عروض

عرض العدد 65 من دورية "قضايا برلمانية"

طباعة

افتتحت منذ أيام قليلة أعمال الدورة البرلمانية الثالثة للبرلمان. ومن هنا تبنى العدد الجديد من مجلة "قضايا برلمانية" موضوعا واحدا فقط للنقاش، وهو مقترح تعديل الدستور الذى طغى على ساحة النقاش السياسى لأكثر من شهر، عقب فض الدورة البرلمانية الثانية. وتطغى مدة الرئاسة على النقاش فى هذا الملف، باعتبارها أساس التعديل وجوهره، وتسرد التقارير الواردة بالعدد من جانب دستوريين وقانونين وسياسيين واجتماعيين واقتصاديين، كافة الحجج الداعية للتعديل وتسعى لتنفيذها، مشيرة إلى السوابق المشابة فى التاريخ المصرى الحديث، وكيف أن جميعها، رغم نجاح معظمها من حيث الشكل، أدت إلى تحولات سلبية فى صيرورة الحياة السياسية فى مصر.

فقد أشار الدكتور فتحى فكرى، أستاذ القانون العام بجامعة القاهرة وعضو لجنة العشرة لتعديل دستور 2012، فى موضوع بعنوان "مدة الرئاسة بين تطوير تحديدها ومخاطر تعديلها"، إلى بعض الأصوات التى تعلو من حين لآخر للمطالبة بتعديل الدستور، وتحديدا مدة الرئاسة لتصبح ست سنوات على الأقل، وهو ما يثير أسئلة عدة إجاباتها ليست حائرة، ويطرح محاذير جمة لا تخفى مخاطرها. وبعيدا عن الاعتبارات القانونية، يرى الباحث أن المطالبات بتعديل مدة الرئاسة لم تصادف (على أبسط تقدير) التوقيت المناسب.

ويناقش الأستاذ نبيل عبدالفتاح، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فى موضوع بعنوان "الجدل حول تعديل الدستور... ما وراء الخطابات المتنازعة"، كافة مقترحات تعديل الدستور، كما يفند حجج ومبررات هذا التعديل، ويرى أن واحدة من أكثر المشكلات بشأنها يرتبط بوقت التعديل، والحجج المتضاربة لتبرير التعديل. كما يرى أن ثمة فجوة بين الدساتير من ناحية، وعلاقات توزيع السلطة، والقوى بين السلطات، والواقع المعاش، من ناحية أخرى.

فى هذا العدد أيضًا يطرح الأستاذ أحمد عبدالحفيظ، المحامى ونائب رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، فى موضوع بعنوان "التعديلات الدستورية... تاريخ من الانتهاكات والآثار السلبية"، الرؤية التى تتبناها النخبة المصرية بمختلف عناصرها وتياراتها لدور القانون فى عملية التطور الاجتماعى والسياسى، وهى تلك الرؤية تلك التى نراها خالية من الفهم السياسى والعلمى الحقيقي. إذ يبدو أن النخب السياسية تعتبر القواعد القانونية – وعلى رأسها القواعد الدستورية- هى المحرك الوحيد أو الأساسى لهذا التطور وتلك الثقافة بالنظر للدستور والقانون ودورهما فى الحياة السياسية، أو فى استسهال العبث بهما. كما تشترك النخب الحاكمة فى مصر، وفى معظم بلدان العالم الثالث فى آن واحد، بما نتج عنه من رغبة البعض فى تعديل الدستور ليمكن الحاكم فى المزيد من السلطات الأحادية المستبدة، حتى لو بدا التعديل فى شكل استجابة للضغوط الجماهيرية والنخبوية التى تلح على إحداثه.

أما فيما يخص الجانب القانونى، فيذكر الأستاذ عصام الإسلامبولى، المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا، فى موضوع بعنوان "الدستور بين التفعيل والازدراء والمخالفة"، أن سيادة القانون لا تعنى المعنى الضيق للقانون، حسبما درج الناس على فهم معنى كلمة القانون، لكنها تعنى التشريع بمختلف مستوياته (دستور – قانون – لائحة). فتفعيل مواد الدستور واحترامها (مع التسليم بأن نصوص الدستور ليست نصوص مقدسة)، هى أمور أولى بكثير من تعديل الدستور، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن التطبيق السليم هو الكاشف الوحيد عن عوار النصوص. لذلك، فإن عدم الازدراء أو عدم العبث بالدستور احتراما لسيادة الشعب هو السبيل الحقيقي لبناء الدولة القانونية الدستورية المدنية الحديثة.

وفى الجانب الاقتصادى، يوضح الأستاذ حسين سليمان، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن مسيرة أى إصلاح دستورى تتوقف على استقرار الدساتير والقوانين، فيما يحدث الاطمئنان، وبكثرة تبدلها تخيب آمال رجال الأعمال. ويقول إن هناك برنامج للإصلاح الاقتصادى يطرح تحديات مهمة للاقتصاد المصرى. وبغض النظر عن تقييم أهداف هذا البرنامج وأدواته فى حد ذاتها، إلا أن فشل البرنامج فى تحقيق هذه الأهداف قد يكون له نتائج وخيمة، فورية وعلى المدى الطويل. ومن هنا على البرلمان أن يبدأ فى استيعاب دوره الاقتصادي الجديد نسبيا، عبر سن حزمة من القوانين التى تدعم هذا البرنامج، بدلا من أن يشارك فى إصلاحات دستورية تهز ثقة المستثمرين.

ويوضح الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، فى موضوع بعنوان "الرئيس والتحول الديمقراطى فى مصر بعد عام 2011"، أن تقييد مدة الرئاسة سمة رئيسة للنظم الديمقراطية، وقد أقر ذلك الدستور المصرى الصادر فى عام 2014 لتلوح فى الأفق بوادر صحيحة نحو ترسيخ صورة المؤسسية وتداول السلطة، يدعمها الحاجة الملحة إلى ثقافة ديمقراطية حقيقية. يرتبط بذلك عدم انفراد الحاكم بالسلطة المطلقة فى تعيين الحكومة، حيث تنص مواد الدستور (م 146) على خطوات محددة يلتزم بها الرئيس مع البرلمان فى اختيار الحكومة (رئيسا وأعضاء)، وأيضًا عند الإقالة. كذلك تقييد مدة الرئاسة، حسب الدستور بمدتين فقط، لكل منها أربع سنوات، تمثل تحولا إيجابيا ينبغى التمسك به حتى لا يتحول الرئيس، بحكم طول بقائه فى المنصب، إلى حقيقة غير قابلة للتغيير.

ويشير الدكتور عبدالعليم محمد، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فى موضوع بعنوان "تفاوت المدى الزمنى للرئاسة فى بعض الدساتير الدولية"، إلى أن ولاية الرئيس تخضع من الناحية الزمنية لتحديات واضحة دستوريا، ويسرى ذلك على ولاية الرئيس أيا كانت طبيعة النظام السياسى. ولاشك فى أن مبدأ تحديد الولاية الرئاسية زمنيا هو أحد تجليات العملية الديمقراطية فى أغلب الدساتير الحديثة والمعاصرة، وفى أغلب النظم السياسية رئاسية أو برلمانية، أو خليط من هذا وذاك. ويمكن القول بأن تحديد المدة الزمنية لولاية الرئيس يكاد يكون القاسم المشترك الأعظم بين كافة النظم السياسية، بصرف النظر عن طبيعة الصلاحيات المنوط بالرئيس ممارستها والتى تختلف من نظام لآخر وفق الثقافة السياسية السائدة وطبيعة النظام السياسي، ولا شك أن الالتزام بهذا التحديد يعتبر ممارسة ديمقراطية واحترام لموقع الدستور فى التطور السياسى.

كما يطرح العدد جانبا آخر وهو الخبرات الدولية، للأستاذ آدم سيجان أستاذ القانون بجامعة ليستر وخبير مؤسسة الشركاء الدوليين، فى موضوع بعنوان "الخبرات الدولية حول تعديلات الدستور". ويوضح الباحث- بعد عرض الخبرات الدولية فى هذا المجال- أنه لا يوجد طريقة واحدة ثابتة لتعديل الدستور، إلا أن جميع الدول تطور أساليبها ووسائلها الخاصة التى تدرك قيمها وأولوياتها وأهدافها. وذلك مع ضمان عملية التعديل الدستوري، فى إطار النظم الديمقراطية للحكومة، ووجود نظام من الضوابط والتوازنات لمنع التعديلات التى تكون علنية أو سياسية أو تمييزية. بالإضافة إلى، تعزيز دور المحكمة الدستورية فى الإشراف على عملية التعديل وضمان أن التعديلات تتماشى مع الأحكام الدستورية القائمة الأخرى أو أن التعديلات الدستورية لا يكون لها تأثير سلبى على أقلية معينة أو جزء من المجتمع. ومع ذلك، بغض النظر عن طريقة التعديل الدستورى التى يتم استخدامها، فإن النقطة الرئيسة هى تأمين الموافقة الشعبية للتعديلات الدستورية لضمان أن هذه التعديلات لها شرعية بين المواطنين.

طباعة
نــورا فخـري أنور

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية