مقالات

الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب... شروط الفعالية

طباعة

يبقى الشباب ثروة الأمم ومصدر قوتها لما يتسم به من طموح وحماس ورغبة في التجديد، وهي مقومات إذا أحسن توجيهها تصبح إيجابا في عناصر قوة الدولة.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، جاء حرص القيادة السياسية على ترجمة ما ورد في بيان الثالث من يوليو عام 2013 من حتمية تمكين الشباب بعد تأهيلهم على أرض الواقع من خلال توفير البيئة الملائمة للتأهيل، اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا. ويأتي إصدار القرار الجمهوري رقم 434 لسنة 2017 بإنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب، باعتباره الحلقة الأحدث في مسار عملية تمكين الشباب، والتي بدأت بتخصيص عام 2016 ليكون عامًا للشباب، ثم إنشاء البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، وتقديم المبادرات الاقتصادية لدعم مشروعاتهم الخاصة وتحسين أحوالهم المعيشية بعيدًا عن الارتباط التقليدي والتاريخي بالجهاز الحكومي الذي أضحى يضيق بمن فيه ويحتاج إلى إعادة هيكلة حقيقية.

ولا يعكس قرار إنشاء الأكاديمية فقط رؤية قوامها خلق كوادر شابة قادرة على القيادة وحمل الأمانة في غضون سنوات قليلة، بقدر ما يطرح أيضًا رسالة تحملها القيادة السياسية على كاهلها مفادها أن الشباب ينبغي تأهيله وتمكينه بشتى السبل باعتباره حامل راية المستقبل، فالأمة المصرية هي أمة فتية وشابة، إذ يبلغ عدد الشباب في مصر بالفئة العمرية (18-29 سنة) نحو 21.7 مليون نسمة، بنسبة 23.6٪ من إجمالي عدد السكان [طبقًا لتقديرات السكان في عام 2017]. ومن ثم، فإن إهمال قطاع الشباب هو خصم من رصيد الأمة المصرية وإضعاف لها.

وتأتي أهمية قرار إنشاء الأكاديمية في ضوء طبيعة الأهداف المحددة لها، والتي تتمثل فيما يلي:

- تجميع طاقات الشباب في عمل وطني يفيد الدولة ويبني نهضتها.

- نشر الوعي الثقافي والاجتماعي والديني والسياسي بين قطاعات الشباب.

- المساهمة في إعداد الأنظمة والسياسات الحكومية لتصبح أكثر ملاءمة مع احتياجات الشباب.

- إعداد كوادر سياسية وإدارية قادرة على معاونة الدولة في مهامها.

- تنمية قدرات ومهارات الشباب لتكون شريكًا أساسيًا وفعالًا في الحكم المحلي.

- بناء شراكات مجتمعية تنموية فاعلة مع كافة القطاعات (العام، الخاص، الأهلي).

- توعية الشباب بالأخطار والتحديات التي تواجه الدولة.

- تنمية مهارات الشباب وتأهيلهم لتلبية احتياجات سوق العمل.

- تشجيع الفن والإبداع والارتقاء بالفكر والذوق العام. 

- العمل على الحد من التسرب من التعليم والمشاركة في تعليم المتسربين.

- مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع وتعليمهم وتأهيلهم لعمل جاد يفيد المجتمع.

- الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة وتنمية مهاراتهم في جميع المجالات لدمجهم مع المجتمع.

كما أشارت العديد من الكتابات حول فرص نجاح الأكاديمية، استنادًا إلى العديد من المؤشرات الإيجابية المهمة، خاصة مبانيها الجاهزة بالفعل بمدينة السادس من أكتوبر (على مساحة عشرة آلاف فدان)، وإنشائها كهيئة اقتصادية، لها مجلس أمناء برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والتخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، والمالية، والمجلس الأعلى للجامعات، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات ذوي الخبرة.كما تم تصميم نظام التعليم بالأكاديمية على غرار المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية، وبالتعاون مع عدد من الهيئات والمعاهد والمؤسسات العلمية الدولية.

وليس بخاف أن الأكاديمية تمثل تطورًا مهمًا لبرنامج تأهيل الشباب للقيادة Presidential Leadership Program (PLP)، الذي تخرج منه 500 طالب في مرحلته الأولى، وجار تخريج الدفعة الثانية متضمنة ٥٠٠ آخرين، فضلا عن فتح باب المرحلة الثالثة. وقد شارك شباب البرنامج الرئاسي في أنشطة متعددة، أبرزها المعاونة في تنظيم مؤتمرات الشباب التي تنظم دوريًا كل شهرين، وتحولت إلى منصة مهمة يتحدث من خلالها الرئيس للمواطنين بلا وسيط، ويستمع لرؤى الشباب الذين يحاكون الحكومة، وينتهي بإصدار توصيات مهمة تلبية لأهم مطالب الشارع التي يعبر عنها جيل جديد من الشباب يتم إعداده ليتولى مهمة قيادة البلاد مستقبلًا.

وقد استطاع شباب البرنامج الرئاسي أن يضخوا دماءً جديدة في نحو ٦٥ مؤسسة حكومية، في مقدمتها مؤسسة الرئاسة نفسها، حيث تمت الاستعانة بمجموعة من الشباب في مكتب الرئيس، واختار بعض الوزراء معاونين لهم من شباب البرنامج.

من هنا فإن إنشاء الأكاديمية - باعتبارها التطور الأحدث – يعد رسالة مهمة إلى الداخل والخارج، استنادًا إلى رؤية القيادة السياسية، والتي تقوم على مرتكزين أساسيين، هما العمل المؤسسي، والاستناد إلى العلم والمعرفة. فرغم كل المحاولات والفرص التى أتيحت للشباب منذ عام 2011 للمشاركة في العمل العام، فإنها تظل فرصًا فردية ومتناثرة، بل وخضعت فى كثير من الأحيان لاعتبارات سياسية، وليس لاعتبارات الكفاءة. ففكرة إعداد القيادات المؤهلة لتولي المسئولية غابت عن مصر لفترة طويلة، سواء على مستوى الإطار الرسمي المتمثل في الدولة، أو على مستوى الأحزاب ومؤسسات العمل الأهلي، بما كان من شأنه حرمان مصر من وجود صف ثان من القيادات والكوادر.

وتثور المقارنة هنا حتما بين الأكاديمية الجديدة ومنظمة الشباب الاشتراكي التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي، وكان لها إسهامها المباشر في تخريج كوادر سياسية ارتبطت بالمشهد العام لسنوات طويلة، وحملت عبء التفاعل مع بعضها البعض بصورة أو بأخرى. فثمة من يذهب إلى أن الأكاديمية لا تعني اختراع العجلة من جديد وأنها مجرد إعادة إنتاج لمنظمة الشباب. وثمة من يرى أن هناك العديد من الاختلافات بين الكيانين.

واقع الأمر، إن هناك فروقًا جوهرية بين تجربة منظمة الشباب و"الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب"، فكل كيان هو وليد الظروف والبيئة التي ظهر فيها، ويستجيب لحاجات أساسية تطرحها هذه البيئة؛ فمنظمة الشباب كانت في الأساس تنظيمًا سياسيًا تحددت وظيفته الأساسية في ضمان تأييد ودعم نظام الحكم القائم آنذاك استنادًا إلى أيديولوجيا التعبئة والحشد، وذلك على عكس الأكاديمية التي ستتولى تدريب الشباب على علوم الإدارة والقيادة - وهو ما نعاني فيه من قصور شديد- استنادًا إلى فلسفة المشاركة والتفاعل الإيجابي.

من ناحية أخرى، فإن منظمة الشباب قامت في ظل تنظيم سياسي وحيد كان بحاجة إلى ذراع لحشد الشباب حول نظام الحكم. أما الأكاديمية فتأتي في ظل تعددية حزبية يقرها الدستور لكنها تعددية هشة بحكم حداثة نشأة الأحزاب القائمة. وتصبح مهمة الأكاديمية هنا هي تأهيل الشباب مهنيًا وإداريًا وفكريًا وسياسيًا، حتى تصبح الأحزاب قادرة على أداء وظيفتها في التنشئة السياسية وتجنيد الكوادر المؤهلة لخوض غمار العمل السياسي. بمعنى آخر، يمكن القول إن الأكاديمية هي "مصنع النخبة" الجديدة في شتى المجالات.

ولا يفوتنا في هذا الإطار الإشارة إلى حقيقة مهمة وهى أن الأكاديمية لا ينبغي أن يكون هدفها أبدا خلق ظهير مجتمعي مساند للرئيس كما يروج البعض، بل سيكون الغرض هو خلق ظهير مجتمعي ينتمي للوطن ويعمل على المستوى القومي بغض النظر عن الأشخاص، على عكس الأوضاع إبان فترة عمل منظمة الشباب الاشتراكي.

إن تدشين هذه الأكاديمية من خلال احتفالية كبرى بحضور السيد رئيس الجمهورية يكسبها مصداقية، ويؤكد العزم على تحقيق أهدافها من ناحية، وخضوعها للمساءلة، من ناحية أخرى.

كذلك فإن صياغة برنامج تدريبي يقوم على شقين، نظري وميداني، تتاح فيه الفرصة للشباب من كل التيارات، ومن كل الهيئات والوزارات مادامت شروط الالتحاق بالأكاديمية تنطبق عليه، أمر له أهميته في لم شمل الشباب وتجسير الفجوة بينهم على اختلاف توجهاتهم، علاوة على تحقيق العدالة بين القيادات الشبابية بصرف النظر عن انتماءاتها الفكرية والسياسية. كما أنه سيمكن الدولة من سد النقص فى القيادات حسب احتياجات الوزارات والهيئات المختلفة.

إن طرح أساليب جديدة للتعلم تخرج عن نطاق التلقين التقليدي واتباع منهجية الحوار بين المحاضرين والدارسين واستخدام الأسلوب التدريبي القائم على ممارسات وتكليفات يسمح بتخريج قيادات قادرة على توجيه العاملين تحت رئاستها توجيها سليمًا، ومناقشتهم فى المشاكل القائمة بما يمكنهم من اكتشاف الحلول المناسبة لهذه المشاكل. ويتعين أن يتضمن البرنامج الدراسى للأكاديمية قياسًا لمدى قدرة الدارسين على التفاعل مع القطاعات الشعبية، بحيث يخصص وقت من الدراسة للتفاعل مع المواطنين فى بيئات مختلفة وفق برنامج عمل محدد يستهدف التعرف على الملامح العامة لكل بيئة واكتشاف المشكلات الأساسية للمواطنين، والأسباب التى أدت إليها والنتائج المترتبة عليها، والحلول المقترحة لها وتضمينها في تقارير، على أن تناقش هذه التقارير داخل الأكاديمية مناقشة موضوعية منهجية وعملية لنستطيع إكساب الدارسين مهارات التواصل والتفكير غير التقليدي، وحتى تستطيع الأكاديمية تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في بناء كوادر جديدة قادرة على القيادة في المستقبل.

طباعة
د. حسن سلامة

أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية