متابعات تحليلية

حصاد جولة السيسي الأفريقية

طباعة

حققت الجولة المكوكية الأخيرة للرئيس السيسي ما بين شرق ووسط وغرب أفريقيا نتائج مهمة، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، فضلًا عن التغير المهم الذي طال طبيعة الأدوات المصرية المستخدمة في التفاعل مع القارة الأفريقية؛ فلأول مرة تُقدِم مصر على دعم نظم حكم أفريقية على الصعيد الأمني، كما تُقدِم على تصدير معدات عسكرية على نطاق واسع، حيث كان هناك تحسب مصري لهذه الخطوة في ضوء الانقسامات العرقية والقبلية المعروفة في أفريقيا، والتي غالبًا ما ينتج عنها صراعات مسلحة، كانت مصر حريصة على النأي بنفسها بعيدًا عنها حتى لا تكسب عداوة أي من الأطراف المتصارعة. ولكن يبدو أن زيادة حجم التهديدات الأمنية والإرهابية المحيطة بمصر، ورغبتها في العودة إلى تنشيط مناطق الارتكاز الاستراتيجي في شرق أفريقيا، وطبيعة التهديدات الأمنية القادمة من ليبيا، قد دفعتها إلى الإقدام على تلك الخطوة.

وفي سياق المتغيرات أيضًا نرصد تزايد الأهمية النسبية لآلية القمم الثنائية كأداة للتعامل المصري مع القارة الأفريقية، بديلًا عن دبلوماسية بوابات المناطق، حيث كانت مصر تعتمد مثلا على أوغندا كبوابة لدول حوض النيل بديلا عن التواصل المباشر مع دول الحوض، وهو ما أسفر عن خسائر للمقاربة المصرية في حل أزمة اتفاقية عنتيبي خلال مؤتمر دول حوض النيل الذي عقد في يونيو الماضي (2017).

لقد نجحت مصر في تدشين عدد من الرسائل الإيجابية لشقيقاتها الأفريقيات في من عدد من المجالات نرصد منها أن مصر سوف تقدم دعمًا غير محدود في المجال العسكري والأمني لكل من تشاد والجابون، سواء من حيث دعم القدرات أو تصدير المعدات العسكرية، فقد استبق الرئيس السيسي جولته الأفريقية باجتماع مع رئيس الهيئة العربية للتصنيع، الفريق عبد العزيز سيف، الذي عرض تقريرًا بشأن جولته في دول وسط وغرب أفريقيا (نيجيريا، ساحل العاج، الكاميرون). ويضاف في هذا السياق طبيعة التفاهمات المصرية- التشادية بشأن الأوضاع الأمنية في ليبيا وغرب السودان والتي بلورتها زيارات متعددة لوزير الدفاع التشادي للقاهرة، فضلا عن وجود خطط لتعاون عسكري مع السودان في إطار الزيارة المرتقبة لوزير الدفاع السوداني للقاهرة والمنبثقة عن زيارة وزير الخارجية سامح شكري إلى السودان.

إجمالا تبدو التحركات المصرية على هذا الصعيد معنية بشكل رئيس بتطويق التهديدات الأمنية القادمة لها من ليبيا ودول الساحل والصحراء الأفريقية، وذلك في ضوء عمليات الاختراق المتوالية للحدود الغربية المصرية مؤخرًا، والتي نجحت القوات المسلحة المصرية في إجهاضها. وفي هذا السياق، تقدم مصر دعمًا لقدرات لدول غرب أفريقيا، خاصة تشاد، ونيجيريا والكاميرون اللتان تواجهان تهديدًا مباشرًا من جماعة بوكو حرام النيجيرية، وعصابات الجريمة المنظمة في وقت واحد، حيث تبدو تشاد دولة مركزية في الرؤية المصرية، ويفسر لنا ذلك ما قاله الرئيس في إنجمينا "نحن ندعمكم في مواجهة التهديدات" و"نساعدكم في مواجهة الصعوبات المرتبطة بكون تشاد دولة حبيسة". بالتأكيد هذه الرؤية تقدم فرصًا واعدة لتشاد وغيرها من دول وسط أفريقيا أن يكون لها منصة تواصل على البحر المتوسط عبر مصر.

وفي المقابل، فتح الرئيس التشادي إدريس ديبي المجال أمام قطاع الأعمال المصري من خلال سماحه للدخول بدون تأشيرات والوعد بتقديم التسهيلات اللازمة لهم.

وربما يكون من المنظور أن تمتد الرؤية المصرية لتشمل دولًا مثل مالي، وبوركينا فاسو اللتان هما مسرحان تقليديان لعمليات إرهابية من جانب جماعتي "التوحيد والجهاد"، و"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي". وبالتأكيد هناك مصلحة سودانية مباشرة في اللحاق بهذه المنظومة لتكون فاعلا في عمليات مكافحة الإرهاب والمساهمة في التفاعلات الخاصة بمستقبل ليبيا على أسس وحدة التراب الليبي واحتكار الجيش الليبي القومي لحق استخدام القوة المسلحة.

التحدي الرئيس الذي يواجه مصر في هذا المجال هو طبيعة التحالفات الفرنسية- الأفريقية، والقائمة على أساس عسكري مع خمس دول من وسط أفريقيا متضمنة تشاد. لكن يبقى أن هذا التحالف يواجه تحفظًا أمريكيًا داخل مجلس الأمن، وهي نقطة في صالح مصر، خصوصا أن مصر دولة أفريقية وتفاعلها مع أفريقيا لا يعد تدخلًا خارجيًا، وهي نقطة الضعف الرئيسية لدى فرنسا في ضوء تاريخها الاستعماري من جهة، واتفاقات الاستقلال المعقودة مع دول وسط إفريقيا والتي تتيح لفرنسا حتى الآن الاستيلاء على نسبة مئوية من الموارد الطبيعية لهذه الدول، من جهة أخرى.

الرسالة الاقتصادية لمصر كانت في كل من تنزانيا وروندا والجابون وهي دول حظي فيها الرئيس باستقبال كبير. ففضلا عن افتقاد هذه الدول لزيارة مصرية على مستوى القمة منذ ستينيات القرن الماضي، فإن زيارة الرئيس قد تم استباقها بعدد من التفاعلات والتطورات المهمة، منها، أولا، تفاعل مصري في نادي الرؤساء في القمم الأفريقية منذ تولي الرئيس السيسي الحكم عام ٢٠١٤. وثانيا، افتتاح مكاتب تجارية في شرق أفريقيا بتنزانيا وأوغندا وجيبوتي، فضلا عن محطة تسهيلات لوجستية في كينيا .وثالثا، امتلاك وزارة الصناعة والتجارة المصرية خطة لدعم التبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل وشرق أفريقيا، وهي خطة كما أعلنها الوزير طارق قابيل متضمنة دراسة الأسواق الأفريقية وطبيعة احتياجاتها، وأيضا الموقف التنافسي للسلع المصرية، وذلك وفق مخطط زمني.

وتبدو المؤشرات الاقتصادية للتبادل التجاري إيجابية في ضوء ارتفاع حجم التبادل التجاري بين مصر وأفريقيا مبشرة، ولكنها مازالت دون المستوى المأمول، حيث ارتفعت  من 4.5 مليار دولار عام ٢٠١٤ إلى 4.8 دولار عام ٢٠١٥. لكن تجدر الإشارة هنا أن تحقيق نقلة في حجم العلاقات التجارية بين مصر ودول القارة يحتاج إلى جهود كبيرة، ويحتاج إلى تحديث الأدوات المصرية المستخدمة في التفاعل مع القارة، وهو أمر يشمل إما دعم الخط الملاحي بين مصر وتنزانيا على نحو مقبول، أو إنشاء أسطول تجاري مناسب لمصر في البحر الأحمر بما يسهل استيراد الثروة الحيوانية الأفريقية من دول حوض النيل.

وفي مجال الطاقة لابد من تفعيل مصر لرؤى ومخططات استباقية فيما يتعلق بخرائط احتياجات الطاقة لدول حوض النيل وشرق أفريقيا، بما يجعلها تعتمد على مصادر الطاقة النظيفة والجديدة مثل الشمس والرياح بديلا عن الاعتماد على الموارد المائية لنهر النيل، وهو أمر يبدو ملحًا حاليا في ضوء وجود هذا الملف على الأجندة الإسرائيلية التي كانت فاعلا رئيسا في دعم إثيوبيا بسد النهضة، وهي منذ عام تقريبًا فتحت ملف الطاقة مع روندا وتدرس حاليًا احتياجاتها من الطاقة وحجم وطبيعة المحطات الكهربائية هناك.

المجهود المصري وضخامة الاستثمارات المالية في دول شرق أفريقيا وحوض النيل تتطلب شراكات بين الدولة والقطاع الخاص، فمن ناحية، لابد من ضمان ملاءمة المشروعات للمصالح المصرية الاستراتيجية، بعد أن ارتكب بعض رجال الأعمال خطايا في أفريقيا على عهد الرئيس مبارك. ومن ناحية أخرى، لابد من تشجيع القطاع الخاص أن يكون فاعلا في أفريقيا على نحو يضمن وجودًا مصريًا مستدامًا وعوائد استراتيجية واقتصادية وسياسية أصبحت مطلوبة بإلحاح للدولة المصرية.

في هذا السياق، تبدو فرص التعاون التنموي هائلة بين مصر ودولتي تنزانيا وروندا اللتان تملكان وزنًا سياسيًا لا يستهان به في منظومة حوض النيل. ولعل التعاون في المجال الزراعي يفتح أمام الشركات المصرية آفاقًا جديدة للاستثمار المباشر والذي ربما يؤسس لصناعات السلع الغذائية في هذه الدول بما يفتح المجال واسعًا لدعم اقتصاداتها والاقتصادات المصرية على نحو مواز، خصوصًا في ظل وجود فرصة زراعة المحاصيل كثيفة الاستخدام للمياه واتاحتها في السوق المصري.

على المستوى الثقافي تفتح الجابون فرصًا هائلة للتعاون بين البلدين حيث تحتضن ليبرافيل منظمة "المركز الدولي لحضارات البانتو" (سيسيبا) Centre International des Civilisations Bantu (CICBA)، وهي منظمة تضم في عضويتها 15 دولة أفريقية معظم سكانها من شعب البانتو الأفريقي، وتعمل حاليا على التوثيق التراثي لهذا الشعب، وهو أمر تستطيع فيه مكتبة الإسكندرية تقديم جهد كبير كما وعد بذلك  د. مصطفى الفقي، مدير المكتبة.

إن اهتمام مصر بأفريقيا يحول القارة من مصدر للتهديد إلى فرصة تدعم قدرات الاقتصاد المصري، وتعزز من عناصر القوة الشاملة للدولة المصرية، وتنعكس بالإيجاب على الوزن الإقليمي المصري في إفريقيا وخارجها، وهي كلها مفردات تبدو حاضرة في جولة الرئيس السيسي الأخيرة بالقارة.

طباعة
د. أماني الطويل

مدير البرنامج الأفريقي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية