عروض

"القوة الذكية وبناء الدولة المصرية الحديثة" عرض العدد 66 من فصلية "أحوال مصرية"

طباعة

سعت مجلة أحوال مصرية في هذا العدد إلى طرح ما يمكن تسميته "دليل القوة الذكية للدولة المصرية"، استنادا إلى قناعة مفادها امتلاك الدولة المصرية للكثير من الموارد والإمكانيات الداعمة لسبل النهوض المجتمعي والمعظَمة لقدرات الدولة التنموية.

وقد أشار الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، رئيس تحرير المجلة، إلى أن هدف بناء الدولة الحديثة مرتهن بالقدرة على تجاوز الكثير من السياسات التقليدية واستبدالها بسياسات داعمة لعملية الإبداع والابتكار، وقادرة على توظيف أكبر لاستخدامات تكنولوجيا المعلومات في كافة المجالات التعليمية وميكنة الخدمات الحكومية وهيكلة الاقتصاد نحو تعظيم المجالات ذات القدرة التنافسية، بالإضافة لتبني السياسات الداعمة لبناء إنسان مصري عصري يمتلك القدرة والمعرفة للتعامل مع العالم الحديث، ويستند إلى واقع مجتمعي داعم لمنظومة من القيم والثقافة التشاركية والمحفز على المشاركة والمسئولية، ومرتكزة لإطار حاكم داعم لركائز الدولة الحديثة المستندة للقانون والمواطنة ومنظومة الحقوق والواجبات المدنية.

فيما أوضح الأستاذ الدكتور محمد صفي خربوش أن مصر حظيت منذ فجر التاريخ وحتى الآن، بقدرات مادية وبشرية هائلة تسمح لها يالانطلاق خلال عدد محدود من السنوات عن طريق تعزيز القدرات الاستخراجية المتاحة من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية في مجالات الزراعة والري والصناعة والخدمات. وأن التحدي يكمن في الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.

كما أكد الأستاذ الدكتور محمد كمال أن بناء القوة الناعمة للدول هو عمل متعدد الأطراف لا تشارك فيه المؤسسات الرسمية فقط، بل هناك دور كبير للقطاع الخاص والمجتمع المدنى والمبادرات الفردية. كما أن امتلاك واستخدام القوة الناعمة لم يعد حكرا على الدول المتقدمة والغنية، بل إن الهيكل الدولى للقوة الناعمة يتسم بالانتشار والتعددية، وساعدت ثورة الاتصالات والثورة الرقمية على تحقيق ذلك. وقد تطورت مؤشرات القوة الناعمة فى السنوات الأخيرة بشكل كبير، فمنذ عام 2015 أصبح هناك تقرير دولى يقيس القوة الناعمة للدول ويصنف أهم ثلاثين دولة فى هذا المجال "القوة الناعمة 30”. وقد استخدم هذا التقرير 75 مؤشرا فى ست مجالات مختلفة هى الثقافة والتعليم والنشاط الدبلوماسى للدولة والإنترنت وإدارة الدولة والاقتصاد.

وذهب اللواء محمد عبد المقصود إلى أن القوى الناعمة تعتمد على كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها، لذلك يجب أن يكون هناك تنسيقا وتكاملا فيما بينها، حتى يتم استغلال كافة القدرات الشاملة للدولة بالشكل الأمثل في إطار إستراتيجية تفعيل القوة الناعمة لتحقيق الأمن القومي، والتي تتطلب أن تكون الأهداف القومية واضحة ومحددة حتى يمكن تقسيمها لأهداف تخصصية يمكن أن تحققها كافة أجهزة الدولة. كما يجب تحديد التهديدات والتحديات بدقة للتوصل إلى طرق وآليات لكيفية مواجهتها وتجنبها، وذلك بجانب تحديد الفرص المتاحة التي يمكن استغلالها واستخدامها في إطار الإستراتيجية التي يمكن أن تحقق الأهداف القومية للدولة.

في نفس السياق، أوضح الدكتور عادل عبد الصادق قيام مصر بتبني عدد من السياسات والتطبيقات الدافعة إلى تبني مجتمع المعرفة، وتعزيز انتشار تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. وفيما يتعلق بصنع السياسات المتعلقة تتبنى مصر استراتيجية التنمية المستدامة 2030 لتحقيق ثلاثة أبعاد منها البعد الاقتصادي الذي يسلط الضوء على التنمية الاقتصادية والشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية والطاقة والمعرفة، والبعد الاجتماعي الذي يسلط الضوء على التعليم والتدريب والصحة والثقافة والعدالة الاجتماعية، بينما يركز البعد البيئي على مجال البيئة والتنمية الحضرية.

فيما أشار الأستاذ رمضان قرني إلى ضرورة أخذ مؤسسات الدولة العاملة في قارة أفريقيا بعين الاعتبار المتغيرات والتطورات الاستراتيجية التي شهدتها القارة الأفريقية في العقود الأخيرة، سواء على المستوى الداخلي، أو على مستوى البيئة الإقليمية، أو حتى على الصعيد الدولي، وهو ما دفع القوى المختلفة للبحث في صياغة جديدة لدور قارة أفريقيا في النظام الدولي الراهن، وهو الأمر، الذي يستتبع بالضرورة على الدولة المصرية – بكافة مكوناتها الرسمية وغير الرسمية- النظر في إعادة هيكلة دور مؤسسات الدولة العاملة في قارة أفريقيا، والعمل على صياغة آليات تحرك  مصري جديد نحو القارة.

وأكدت الباحثة أمل مختار إن الدولة المصرية ما زالت تمتلك ميزة كبيرة باحتضانها للأزهر، الذي لا يزال لا ينازعه منازع على مكانته العالمية كممثل للإسلام وناطق بالفتوى ومقصدا لطلاب العلم من مواطني دول العالم. ففي عام 2015 أوفد الأزهر 630 مبعوثا منهم 420 إلى أفريقيا و198 إلى آسيا، و7 إلى أوروبا، و5 إلى الأمريكتين. وفي 2016 قام الأزهر بزيادة العدد بنحو 350 مبعوثا إضافيا ذهب أغلبهم أيضا إلى إفريقيا. وفي المقابل، تستقبل مصر نحو أربعين ألفا من الوافدين المقيدين في التعليم الأزهري من 120 دولة. فعلى مدار قرون استقبل الأزهر طلاب العلم من شتى ربوع العالم.

وأضاف الأستاذ إبراهيم نوار أن مصر لا تزال بعيدة عن القدرة على المنافسة الحقيقية في اقتصاد عالمي مفتوح. كذلك فإن الاقتصاد المصري يواجه تحديات ثقيلة تقترب من أن توصف بأنها تحديات من أجل البقاء؛ فهناك أزمة أمن غذائي بسبب نقص المياه والأراضي الصالحة للزراعة، وهناك أزمة طاقة، وهناك مشاكل بيئية متفاقمة يتعلق جزء كبير منها بسلامة مياه الشرب وسلامة الشواطئ والبحيرات، كما أن الاقتصاد المصري يعاني تاريخيا مشكلة حادة تتمثل في انخفاض معدلات الإدخار والإستثمار انخفاضا حادا عن المعدلات العالمية. وفي المقابل، فإن مصر تمتلك مقومات القوة الناعمة مثل ميراثها الحضاري والتاريخي وموقعها الجغرافي وشواطئها المشمسة التي يجب أن نبرع في استثمارها لتقديم صورة ممتازة عن بلادنا للعالم تصبح ركنا أساسيا من أركان الإدراك بأهميتها وقوتها.

ودلل الدكتور زياد عقل على أن كرة القدم في مصر اليوم أضحت أداة سياسية تستخدمها الدولة، وتستخدمها الجماهير، وتستخدمها رؤوس الأموال التي استثمرت في مجال الكرة، وهناك عدد من الأمثلة على ذلك خلال السنوات الأخيرة في مصر، ففي يناير عام ٢٠١٧، استطاعت الدولة أن تستقطب عدد كبير من الشباب لمراكز الشباب المملوكة للدولة عندما أتت الدولة بشاشات عملاقة لإذاعة مباريات مصر المشفرة في بطولة الأمم الأفريقية بالجابون، وهي محاولة من الدولة لاستخدام كرة القدم لاستمالة قطاعات أو فئات من الشعب للتواصل مع الدولة.

وتناول الدكتور طارق فهمي، مدى نجاح مصر في تطبيق خياراتها السياسية والاستراتيجية على أكثر من مستوى طيلة حرب 1973، وما بعدها في المرحلة التالية لبدء التفاوض السياسي الجاد اعتمادا على قدرات مصرية مباشرة، ولكن استخدام مصر وقرارها السياسي والاستراتيجي ظل مرتبطا باستخدام أمثل وأفضل للقرار الاستراتيجي، والسياسي الحقيقي مما مكن مصر من تحقيق أهدافها السياسية بصورة مرحلية وعبر نجاحات سياسية سواء في مرحلة التفاوض الثنائي أو في أعقابها، وهو ما برز في  مرحلة أخرى من التفاوض مع إسرائيل خاصة أن استخدامات مصر للقوة الذكية تم من خلال تشكيل فرق التفاوض المتتالية التي قامت بالتفاوض مع الجانب الإسرائيلي لعدة سنوات إلى أن أنجزت مشروع معاهدة السلام.

فيما تساءل الدكتور السيد علي أبو فرحة عن إمكانية أن تعظم الدول العربية وفي مقدمتها مصر من توظيفها للقوة الذكية، ولا تقتصر وفقط على رؤية القيادة السياسية وإنما تتجاوزها لتعبر عن استراتيجية علمية ومتماسكة ومستقرة في هذا الصدد، وهي التي يمكن رصد بعضا من ملامحها في التأكيد على استعادة الدور المصري في المنطقة العربية والأفريقية عبر ممارسات مختلفة تتراوح بين نشاط الدبلوماسية التقليدية والعامة، والتوسع في التبادل الثقافي، ومحاولة تدعيم الريادة الثقافية والإعلامية والتي تراجعت في السنوات الأخيرة.

واقترحت الدكتورة إيمان رجب أن تكون هناك جهة معنية بالتفكير والتخطيط للسياسة الخارجية المصرية وتوظيف عناصر القوة الذكية في تحقيقها، من خلال تشكيل مجموعة عمل تتبع مجلس الأمن القومي أو مؤسسة الرئاسة، تكون معنية بالتخطيط لسياسة مصر الخارجية خلال الفترة المقبلة باستخدام مزيج من عناصر القوة الناعمة.

طباعة
أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية