مقالات

معارك دير الزور... روسيا ترسم حدود نفوذها في شرق سوريا!!

طباعة

حظيت المواجهات العسكرية المشتعلة في محافظة دير الزور شرقي سوريا باهتمام دولي وإقليمي يكاد يتجاوز حالة الزخم التي واكبت عمليات تحرير محافظة الرقة المجاورة من عناصر تنظيم الدولة "داعش". يرجع ذلك إلى تشابك القوات العسكرية المتقاتلة، وتضارب مصالحها وارتباطاتها الدولية والإقليمية، وتقارب خطوط المواجهة فيما بينها.

وفي هذا السياق، تمثل محافظة دير الزور حاليًا مسرحًا لعمليتين عسكريتين: الأولى، تقوم بها قوات سورية الديمقراطية "قسد" برعاية ودعم الولايات المتحدة منذ التاسع من سبتمبر الماضي (2017)، فيما يُعرف بعملية "عاصفة الجزيرة"، والتي تستهدف مواجهة داعش في مناطق الريف الشرقي للمحافظة، بعد أن أحكمت  تلك القوات سيطرتها شبه التامة على محافظة الرقة معقل التنظيم. وبمقتضى تلك العملية باتت قوات سوريا الديمقراطية على مشارف الضفة الشرقية للفرات في مقابل مدينة دير الزور. العملية الثانية، يقودها جيش النظام السوري الذي تمكن - بدعم روسي عسكري جوي وبري- من الوصول إلى الضفة الغربية لنهر الفرات، حيث حدود محافظة الرقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. ولم تكتف قوات النظام السوري بما أنجزته في الرقة من محاصرة تنظيم الدولة وطرده، بل أقدمت على نقلة نوعية رسمتها لها ودعمتها فيها القوات الجوية الروسية، وتمثلت في عبور قوات النظام للضفة الشرقية لنهر الفرات في الثامن عشر من سبتمبر الماضي، بهدف استكمال محاصرة داعش. وجدير بالذكر هنا أن نهر الفرات مثل الحد الفاصل بين مناطق عمليات قوات النظام المدعومة من قبل روسيا، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قبل الولايات المتحدة.   

العمليتان أدتا إلى زيادة حدة التوتر في دير الزور، لاسيما بعدما أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أن المقاتلات الروسية قد استهدفت عناصرها ومواقعها في المحافظة، وهو ما نفته روسيا، الأمر الذي عقد من خريطة النفوذ العسكرية في دير الزور، وخلق مزيدًا من الإشكاليات السياسية التي باتت تحكم العلاقة بين القوى الدولية من ناحية، وبينها وبين حلفائها داخل خريطة النفوذ العسكرية والسياسية في سوريا، من ناحية ثانية.

مواجهات ونفوذ

مسار العمليتين السابقتين من الناحية العسكرية يؤشر على اقتراب الجبهتين الكردية- الأمريكية، والسورية- الروسية من خط المواجهة بينهما، لاسيما بعد أن نجحتا في تقويض وتقليص مساحة الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة في دير الزور، الأمر الذي يزيد من صعوبات حسم المعارك الدائرة فيها لأي طرف من الأطراف المشاركة. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤشرات الميدانية تشير إلى رجحان كفة السيطرة لصالح القوات السورية- الروسية المشتركة في حسم تلك المعارك، خاصة بعد أن أحكمتا السيطرة على محيط مطار دير الزور العسكري، بالإضافة إلى تحقيق  الجيش السوري - عبر العمليات التي تقوم بها خطوطه الأمامية - تقدمًا سريعًا في مواقع تنظيم الدولة خلال الأسابيع القليلة الماضية، مقابل حالة من التراجع الجزئي ميدانيًا في نفوذ قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا.

اقتراب الطرفين، الروسي- السوري، والكردي- الأمريكي من خطوط المواجهة في دير الزور هدد باندلاع اشتباكات ومعارك ضارية بين الطرفين، ما حدا بالجانبين الأمريكي والروسي إلى رفع مستوى التنسيق والتفاهم العسكري بينهما بشأن معارك حلفائهما في المحافظة. وقد توصلت الاجتماعات بين الجانبين في هذا الشأن إلى إنشاء ما أسماه الطرفان بـ"خط فض الاشتباك"، والممتد من محافظة الرقة على طول نهر الفرات باتجاه محافظة دير الزور المحاذية لها؛ بهدف ضمان عدم وقوع مواجهات عسكرية بين الطرفين خلال عملياتهما ضد تنظيم الدولة في المحافظة.

وفي هذا السياق، طالبت روسيا قوات سوريا الديمقراطية بوقف قصفها لمواقع الجيش السوري الذي تقدم إليها عبر الضفة الشرقية لنهر الفرات في دير الزور، مؤكدة على أن قوات "قسد" ومواقعها العسكرية في المحافظة نفسها ستكون في مرمى نيران القوات الجوية الروسية إذا ما استمرت الأولى في استهداف قوات النظام. كما طالبت الراعي الدولي لتلك القوات، وهي الولايات المتحدة، بالضغط على حلفائه السوريين ودفعهم إلى احترام الخط الفاصل بينها وبين قوات الجيش السوري النظامي. وقد أكدت موسكو على أن قواتها العسكرية، العاملة في سوريا، سبق وأن أبلغت واشنطن بالنطاق الجغرافي الذي تتم فيه عملياتها العسكرية في دير الزور. ويرجع مكمن التخوف الأمريكي من التقدم الروسي السوري السريع في دير الزور إلى تجاوز العمليات الروسية لنطاق مناطق تجمعات تنظيم الدولة في المحافظة، والتي تتمركز في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات، ما يشير إلى أن خريطة العمليات العسكرية الروسية- السورية المشتركة تتجاوز هدف مواجهة "داعش" في مواقعه بغرب الفرات، إلى القيام بعمليات نوعية على ضفتي النهر قد تشمل قوات سوريا الديمقراطية المتمركزة في الرقة وشمال دير الزور. وقد تشمل تلك العمليات أيضًا الجيش السوري الحر الذي يعمل بعض فصائله ضمن ما يسمى بقوات النخبة في النطاق الجغرافي نفسه.  

تراجع أمريكي

في سياق استمرار غموض الاستراتيجية الأمريكية في سوريا منذ التدخل الأمريكي عسكريًا لمحاربة تنظيم الدولة في مارس 2017، وبعد سلسلة قفزات عسكرية محدودة التأثير والنتائج ضد النظام السوري في الشعيرات ومعبر التنف الحدودى، تشير نتائج المعارك في دير الزور شرق سوريا إلى أن الولايات المتحدة والقوى السورية المتحالفة معها تستهدف محاربة تنظيم الدولة فقط لا غير. فالمصلحة الأمريكية في سوريا على مدى ثمانية أشهر مضت تنحصر في القضاء على داعش واستعادة مجمل الأراضي التي كانت تحت سيطرته، وهي في إطار ذلك اختارت أن تدعم القوى المحلية الكردية والعربية التي تعمل في هذا السياق، أما تلك التي تواجه قوات النظام فلم تعد تحظى بتأييد ودعم عسكري من قبل واشنطن. وانعكس ذلك في قرارها، خلال شهر يوليو 2017، بوقف تسليح المعارضة السورية التي تصنف بأنها معارضة معتدلة وليست متشددة أو إرهابية. هذا التوجه الأمريكي يراه البعض مقدمة لخطوة تفيد بقيام واشنطن بتسليم المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية وقوات النخبة العربية – حليفا واشنطن على الأرض- في شمال دير الزور إلى قوات النظام السوري وليس للمعارضة السورية المعتدلة. ما يؤشر على تراجع الاهتمام الأمريكي بالتواجد عسكريًا في شرق سوريا نتيجة لتراجع التهديد من قبل تنظيم الدولة جراء الضربات العسكرية ضده من قبل التحالف الدولي من ناحية، والضربات الروسية- السورية المشتركة من ناحية ثانية. هذا التحول يفسر لنا خفوت التعاطي الأمريكي على مدى الشهرين الماضيين مع التحولات العسكرية في سوريا -وتحديدًا في الشرق الذي مثل بوابة الدخول الأمريكي لساحة الصراع السوري- مقابل تزايد الدور الروسي في تلك المناطق، والتي لم تكن يومًا ضمن اهتمامات موسكو وحلفائها ميدانيًا.  

التصور السابق قد ينفيه مؤشر جديد يشير إلى صياغة الولايات المتحدة - بخطوات تبدو بطيئة ولكنها متأنية ومحسوبة- لمشهد الترتيبات الأمنية الجديدة في المناطق التي أسهمت في تحريرها من داعش، عبر حلفائها السوريين على أرض الصراع الميداني خلال المرحلة القادمة. تفسير ذلك أن ثمة أنباء صادرة من وزارة الدفاع الأمريكية تفيد بأنها بصدد دفع قوات الائتلاف العربي السوري – وهي تشكيل عسكري سوري جديد رعته الولايات المتحدة - إلى التمركز في شمال دير الزور، بينما تبقى قوات سوريا الديمقراطية "قسد" متمركزة في الرقة ومنبج والطبقة. وذلك بهدف استخدام واشنطن لتلك القوات كورقة ضغط ميدانية حال التفاوض مع النظام السوري وروسيا حول خريطة التسويات العسكرية والسياسية بينهم، وترجمة ذلك التوجه في الرسائل التي بعثتها واشنطن لموسكو والاتصالات الجارية على قدم وساق بين الجانبين منذ احتدام معارك دير الزور، والتي تفيد بأن واشنطن أبلغت قوات النظام السوري والميليشيات المتحالفة معه بعدم تجاوز الضفة الشرقية لنهر الفرات، باعتبارها ساحة عمليات حلفائها السوريين. بمعنى آخر، أن تبقى قوات النظام غرب نهر الفرات، بينما تظل قوات الائتلاف العربي السوري على الضفة الأخرى للنهر، ما اعتبره المحللون أن واشنطن تقوم برسم سيناريو يقضي بتوزيع الأدوار بينها وبين روسيا عبر حلفائهما على أرض الصراع في دير الزور.

وبغض النظر عن كون الدور الأمريكي في مناطق شرق سوريا آخذ في التراجع كما يشير التصور الأول، أو أن الدور نفسه يتجه لرسم معالم مرحلة جديدة في تلك المناطق، عبر توزيع أدوار بينه وبين نظيره الروسي كما يوضح التصور الثانى، فإن الواقع يشير إلى سرعة السيطرة التي تبديها قوات النظام على مساحات شاسعة من محافظة دير الزور دون أن تعترض الولايات المتحدة على ذلك التقدم والاستحواذ. كما أن النظام المدعوم بقوة عسكرية روسية جوية وبرية سيرفض فكرة عدم فرض سيادته على مناطق الشرق السوري في دير الزور والرقة، حيث الحدود مع العراق، وهو الهدف الذي يسعى إليه الحليف الإقليمي الأول للنظام السوري: إيران.

وبالتالي يمكن أن نستخلص، وعبر قراءة المعطيات السابقة، أن ثمة تنسيقا أمريكيا روسيا يتم في الغرف المغلقة، مؤداه أن لا اعتراض أمريكي على تقدم قوات النظام السوري في دير الزور لمواجهة داعش، وما يعنيه ذلك من قبول ضمني لدور الميليشيات التابعة لإيران والعاملة مع قوات النظام السوري في المحافظة نفسها، وما سيترتب عليه من وصول إيران لمنطقة الحدود العراقية- السورية مجددًا، لكن هذه المرة دون اعتراض أمريكي ودون توجيه ضربات عسكرية أمريكية. وفي المقابل أن تقبل روسيا والنظام السوري باستمرار بقاء قوات سوريا الديمقراطية في الأجزاء الشرقية للمحافظة، أو ما يسمى بمنطقة الجزيرة، حيث محافظة الحسكة التي تمثل إحدى كانتونات التواجد الكردي السوري الثلاث، والتي تقع شرقي محافظة دير الزور.

أسباب الانخراط الروسي في شرق سوريا

حالة التنافس بين النظام السوري بدعم روسي، وبين سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي في مسرح العمليات العسكرية بين الجانبين في دير الزور، يدفع إلى التساؤل بشأن أسباب الاهتمام الروسي الحالي بمحافظات الشرق السوري؟ المعطيات السابق رصدها تشير إلى نوع من صراع المصالح بين روسيا والولايات المتحدة في المحافظة المذكورة يمكن رصد خطوطه العامة فيما يلي:

1- التنافس بين الجانبين الروسي والأمريكي على المناطق الغنية بالنفط والغاز في شرق سوريا؛ وأهمها دير الزور والرقة؛ لاسيما وأن سيطرة داعش على المحافظتين مكن التنظيم من التحكم في إنتاجهما من النفط، ووفر له كذلك عائدًا ماليًا مكنه من تمويل عملياته العسكرية. ومع انحسار المساحات التي بات يسيطر عليها التنظيم، بدا أن السيطرة من قبل القوى الدولية المشاركة في الصراع على دير الزور – الولايات المتحدة وروسيا – أصبحت هدفًا استراتيجيًا لهما عبر تحركات حلفائهما السوريين على أرض الصراع؛ سواء في ريف الرقة الجنوبي أو في دير الزور. ثمة من يرى أن الولايات المتحدة ستستخدم الورقة النفطية كورقة ضغط على النظام وروسيا في آن واحد. وتفسير ذلك أن واشنطن، وبالرغم من أرجحية تسليمها للمناطق التي تم تحريرها من داعش للنظام السوري، إلا أنها لن تتساهل في تسليمه حقول النفط والغاز، بمعنى أنها قد تبقي قوات خاصة تتولى السيطرة على مناطق النفط حتى وإن تسلم النظام السيطرة على مناطق الشرق السوري. في هذه الحالة تستطيع واشنطن مقايضة هذه الورقة النفطية بعملية الانتقال السياسي خلال مفاوضات التسوية مع روسيا، كما يصبح باستطاعتها عبر هذه الورقة قطع الممر الإيراني بين العراق وسوريا.

2- رغبة روسيا في إعادة بسط سيطرة النظام السوري على حقول النفط والغاز الموجودة في محافظة دير الزور، بما يضمن مصالح روسيا الاقتصادية في سوريا بعد أن ضمنت ورتبت خريطة مصالحها العسكرية فيها عبر العديد من القواعد العسكرية، سواء القواعد القديمة كطرطوس وحميميم، أو القواعد الجديدة في محافظات حماة والشعيرات بحمص وعفرين الكردية شمال غرب سوريا. هذا التوجه الروسي بشأن النفط والغاز في دير الزور يستهدف "تقاسم" الثروات النفطية في المنطقة محل الصراع بينها وبين الولايات المتحدة من ناحية، وبينها وبين النظام من ناحية ثانية.

3- رغبة روسيا، بدخولها دير الزور حيث الحدود العراقية السورية، ضمان مصالح حليفها الإيراني الذي كان سندًا لكافة توجهاتها منذ انخراطها عسكريا في سوريا قبل ثلاث سنوات، وأسهم في تحقيق وترجمة الخطط العسكرية الروسية على أرض الصراع الميدانية عبر تحالف أنقذ نظام الأسد من السقوط، بل وأعاد إليه السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي السورية التي انتزعتها المعارضة من ناحية، وتنظيم الدولة من ناحية ثانية. وذلك على الرغم من بعض التباينات في المواقف بين روسيا وإيران تجاه بعض إشكاليات الصراع السوري. هذا الضمان الروسي لمصالح إيران في دير الزور يرتبط بالضرورة بضمان ممرها الإقليمي بين العراق وسوريا عبر مناطق الشرق الحدودية، الأمر الذي ترفضه واشنطن، ما يزيد من اتساع خارطة تقاسم النفوذ والتسوية مستقبلًا.

مما سبق يمكن القول إن معارك تحرير دير الزور من قبضة تنظيم الدولة، تعد من المعارك الفاصلة التي ستكون لها انعكاسات استراتيجية على مستقبل سوريا، كما أن ما نتج عنها في سياق مواجهة "داعش" من تنافسات عسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا، وقوات النظام السوري التي تمكنت من التوجه إلى دير الزور بدعم روسي جوي وبري، يعكس حالة صراع على تقاسم مناطق المصالح والنفوذ في سوريا، الأمر الذي سيكون له مردوده على مسارات التسوية المستقبلية، وعلى صفقات التوازنات العسكرية، خاصة تلك التي بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي بدأت إرهاصاتها في مباحثات الغرف المغلقة بين الجانبين بصورة غير معلنة رسميًا.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية