متابعات تحليلية

استراتيجية إيرانية من ثلاثة مستويات للرد على التصعيد الأمريكي

طباعة

إذا كان على الكونجرس الأمريكي أن يقرر، خلال شهرين ابتداءً من يوم 13 أكتوبر الجاري (2017)، وهو يوم إلقاء الرئيس دونالد ترامب خطابه بخصوص الاتفاق النووي الإيراني، ما إذا كان سيقدم على فرض عقوبات أمريكية جديدة على إيران قد تؤدي إلى "الانقلاب على الاتفاق النووي" الموقع بين إيران و"مجموعة دول 5+1" عام 2015، أو سيقدم على تشريع جديد لمعالجة ما يعتبره الأمريكيون عيوبًا في ذلك الاتفاق فإن إيران معنية هي الأخرى، وقبل حلول هذا الموعد بإعداد موقفها، أو على الأرجح، مواقفها من كل تلك الإجراءات والمواقف الأمريكية.

إيران ليست معنية فقط بإعداد رؤية شاملة لمواجهة المواقف والإجراءات الأمريكية المحتملة بخصوص البرنامج النووي، ولكنها معنية أيضًا بأن تأخذ في اعتبارها ذلك التصعيد الأمريكي المتعمد ضد "الحرس الثوري الإيراني"، وهو تصعيد قد يلقى قبولًا من بعض أو كل الحلفاء الأوروبيين الشركاء في التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) على وجه الخصوص. فبعد لحظات من انتهاء الرئيس دونالد ترامب من إلقاء خطابه حول موقفه من البرنامج النووي الإيراني، الذي انقلب فيه بالكامل على سياسة الرئيس السابق باراك أوباما، وأوصى بعدم المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران، وربط بشكل وثيق، بين مصير هذا الاتفاق وسياسة إيران الإقليمية المرفوضة والمدانة أمريكيًا، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج أربعة كيانات تابعه لـ"الحرس الثوري" الإيراني، على رأسها "فيلق القدس" الذراع الخارجية للحرس، على قائمة العقوبات تحت قانون الإرهاب. وذكر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في بيان صدر في 14/10/2017 أنه قام بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة العقوبات، وفقًا للأمر التنفيذي العالمي للإرهاب 13224، وفقًا لقانون "مكافحة أعداء أمريكا عبر العقوبات". وكان ترامب قد ذكر في خطابه المشار إليه يوم الجمعة (13/10/2017) أنه قدم صلاحيات واسعة لوزارة الخزانة لفرض عقوبات مشددة ضد الحرس الثوري الإيراني.

أولًا: العوامل الحاكمة للخيارات الإيرانية المحتملة

إيران، بهذا المعنى، لن تستطيع أن تفصل بين موقفها الذي تقوم بإعداده للرد على التصعيد الأمريكي والقرار المحتمل من الكونجرس وبين هذا التصعيد ضد الحرس الثوري واستهدافه. هذا التصعيد سيكون حتمًا محددًا أساسيًا في بلورة وصياغة الخيارات والمواقف الإيرانية. لكن هذه المهمة ستكون أيضًا معنية بأن تأخذ في اعتبارها ثلاثة عناصر أخرى ستكون، حتمًا، حاكمة للخيارات الإيرانية المحتملة.

أول هذه العناصر يتعلق بحدود الموقف والخيارات المرجح اتخاذها من جانب الكونجرس الأمريكي ضمن خيار إلغاء الاتفاق أو تعديله. ففي ظل وجود انقسام داخل الإدارة الأمريكية، حيث يؤيد كل من وزيري الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جيمس ماتيس الإبقاء على الاتفاق مع العمل على التضييق على إيران بخصوص سياستها الإقليمية وصواريخها الباليستية، وكذلك الانقسام داخل الكونجرس بين أقلية ديمقراطية مؤيدة وموافقة على الاتفاق وأغلبية جمهورية منقسمة بين خيار إلغاء الاتفاق بفرض عقوبات جديدة على إيران، وخيار صياغة تشريع آخر مواز، أو استراتيجية مواجهة شاملة مع إيران دون إلغاء الاتفاق.

الأمريكيون أيضًا مهتمون بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين. وزير الدفاع جيمس ماتيس أعلن، عقب خطاب ترامب، أنه يضع ضمن أولوياته التشاور مع الحلفاء من الشرق الأوسط وخارجها لفهم وجهات نظرهم بشكل أفضل حول سوء سلوك إيران في مجالات "غير نووية" منها الدعم الإيراني للجماعات المتطرفة وبرامج الصواريخ الباليستية. وإذا كان بعض، أو كل حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، يؤيد التصعيد ضد إيران في الملف النووي والملفات الأخرى، فإن الحلفاء الأوروبيين حريصون على إقناع واشنطن بالإبقاء على الملف النووي، والاستعداد في الوقت ذاته لتفهم المطالب الأمريكية بخصوص القضايا الأخرى سواء كانت سياسة إيران الإقليمية أو الصواريخ الباليستية.

إيران سوف تخرج من تحليل هذا العنصر الأمريكي بقناعة مفادها أن الموقف الأمريكي غير محسوم بالنسبة لإلغاء الاتفاق، وأن التركيز سيكون أكثر على تعديل الاتفاق، أو صياغة اتفاق آخر مواز للاتفاق النووي حول السياسة الإقليمية الإيرانية المرفوضة وصواريخها الباليستية، يمكن أن ينتهي إلى فرض عقوبات على إيران لا تقل خطورة عن العقوبات المفروضة بسبب السياسة النووية الإيرانية.

ثاني هذه العناصر يتعلق بموقف الشركاء الأوروبيين في الاتفاق: ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا بالأخص، إلى جانب الاتحاد الأوروبي بشكل عام، على ضوء ضمان طهران لدعم روسيا والصين للإبقاء على الاتفاق النووي. إيران تتابع حرص الشركاء الأوروبيين على الاتفاق، خاصة قرار إيفاد وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فدريكا موجريني، إلى واشنطن لإقناع الكونجرس بعدم نسف الاتفاق، باعتبار أن التسوية التي أرساها هذا الاتفاق "أساسية لأمن المنطقة" (الشرق الأوسط). والمعنى المباشر بهذا الخصوص أن الأوروبيين عندهم أولوية وهي "إنقاذ الاتفاق"، لكن إيران تدرك في الوقت ذاته أن الأوروبيين المعنيين بمصالحهم المباشرة مع إيران، والاستمرار في الالتزام به مع إيران وحماية الشركات الأوروبية من أية عقوبات أمريكية قد تطولها جراء التعاون مع إيران، إلا أنهم معنيون في الوقت ذاته بالعلاقة مع الولايات المتحدة والإنصات إليها، ومتفهمون للانتقادات الأمريكية للسياسات الإيرانية، وقد يميلون إلى مشروع تعاون جديد مع واشنطن ضد إيران، خارج الاتفاق النووي، يأخذ في اعتباره حجتين أمريكيتين مهمتين. الأولى، تتعلق بعجز وكالة الطاقة الذرية الوصول إلى المنشآت العسكرية الإيرانية التي قد تكون مركزا لتطوير القدرات النووية من خارج ضوابط الاتفاق الموقع مع إيران، أما الثانية، فتتعلق بتطوير إيران صواريخ باليستية "لا غاية منها غير حمل رؤوس نووية".

ثالث هذه العناصر يتعلق بسياسة التحريض الإسرائيلية للأمريكيين ضد إيران. فإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية قد وضع ثلاثة خيارات أمام الرئيس الأمريكي ترامب عند لقائه به في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تتراوح بين إلغاء الاتفاق أو تعليق تنفيذه، أو تعديله، فإن الأجهزة الأمنية تؤكد رفضها لخيار إلغاء الاتفاق لتداعياته الخطيرة المحتملة من جانب إيران وبالذات الخوف من أن تتحول إيران نحو "الخيار الكوري الشمالي" إما بالتحول إلى "دولة حافة نووية" أو بامتلاك القنبلة فعليًا.

الرؤية الأهم الجديرة بالاعتبار والتي من المؤكد أنها ستؤثر كثيرًا في الموقف والخيارات الإيرانية هي رؤية معهد بحوث الأمن القومي، التي تطرح بديلًا ثالثًا لخيارين ترفضهما: خيار الدفع بإيران لامتلاك القنبلة إذا ما صدر قرار إلغاء الاتفاق، وخيار القصف، أي شن عدوان أمريكي مكثف ضد المنشآت النووية الإيرانية. الخيار الثالث هو خيار تأسيس تحالفين، أولهما تحالف دولي موسع ضد إيران يضم الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية مهمة، خاصة الهند وكوريا الجنوبية وتركيا، يضع استراتيجية لاحتواء إيران على المدى المتوسط والطويل مع القبول باستمرار الاتفاق على المدى المتوسط الذي هو السنوات العشر من 2015 وحتى 2025، أي قبل أن تبدأ إيران بجني ثمار الاتفاق والشروع في تجديد وتطوير قدراتها النووية. أما التحالف الثاني فهو تحالف مواز يضم الولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة "أي خروقات إيرانية" للاتفاق، وهو ما كانت تأمله إسرائيل مع الولايات المتحدة طيلة السنوات التي سبقت التوقيع على الاتفاق عام 2015.

هذه العناصر الأربعة تطرح الاستنتاجات التالية:

1- أن الموقف مراوغ وشديد الخطورة والالتباس، وأن إيران والاتفاق النووي في مفترق طرق، ما يعني أن العمر الافتراضي للاتفاق أضحى محدودًا. ومن المؤكد أن إيران تعي ذلك وتعمل على وضع حزمة من الرؤى والخيارات الاستراتيجية لواجهة كافة الاحتمالات.

2- أن الرهان على الاتحاد الأوروبي بات رهانه محدودًا، وله أفق زمني، وأن أوروبا ستحاول إقناع الولايات المتحدة بالعدول عن الانسحاب من الاتفاق، لكنها في النهاية إذا وضعت للاختيار بين إيران والولايات المتحدة لن تختار إيران، وقد تختار "الحل الوسط" وهو الإبقاء على الاتفاق دون مساس والشروع في تحالف جديد ضد إيران يخص القضايا الخلافية. والأرجح أن تقبل الولايات المتحدة بالرؤية الإسرائيلية، أي إعداد خيارات لمواجهة إيران على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

3- أن التصعيد الأمريكي ضد الحرس الثوري، وضد الصواريخ الباليستية الإيرانية، وضد السياسة التدخلية الإيرانية في الشئون الإقليمية لن يكون أقل خطورة من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. ومن ثم، من المؤكد أن إيران تعي أنها مقدمة على "مواجهة" متعددة الأبعاد، وأن العامل المرجح الوحيد للتهدئة هو العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وكذلك العلاقة مع كل من روسيا والصين.

4- أن إيران أمامها خيار للمواجهة المضادة بتأسيس تحالف يضم روسيا والصين ودول أوروبية وأطراف دولية أخرى لمواجهة التحالف الأمريكي المزمع إنشاؤه.

5- أن الوحدة الوطنية الإيرانية هي محور ارتكاز أية مواجهة إيرانية باتت محتملة إن لم تكن مرجحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن إسرائيل التي عجزت عن مواجهة إيران في سوريا بات في مقدورها جذب الولايات المتحدة للمواجهة مع إيران من بوابة "الخطر النووي".

ثانيا: الاستراتيجية الإيرانية

وفق هذه الاعتبارات والتحسبات فإن إيران ستكون مطالبة بوضع استراتيجية متعددة الخيارات، وربما يكون هذا هو الخيار الاستراتيجي الأرجح. ونتصور أن تكون هذه الاستراتيجية متعددة المراحل: على المدى القريب، وعلى المدى المتوسط، وعلى المدى البعيد.  

1- على المدى القريب

من المتوقع أن تتجه إيران على المدى القريب إلى الاستفادة من الدعم الأوروبي والروسي والصيني للاتفاق النووي إلى أقصى مدى ممكن، حرصًا على عدم خسارة هذا الدعم تحسبًا لأية سياسات عدوانية أمريكية أو إسرائيلية، وذلك عبر الخيارات التالية:

أ- الإعلان الواضح والصريح عن حرصها على الاستمرار في التزامها بالاتفاق النووي، دون إبداء أي تراجع بخصوص الإمساك بورقة التهديد باللجوء إلى خيار الانسحاب الإيراني من الاتفاق النووي واستئناف المشروع النووي إلى مداه الذي تريده.

ب- الحرص على العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي وكسب ثقتها مع التركيز على روسيا والصين والهند وتركيا، وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية مع هذه الدول.

ج- الفصل بين الأزمة المثارة حول الاتفاق النووي والقضايا الأخرى الخاصة بالحرس الثوري والصواريخ الباليستية، مع إبداء قدر من الليونة في الملف النووي بالحرص على الاتفاق والالتزام به مع التشدد في ملفي الحرس الثوري والصواريخ الباليستية.

2- على المدى المتوسط

على المدى المتوسط من المتوقع حدوث تحول في الموقف الأوروبي باتجاه الولايات المتحدة وانخراط أوروبا في شراكة مواجهة ضد إيران خارج الاتفاق النووي، عندها ستكون إيران مضطرة للانخراط في أحد خيارين؛ إما القبول بدعوة التفاوض مجددًا بشأن القضايا الخلافية: الصواريخ الباليستية، والسياسة الإقليمية الإيرانية، والوضع النووي الإيراني بعد الاتفاق، وإما الرفض والتصعيد على المستوى النووي بالتهديد بالانسحاب من الاتفاق النووي، وعلى المستوى العسكري بالرد العنيف على أي عدوان محتمل على نحو ما جاء على لسان اللواء محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري، بأن "على أمريكا نقل قواعدها في المنطقة خارج مدى الصواريخ الإيرانية البالغة 2000 كيلومتر"، وعلى نحو ما جاء أيضًا على لسان علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الإيرانية، أمام مؤتمر نزع السلاح في روما مؤخرًا (10/10/2017) أنه "ما دام الآخرون يلتزمون الاتفاق، نحن أيضا سنواصل التزامنا به، لكن إذا ما قرروا نقض العهود فستقوم إيران بالرد المناسب قطعًا".

3- على المدى البعيد

على المدى البعيد، وتحديدًا ما بعد انتهاء سنوات الاتفاق العشر، أي بحلول عام 2025، وفي حال ما إذا كان الاتفاق قد أبقي عليه، فإنها ستدخل مرحلة جديدة من علاقاتها الدولية وبرنامجها النووي، لكن في حال ما إذا كان الاتفاق النووي والقدرات النووية الإيرانية معرضة للخطر فإن إيران ستكون مضطرة للاقتراب من "السيناريو الكوري الشمالي" بشرط أن تكون لديها القدرة أولا على التعجيل بأن تتحول سريعًا إلى دولة "حافة نووية"، أي دولة تمتلك القدرة على امتلاك القنبلة، وأن تكون قادرة في الرد على أي عدوان عسكري يستهدف قدراتها النووية والعسكرية والاقتصادية، وهو بمعنى آخر خيار المواجهة الشاملة.

طباعة
د. محمد السعيد إدريس

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.