دراسات

السعودية الجديدة و"التأسيس الثاني"... أبعاد قرار منح المرأة رخصة قيادة السيارة

طباعة

يشكل القرار الذي صدر في 26 سبتمبر الماضي (2017) بمنح المرأة رخصة قيادة السيارة خطوة تاريخية ومحطة مفصلية في تاريخ المملكة العربية السعودية، لذلك لم يكن غريبًا أن يطلق البعض لفظ "السعودية الجديدة" في سياق توقعه لنتائج القرار، أو أن يعتبر آخرون القرار بمنزلة انتصار في "أم المعارك" داخل المملكة، على حد ما أطلق الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد[1].

وبالنظر إلى مدلولات القرار في الواقع السعودي، ونتائجه المتوقعة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لم يكن غريبًا أن تصدر بيانات ترحيب وتهنئة من العديد من الدول الكبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ومن منظمة الأمم المتحدة ومن دول عربية مختلفة.

وعلى الرغم من الضجة التي أحدثها القرار، إلا أنه وقرارات أخرى سابقة وتالية لم تعد مفاجئة؛ فلقد سبقته قرارات أخرى مهمة تخص المرأة، وقرارات أخرى تتجه إلى إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني في عمومه. ومنذ سنوات هناك توجهات عامة، تميل نحو الإقدام على خطوات مفاجئة، تستهدف كسر "التابو" وإسقاط الكثير مما كان يعتقد بأنه من المحرمات.

كان من القرارات المهمة الخاصة بالمرأة، والسابقة على هذا القرار، تعيين ثلاث سعوديات في شهر فبراير 2017 في مناصب عليا في قطاع التمويل، بينها منصب رئيسة البورصة، والأمر القاضي بمراجعة القوانين التي تصعّب على النساء العمل والسفر والخضوع للعمليات الطبية، والانضمام إلى الجامعات بدون موافقة ولي أمر. وفي مايو 2016 استحوذت المرأة على حق الحصول على نسخة من عقد الزواج، بعد أن كانت حيازة هذه العقود حكرًا على الرجال. وفي سبتمبر 2017 سمح للنساء لأول مرة بحضور احتفالات العيد الوطني للمملكة في ملعب بالعاصمة الرياض مع عائلاتهن، بعد أن كانت القوانين تمنع اختلاط النساء والرجال في الأماكن العامة مهما كانت الظروف[2].

وإلى حد كبير، تخطو المملكة خطواتها كدولة وطنية طبيعية في عالم الدول، وليس كدولة دينية استثنائية، لذلك لن يكون غريبا لو صدرت قرارات قريبًا بإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالتصريح بإنشاء دور للسينما وأشكال أخرى من الفنون. وفي 2 أكتوبر بدأت القناة الثقافية السعودية بث الحفلات الغنائية، مبتدئة بحفلات سيدة الغناء العربي كوكب الشرق "أم كلثوم"، وكان ذلك ممنوعًا في السابق. ولقد جعلت هذه القرارات السؤال المطروح على عقل المواطن السعودي بشكل مستمر، هو: ماذا ستقدم عليه الحكومة والملك وولي عهده غدًا؟ حيث أصبح التغيير والمفاجأة هو القاعدة.

أولًا: دوافع القرار

يمكن تفسير القرار التاريخي بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة استنادًا إلى أربعة دوافع أساسية، نناقشها فيما يلي:

1- تقليص الفجوة مع العالم، وكبح تيار الانغلاق الفقهي والديني

فقد أطبقت حالة عامة من التحريم على حياة المجتمع السعودي منذ عقود النفط، حالة رافضة للحداثة الاجتماعية والدينية، لكنها تقتني كل مظاهرها الحياتية والمادية. وبرز افتراق حاد بين حياة المجتمع السعودي وباقي المجتمعات، ونشأت حالة ازدواجية بين حياة السعوديين في الداخل والحياة التي يعيشونها أنفسهم في الخارج. ولقد شهدت العقود الماضية سطوة كبيرة للفقه والتأويل الديني المتشدد، على نحو تنافر والغاية من الدين، وأصبح الحوار في مثل تلك القضايا محكومًا بجدالات فقهية تقليدية سفسطائية متكررة ومعادة. وفي ضوء ذلك أصبح المجتمع بحاجة ماسة إلى إعادة التفريق بين الأحكام الشرعية والأعراف المعمول بها، والتي باتت- وفق ما يرى كاتب سعودي- مثل "سور أحطنا أنفسنا به حتى أصبحنا سجناء لأوهامنا وأعرافنا"[3].

ويعزو البعض ذلك لما أسماه بـ"فجوة التقسيم" التي سببها ما سمي بتيار الصحوة خلال الأربعين سنة الماضية، والذي جعل أي مطلب اجتماعي أو قرار حكومي مثار أخذ ورد وجدل عقيم لا فائدة منه، ابتداء بالاعتراض على إصدار بطاقة الأحوال للمرأة، ومرورًا بافتتاح كليات صحية للبنات، وتحريم الـ"ستلايت" وجوال الكاميرا، وقرار توظيف النساء في الأسواق، وقرارات تطوير المناهج الدراسية، وتعيين المرأة في مجلس الشورى[4].وهذا التيار التحريمي يمتد بجذوره إلى أبسط الأشياء، منذ حد الحكم بجلد "شارب القهوة" التي كانت محرمة قديمًا في الجزيرة العربية وكان حكم قاطفها وطابخها وشاربها كحكم شارب الخمر.

لذلك أصبح قرار منح المرأة رخصة القيادة واجبًا، بعدما أصبح استمرار حرمان المرأة من هذا الحق أمرًا فجًا، وتكاليفه الاجتماعية والاقتصادية والنفسية باهظة؛ وكل ذلك لخصته د.لبنى بنت عبد الرحمن الأنصاري عضو مجلس الشورى سابقًا التي تساءلت: لماذا سمح لملايين الرجال الأغراب من جنسيات مختلفة بقيادة السيارات التي تقلّ بناتنا من مكان لآخر؟ هل كان الهدف هو الحفاظ على المرأة فعلاً؟ أم أن هناك حاجزًا وهميًا يهدف إلى بقاء المرأة بعيدًا عن المشاركة في تنمية وطنها وقصر دورها على الإنجاب فقط (على مستوى الأسرة) دون الإنتاج (على المستوى الوطني)؟[5].

2- تعزيز الهوية الوطنية وتحسين صورة المملكة في الخارج

على مدى السنين تعرضت المملكة لهجمات شديدة من جانب المنظمات الحقوقية (خصوصًا "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" والتقارير الحقوقية الأمريكية)، على نحو بدا الأمر فيه قدرًا من "العناد المستهدف"؛ وكأن هذه المنظمات كانت تستهدف فعليًا الحيلولة دون أن يتخذ صانع القرار السعودي قرارًا من هذا القبيل لكي تظل المملكة هدفًا للنقد، بالامتناع عنه حتى لا تبدو المملكة كأنها خضعت للابتزاز. ولقد بدا هذا الأمر مكلفًا في السنوات الأخيرة وخصمًا من صورة المملكة في الخارج. 

وأضيف لذلك مؤخرًا، توظيف صراعات المملكة مع تيارات الإسلام السياسي والإرهاب خلال الأزمة الأخيرة مع قطر؛ فمنذ اندلاع الأزمة لم تأل قناة الجزيرة جهدًا في السعي العمدي للإضرار بصورة المملكة ونظام الحكم. كما لم يدخر الإخوان وسعًا في قنواتهم الخاصة، ومن خلال شبكات المصالح بينهم والمنظمات الحقوقية وأدوات التواصل الاجتماعي، في الإضرار بالمملكة وإبراز كل ما يلحق الضرر بصورتها في الخارج. وبالتأكيد فإن قرار رخصة القيادة لم يأت بالأساس في سياق إدارة الأزمة مع قطر والإخوان، ولكنه جاء في سياق زمني وسياسي مغلف بهذه الأزمة.      

لقد استهدف القرار إعادة تعريف وإنتاج الوطنية السعودية، لتكون أكثر صمودًا وثقة إزاء حملات التشويه بالخارج، وتقديم مفهوم جديد للمواطنة القائمة على أسس التنوير بعد أن حاول تيار الصحوة إنهاكها وتضييع معالمها في محيط من التشدد. وإلى ذلك يشير كاتب سعودي إلى أنه "في السابق كانت ذكرى اليوم الوطني السعودي تمر علينا في المدارس دون أن نتعرف عليها أو نتذكرها، ولا تتم الإشارة إليها من إدارة المدرسة، وتمر الذكرى مرور الكرام حتى على الإعلام السعودي! "(وهو ما يشكل) خطأً كبيرًا في حق الوطن، وفي حق من أسسه ووحده وبناه، وخطأ في حق مبدأ المواطنة".بينما في سنة 2017 جرى الاحتفال بها بشكل كبير، وهو ما كان له وقعه الخاص.

مع ذلك، لا يبدو أن قرار رخصة القيادة سيؤدي لإنهاء حملات المنظمات الحقوقية والإعلام الإخواني القطري، فبينما رحبت كل من منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بالقرار السعودي،  فإنهما أكدتا أنه مازال هناك الكثير من القوانين والممارسات التي تكرس التمييز والتي يتعين أن تتغير، ودعتا إلى إزالة كل القيود المفروضة على المرأة السعودية، بينما راحت قناة الجزيرة -التي طالما انتقدت المملكة على التشدد والانغلاق- تشن حملات هجوم عليها بدعوى التفريط الديني وأنها تتجه لليبرالية والعلمانية.

3- تطبيق رؤية 2030 والحاجة الاقتصادية والاجتماعية لإنتاجية المرأة

تنص رؤية المملكة 2030 على أن المرأة "تعد عنصرًا مهمًّا من عناصر قوتنا، إذ تشكل ما يزيد على 50% من إجمالي عدد الخريجين الجامعيين. وسنستمر في تنمية مواهبها واستثمار طاقاتها وتمكينها من الحصول على الفرص المناسبة لبناء مستقبلها والإسهام في تنمية مجتمعنا واقتصادنا".وأكدت "الرؤية" على رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22% إلى 30%. 

في ضوء ذلك، صدر قرار منح رخصة القيادة للمرأة كتعبير وترجمة لرؤية 2030، وتلبية لحاجة اقتصادية فعلية تتطلب انخراط المرأة في سوق العمل؛ حيث تسعى الرؤية لتصحيح أوضاع خلل في غير مصلحة المرأة في الاقتصاد؛ فوفقًا لإحصائية وزارة الخدمة المدنية السعودية فإن عدد العاملين في المراتب العليا حسب الجنس حتى العام 2016 بمرتبة وزير بلغ 104 كلهم رجال، و131 بالمرتبة الممتازة كلهم رجال عدا امرأة واحدة، و 325 على المرتبة الـ 15 كلهم رجال عدا امرأتين، و490 على المرتبة الـ 14 منهم 8 سيدات، و 1760 على المرتبة الـ 13 منهم 12 سيدة، و 2623 على المرتبة الـ 12 منهم 28 سيدة، و4476 على المرتبة الـ11 منهم 103 سيدة. وبذلك بلغ إجمالي عدد السيدات في المراتب العليا 154 سيدة بينما بلغ عدد الرجال 9795 رجل، وهو أمر تتجه "الرؤية" لتصحيحه، وقرار قيادة المرأة السيارة يخدم أول ما يخدم على هذه "الرؤية".

فمن شأن القرار أن يشجع النساء لكي يصبحن ضمن القوى العاملة، وأن يزيد حصة مساهمتهن في الاقتصاد؛ حيث يوفر على المملكة فرص عمل بمئات الآلاف من الذكور الذين كانوا يعملون كسائقين للسيدات ومعظمهم من جنوب آسيا والفلبين، وهو ما من شأنه وقف نسبة كبيرة من تحويلات الأموال إلى الخارج؛ حيث ترجح تقارير بأن يؤدي القرار إلى توفير نحو 6.6 مليار دولار يتكبدها الاقتصاد السعودي سنويًا، حيث يعمل في المملكة أكثر من 1.3 مليون سائق أجنبي، وفقًا لإحصائية صادرة عن هيئة الإحصاءات العامة أواخر مارس 2017. وسيقلص القرار من ميزانية العائلة، في بلد تتركز النسبة الأكبر من حجم العمالة المنزلية فيه في السائقين[6]. ومع رفع الحظر على قيادة النساء، سيصبح هدف الحكومة الرامي إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 65%، أمرًا أكثر سهولة[7].

وعلى الصعيد الاجتماعي، لم يكن مستغربًا أن يرى البعض في القرار انتصارًا للرجل وإنصافًا لحقوقه، قبل أن يكون انتصارًا وإنصافًا لحقوق المرأة؛ وذلك بعد أن حمل الرجل عبء القيام بهذا الدور منذ زمن طويل "وحان له أن يرتاح من دور السائق الذي يوصل الأولاد للمدرسة والزوجة للزيارات والمستشفيات والأسواق ويحضر طلبات المنزل"[8].

4- ترجمة تطور وضعية المرأة في المجتمع السعودي

جاء القرار كترجمة صادقة لتطور واقع المرأة بالمجتمع السعودي وانخراطها الهائل في التعليم على نحو تجاوز الرجل؛ فتكشف إحصائية لوزارة التعليم السعودية أن المرأة مثلت ما نسبته 51.8% من عدد الدارسين المسجلين في الجامعات السعودية، وأنها حققت زيادة مشهودة في برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي في تخصصات لم تكن متاحة لهن في السابق من الدراسات العليا، وبينت الإحصائية أن عدد الملتحقات بالتعليم الجامعي الحكومي والأهلي في مرحلة البكالوريوس بلغن (551.192 طالبة) عام 2013، بينما بلغ عدد الطلاب 513.688 طالبا[9]

ومنذ انطلاق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي عام 2005، بلغ عدد الطالبات المبتعثات للدراسة في مختلف المراحل عام 2014 (35.537) طالبة، وبلغ عددهن لدراسة البكالوريوس (13.354) طالبة، والماجستير (15.696)طالبة، والدكتوراه(3.206 ) طالبة، والزمالة الطبية (793) طالبة، في حين بلغ عدد المبتعثات لدراسة اللغة والدبلوم والدبلوم العالي (2.488) طالبة[10].وكشف تقرير إحصائي، عن تصدّر الطالبات السعوديات المبتعثات إلى الخارج، نسبة النمو الكلية في الابتعاث، التي وصلت إلى 12.9%، بين عامي 1431 و1435هـ، بواقع 62.3%، في حين لم تتجاوز نسبة الذكور 8.7% سنويًا. وبذلك تكون نسبة ارتفاع عدد الطالبات المبتعثاتأعلى بكثير من نسبة ارتفاع عدد الطلاب المبتعثين[11].

وتدرس الطالبات السعوديات في (57) دولة، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة دول الابتعاث إذ يدرس فيها (18.221 طالبة)، تليها أوروبا بـ (6.754) طالبة، ثم كندا (2.923) طالبة، ثم أستراليا ونيوزلندا (1.445) طالبة، أما الدول العربية مجتمعة فتدرس فيها(5.369(طالبة، فيما دول شرق آسيا (812) طالبة، كما في أفريقيا "جنوب أفريقيا وكينيا" (13) طالبة.وذلك وفق إحصائية لسنة 2014.[12]

وإضافة إلى تزايد الكثافة التعليمية للمرأة، أثبتت المرأة السعودية جدارتها في كثير من المجالات، وقد تبوأ الكثير من السعوديات مناصب دولية رفيعة، ومنهن من حققن نجاحات في  مجالات الأعمال، وأصبح طبيعيًا أن تحصل طالبات سعوديات على مراكز متقدمة في مسابقات دولية في علوم الأحياء والهندسة البيئية والنبات، وأن تشغل عالمات سعوديات وظائف مرموقة في جامعات دولية كبرى، وأن يحصلن على جوائز عالمية عن اختراعاتهن.

كل ذلك يشير إلى أن القرار جاء نتاجًا طبيعيا لتطورات ونقلة كبرى مرت بها أوضاع المرأة.

ثانيًا: دلالات القرار

إذا كان لقرار منح المرأة رخصة قيادة السيارة دوافع كثيرة، فإن له دلالات ثلاثة أساسية، نبرزها فيما يلي:

1- التأكيد على دور الدولة التنموية القائدة والمبادِرة

فتطبيق رؤية 2030، يقتضي ألا تقنع الدولة السعودية منذ الآن بالقيام بدور القابض على رمانة الميزان بين المجتمع والسلطة الدينية، فلن تبقى الدولة محايدة إزاء عملية الحراك الاجتماعي الداخلي، وإنما ستدخل كطرف فاعل في الدفع نحو هذا الحراك، وقيادة التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، من خلال المبادرة وتحمل مسئولية التغيير وعصرنة مجتمعها. ومن الآن وصاعدًا لن تترك الدولة عملية التطوير والحراك الداخلي للتفاعلات التلقائية، ولن تدير الأمور وفق محصلة توازنات القوى؛ فتتقابل فتاوى القوى الدينية المتشددة مع المطالب الاجتماعية الملحة والتي تنتهي إلى ضرب الأولى للثانية على قاعدة التحريم، دون نصوص تقطع بتحريمها، ومن ثم لن تترك الدولة مع رؤية 2030 عملية التحديث الاجتماعي تخضع للمواءمات السياسية والدينية، في ظل تراجع عصر النفط والدولة الريعية، وإنما ستنطلق برؤية ومشروع هادف لقيادة المجتمع نحو التغيير المنشود.

لقد تبين أن ترك الأمور للقوى الدينية سيجعل المجتمع السعودي يدور في حلقة مفرغة، وفي النهاية لن تقدم القوى الدينية على التغيير إلا بقرار فوقي، ولذلك كان السؤال الذي وجهته كاتبة سعودية لهيئة كبار العلماء لاذعًا؛ حين سألتها مستنكرة اعتراضها على منح المرأة قيادة السيارة لعقود: كيف أصبح الأصل في الموضوع الإباحة فور صدور الأمر السامي من خادم الحرمين الشريفين؟![13].وليس ثمة من شك في إدراك الدولة وصناع القرار بأنه يتعين على المملكة تنويع مصادر اقتصادها، وتحديث مؤسساتها وأساليب الحكم، وأنه في عصر التغيير التكنولوجي السريع، يجب على المملكة إيجاد قاعدة الاقتصاد القائم على العلم والمعرفة[14].

2- تقلص دور مؤسسات الضبط الديني في الفضاء العام

طوال الفترة السابقة من حياة الدولة السعودية حدث قدر من التغول المؤسسي الديني على حياة المجتمع، فتعددت صنوف الرقابة الدينية، وأغرق المجتمع في جدالات عقيمة موروثة، وتحكم منطق التحريم برؤى المؤسسة الدينية، بحد زاد من صنوف الرقابة وقيد حركة المجتمع، ولكن في كل مرة وقفت فيها المؤسسة موقف الممانع والمعارض، انتهى الأمر إلى الإباحة، وأصبح الأمر محكومًا بسنة التطور الزمني.

ولقد أنتجت هذه الفترة مؤسسات وقوى وشخصيات ورموز دينية متعددة عملت كـ"لوبيات" مصالح كابحة للتغيير، وتجد هذه القوى نفسها –مع التوجه لتقليص دورها- بلا عمل، فتسعى إلى إعادة البحث عن دور،  وكان لكثير من تلك المؤسسات أدوار سلبية في الحد من حركة المرأة، ومن ذلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويؤدي قرار منح المرأة رخصة القيادة إلى تراجع الكثير من آليات ولزوميات عمل هذه الهيئة، ويجعلها أقرب إلى هيئة بلا دور، ويدفع إلى ذلك تراجع الحاجة إليها، بعد أن اكتسب المجتمع قدرًا كبيرًا من قدرات الإدارة الذاتية، بعد سنوات طويلة من الاعتياد على أنماط السلوك.

وذلك ما جعل أحد الكتاب السعوديين يلحظ أنه بعد قرار الحد من صلاحيات الهيئة "سادت الطمأنينة في الشارع السعودي، وعمت الثقة، ولم نر أحدًا يعتدي على أحد أخلاقيًا، ولم نشاهد أي تشوه أخلاقي لا في الطرقات ولا الأسواق والمتنزهات ولا المدارس، وشهدت مناطق المملكة كلها احتفالات ومناسبات بحضور الرجال والنساء والأطفال، كان آخرها احتفالات اليوم الوطني، وكلها تمت في غياب الهيئة، ولم يحدث ما يخل بأخلاق أو يخدش حياء[15]. ويعني كل ذلك أنه لا حاجة لدور هذه الهيئة بعد قرار منح المرأة قيادة السيارة لأن المرأة ستضبط ذاتها بذاتها.

3- إعادة بناء التوازن الأيديولوجي والعقائدي للدولة

على حد ما يشير إليه رصد التوجه السعودي العام منذ تولي الملك سلمان مطلع 2015، والذي انتهى بقرار رخصة المرأة، فإن المملكة إزاء تحول كبير في الأيديولوجيا والعقيدة السياسية للحكم، في عملية تشبه "إعادة تأسيس" للدولة، بحيث تبتعد المملكة رويدًا رويدًا عن الائتلاف السياسي والعقيدي الذي تأسست عليه الدولة منذ التحالف بين آل سعود وآل الشيخ، وتتجه الدولة عوضا عن ذلك إلى توسيع دوائر التحالف الاجتماعي الوطني، وتستهدف تأسيس دولة مدنية مركزها تعزيز الصيغة الوطنية، وليس الصيغة التي تشتت كيان المملكة في عالم أوسع تضيع فيه هويتها الوطنية، بالتأكيد ستظل الهوية الإسلامية للمملكة هي الأساس، ولكن ذلك لن يكون على حساب تعزيز الهوية الوطنية، التي ستكون الأساس للأمن القومي السعودي. 

وهذا الانحياز العقائدي والسياسي الوطني الجديد الهادف إلى تحديث صيغة الدولة والحكم بالانتقال والاستثمار أكثر في البنيان الوطني، والدفع نحو صيغ عصرية، يندفع بالأساس بالتحولات السياسية في المملكة والتحولات التي مرت بالإقليم، والتي خصمت من رصيد قوى الإسلام السياسي بكل أطيافها بعد أن تحول الكثير منهم إلى خصوم وأعداء للمملكة، وهو الأمر الذي أدى إلى تسليط الضوء على جوانب التطرف والتشدد لتيار الصحوة السعودي، والذي أصبحت أغلب مقولاته غير واقعية، وتعزز ذلك حين تبنى بعض شيوخ هذا التيار مواقف تلوذ بالصمت إزاء الموقف العدائي لقطر وتركيا والإخوان، في ظل ذروة الهجمة القطرية الإخوانية على الدولة السعودية. ولقد ساعد ذلك على قطع فترة التردد والغموض في تعامل المملكة مع أنصار هذا التيار، وكان قرار منح رخصة القيادة هادفًا لتعظيم الأصول والأرصدة الوطنية للدولة، باتخاذ قرار ينشده نصف المجتمع ويرتاح إليه أغلب النصف الآخر.


[1] عبدالرحمن الراشد، "أكثر من قيادة السيارة"، الشرق الأوسط، 28  سبتمبر 2017.

[2] فؤاد حسن، "السعوديات متفائلات بتغيير أوضاعهن بعد السماح لهن بقيادة السيارات"، فرانس 24، 27/09/2017.

[3] أحمد أسعد خليل، "أولًا إنصاف الرجل..!"، صحيفة المدينة، 3/10/2017.

[4] قينان الغامدي، "حق طبيعي للمرأة حان وقته: قيادة طموحة ووطن يستحق"، الوطن (السعودية)، 2017-09-28.

[5] د. لبنى بنت عبد الرحمن الأنصاري، "قيادة المرأة للسيارة في السعودية: مخاض عسير ودروس لا تنسى"، الشرق الأوسط،3  أكتوبر 2017.

[6] "ما أثر قيادة المرأة للسيارة على الاقتصاد السعودي؟"، إرم، 17 سبتمبر 2017. متاح على الرابط التالي:

https://www.eremnews.com/news/arab-world/saudi-arabia/1006050

[7] "هكذا سيفيد قرار قيادة المرأة الاقتصاد السعودي"، سي إن إن بالعربية،28 سبتمبر 2017. متاح على الرابط التالي:

https://arabic.cnn.com/business/2017/09/28/saudi-women-driving-economy

[8] أحمد أسعد خليل، "أولا إنصاف الرجل..!"، مرجع سابق.

[9] "السعوديات يستحوذن على 51 % من مقاعد التعليم الجامعي"، العربية نت، 26 مايو 2015.

[10] المرجع السابق.

[11] "ارتفاع ملحوظ بنسبة المبتعثات السعوديات للدراسة في الخارج"، لها أون لن، 28 ديسمبر 2015.

[12] "السعوديات يستحوذن على 51 % من مقاعد التعليم الجامعي"، مرجع سبق ذكره.

[13] د. لبنى بنت عبد الرحمن الأنصاري، قيادة المرأة للسيارة في السعودية، مرجع سابق

[14] دنيس روس، الطريق إلى السعودية الجديدة، الشرق الأوسط،1 يوليو 2017.

[15] قينان الغامدي، "لا دور ولا حاجة لاستمرار الهيئة: قرار حاسم بإلغاء الجهاز"، الوطن (السعودية)، 2017-09-27.

طباعة
د. معتز سلامة

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية ومدير برنامج الخليج العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية