناشئة والمهمة، وهو ما انعكس في اتجاهها إلى استحداث صيغة تضمن تحقيق هذا الهدف، والتي دشنتها القمة الأخيرة للمجموعة تحت مسمى (بريكس+) BRICS Plus، والتي دعُيت في إطاره كل من مصر، والمكسيك، وطاجكستان، وتايلاند وكينيا. وتأتي أهمية هذه الصيغة أنها تمثل، من ناحية، إحدى الصيغ المهمة التي تمت تجربتها داخل عدد من المجموعات والترتيبات الإقليمية، مثل (الآسيان +)، والتي حققت نجاحًا ملحوظًا كما تمثل، من ناحية أخرى، صيغة لاستيعاب الدول المهمة، والاقتصادات الواعدة، التي لم تنضم بعد إلى فئة الاقتصادات الصاعدة، لكن يظل هناك توافق على أهميتها من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وأهمية مشاركتها في لحظات الانتقال المهمة في هيكل النظام الاقتصادي العالمي.

هذه العوامل أعطت"بريكس" ثقلًا ومصداقية كبيرة في التعبير عن مصالح الدول والاقتصادات الصاعدة داخل النظام الاقتصادي العالمي. لكن في الحقيقة فإن دور "بريكس" داخل النظام العالمي يتجاوز مسألة التعبير عن مصالح الدول والاقتصادات الصاعدة، ليشمل الحفاظ على استقرار هذا النظام. فقد تبع ظهور المجموعات الاقتصادية الجديدة، وتحديدًا مجموعة العشرين والبريكس، أن ذهب البعض إلى أن ظهور هذه المجموعات الدولية يمثل مقدمة لانهيار النظام العالمي القائم وبناء نظام جديد، خاصة في ظل ارتباط هذه المجموعات بدول مهمة، مثل الصين وروسيا، الأمر الذي يعني ارتباط صعود هذه المجموعات بتحدي النظام العالمي القائم. ويستند هذا الافتراض -على سبيل المثال- إلى حالة ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر. فقد نتج عن الصعود الألماني حدوث تحول في هيكل توزيع القدرات الاقتصادية والعسكرية في أوروبا في ذلك الوقت لصالح ألمانيا التي تزايدت طموحاتها الدولية والإقليمية وعدم رضاها عن النظام العالمي القائم، وهو ما أدى إلى دخول القوى الدولية آنذاك في تنافس شديد، وسباقات تسلح، وإعادة بناء التحالفات الإقليمية، انتهت بنشوب الحربالعالمية الأولى.

إن هذا الافتراض يحتاج إلى مزيد من القراءة المتعمقة لظاهرة المجموعات الدولية الجديدة في ضوء الشروط أو المتغيرات الحاكمة للتحول في هيكل النظام العالمي. وبشكل عام، تتفق أدبيات العلاقات الدولية على وجود ثلاثة متغيرات أساسية تحدد ما إذا كانت الدول/ المجموعة الدولية الصاعدة تمثل تحديًا للنظام العالمي القائم. المتغير الأول يتعلق بعدد الدول الكبرى المسيطرة على النظام، بمعنى هل يسيطر على قمة النظام دولة واحدة، أم شبكة أو عدد من الدول؟ المتغير الثاني يتعلق بطبيعة العلاقات القائمة داخل النظام، بمعنى هل تستند التفاعلات الجارية داخل النظام على العلاقة الهيراركية الجامدة، أم أنها تقوم على نمط من العلاقات التبادلية المرنة والمفتوحة نسبيا؟ المتغير الثالث يتعلق بنمط بتوزيع عوائد المعاملات الدولية (خاصة في مجالات التجارة والاستثمار)، بمعنى هل يستند النظام الدولي القائم إلى التوزيع العادل نسبيًا للمنافع المادية والمعاملات الدولية، أم يستند إلى التوزيع المتحيز لهذه المنافع لصالح الدولة/ الدول المهيمنة على النظام؟ فكلما كان النظام الدولي القائم يقوم على وجود شبكة من الدول التي يقوم بينها درجة كبيرة من الاعتماد المتبادل، وكلما كانت التفاعلات داخل هذا النظام تقوم على العلاقات التبادلية المرنة والتوافق العام، وكلما كان النظام يقوم على نشر المنافع المادية الناتجة عن المعاملات الدولية، كلما زادت فرصة وقدرة الدول الصاعدة على تأمين وحماية مصالحها في ظل هذا النظام والاندماج فيه، وكلما زاد أيضًا الاتجاه لدى هذه الدول على التوافق والتأقلم مع النظام والمؤسسية الدولية القائمة، وتراجع ميلها إلى تحدي النظام العالمي القائم.

استنادًا إلى هذه المتغيرات الثلاث، يمكن القول إن مجموعة "بريكس" باتت تمثل عامل استقرار مهم داخل النظام العالمي. فمن ناحية، تمثل المجموعة - بجانب المجموعات الدولية الأخرى- خطوة إضافية نحو تعميق البناء الشبكي داخل النظام العالمي، وتأخذ هذا النظام بعيدًا عن حالة هيمنة دولة واحدة. من ناحية ثانية، تلعب بريكس دورًا مهمًا في تعميق نمط التفاعلات التبادلية داخل النظام، وتأخذه بعيدًا عن الطابع الهيراركي الذي ساد عقب الحرب العالمية الثانية. ومن ناحية ثالثة، فإن بريكس تمثل خطوة مهمة نحو التوزيع العادل للمنافع داخل النظام، وإفساح دور أكبر للقوى والاقتصادات الصاعدة للتعبير عن مصالحها.

وبمعنى آخر، فإن ظهور بريكس- بجانب مجموعات دولية أخرى- يعبر في الحقيقة عن عملية تحول سلمي عميق وتدريجي من نظام "بريتون وودز"، الذي اتسم بدرجة كبيرة من المركزية والتحيز لمصالح الموجة الأولى من الدول الصناعية الغربية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية، إلى نظام شبكي يتسم بدرجة أكبر من التعقيد والتعددية، ونشر عملية صنع القرار، ودرجة أكبر من التعبير والتمثيل لمصالح القوى الصاعدة والناشئة. كل ذلك دون أية مواجهات عنيفة داخل النظام العالمي.

طباعة
د.محمد فايز فرحات

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية