دراسات

أفريقيا في تقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب 2016 ... قراءة نقدية

طباعة PDF

خلال شهر يوليو الماضي (2017) أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي حول تطورات ظاهرة الإرهاب في العالم خلال عام 2016. وحظيت القارة الأفريقية بنصيب وافر في هذا التقرير الذي حاول استعراض حالة الإرهاب في القارة خلال عام 2016، والجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لمساندة شركائها الأفارقة لمواجهة هذه الظاهرة، وكذلك الإجراءات والترتيبات التي تبنتها الدول الأفريقية للحد من التأثيرات المختلفة لظاهرة الإرهاب، حيث أشاد التقرير بالجهود التي بذلتها هذه الدول في هذا المجال.

وعلى الرغم مما تضمنه هذا التقرير من استعراض شامل للهجمات الإرهابية التي شهدتها الدول الأفريقية في أقاليم جنوب الصحراء خلال عام كان مليئًا بالتطورات الميدانية، والتعاون الإقليمي لمواجهة تلك الظاهرة، إلا أن التقرير لم يخل من "التحيزات" والتقديرات التي أملتها المصالح الأمريكية في القارة الأفريقية.

ونناقش فيما يلي الملامح العامة لتناول التقرير لظاهرة الإرهاب في القارة الأفريقية، ثم قراءة نقدية لأهم ما جاء بالتقرير فيما يتعلق بالقارة.

أولًا: القارة الأفريقية في تقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب

بدأ التقرير بمقدمة عامة عن حالة الإرهاب في الدول الأفريقية جنوب الصحراء خلال عام 2016، وانتقل بعدها إلى تناول الجهود الأمريكية في القارة لمواجهة الإرهاب، ليقدم في الجزء الثاني شرحًا تفصيليًا لحالة ظاهرة الإرهاب في عدد من الدول الأفريقية التي تتعرض للتهديدات الإرهابية وتشارك معظمها الولايات المتحدة في مبادرات مكافحة الإرهاب في القارة.

وفي هذا الإطار، ركزت مقدمة التقرير على تناول تطور عمليات حركة "شباب المجاهدين" في شرق أفريقيا، وجماعة "بوكو حرام" في الساحل والغرب الأفريقى، باعتبارهما أخطر جماعتين إرهابيتين في القارة، حيث تبنت الجماعتان مجموعة من العمليات الإرهابية التي أودت بحياة المئات خلال عام 2016. كان أبرزها استهداف حركة الشباب بعثة الاتحاد الأفريقي، ومسئولين أمنيين وموظفين في الحكومة الصومالية، بينما ركزت عمليات "بوكو حرام"على أهداف مدنية وعسكرية، وذلك في الوقت الذي ساندت فيه الولايات المتحدة شركاءها في شرق أفريقيا لبناء قدراتهم في مجال مكافحة الإرهاب من خلال تقديم المساعدة الاستشارية لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وتوفير التدريب والإرشاد لموظفي القطاع الأمني في الصومال، وتحسين قدرات الوكالات الإقليمية لإنفاذ القانون على الاستجابة للأزمات.

ويرصد التقرير في هذا الإطار نجاح قوة العمل المشتركة المتعددة الجنسيات، والتي تضم دول بحيرة تشاد (نيجيريا، والنيجر، والكاميرون، وتشاد)، بالإضافة إلى بنين، في إلحاق الهزيمة بجماعة بوكو حرام. لكن برغم تراجعها فقد استمرت الجماعة في حملتها "غير المتماثلة"في استهداف المدنيين والعسكريين في جميع أنحاء شمال شرق نيجيريا، مما أدى إلى تزايد أعداد القتلى والجرحى وتدمير الممتلكات. كما دعمت داعش من وجودها في منطقة بحيرة تشاد، وظهرت خلال هذا العام 2016 محاولات لضم الجماعتين (شباب المجاهدين، وبوكو حرام) إلى تنظيم داعش. لكن حركة الشباب تمكنت من إحباط هذه المساعي، حيث واجهت فصيلًا حاول الانشقاق عنها والانضمام لداعش، في حين اتخذت جماعة بوكو حرام خطوات فعلية لتصبح جزءًا من داعش، خاصة بعد مبايعتها له في مارس 2015، إلا أنها تعرضت للانشقاقات في أغسطس 2016 بعد إعلان تنظيم داعش أبو مصعب البرناوي، وهو نجل محمد يوسف مؤسس بوكو حرام، أميرًا لما يسمي "الولاية الإسلامية لغرب أفريقيا" مما أدى لاندلاع الصراع داخل الجماعة.

كذلك أشار التقرير إلى استمرار عملية "برخان" "Barkhane" التي تقودها فرنسا لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، والتي دعمتها المساهمات التي قدمتها بعثة الأمم المتحدة المتعددة الجنسيات لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA).

وانتقل التقرير بعد ذلك إلى تناول الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب في أفريقيا،حيث أشار إلى مبادرتين مهمتين قامت بتأسيسهما الولايات المتحدة. الأولى، هي مبادرة "الشراكة لمكافحة الإرهاب عبر الصحراء" (TSCTP) والتي تأسست عام 2005، وتضم من الشركاء كل من: الجزائر، وبوركينافاسو، والكاميرون، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والمغرب، ونيجيريا، والنيجر، والسنغال وتونس. وقد تطورت هذه المبادرة لتعزيز قدرات الدول المشاركة في ظل الدعم الأمريكي المستمر ومساعدة بعض الدول كالجزائر والمغرب.المبادرة الثانية، هي "الشراكة لمكافحة الإرهاب في إقليم شرق أفريقيا" (PREACT)، وتأسست في عام 2009، بتمويل من الولايات المتحدة أيضا. وتشمل مجموعة من الشركاء هم: جيبوتي، وإثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وبورندي، وجزر القمر، ورواندا، وسيشيل، وجنوب السودان، والسودان.ووفقا للتقرير، واصلت الولايات المتحدة خلال عام 2016 دعمها لبناء قدرات المنظمات الأفريقية في شرق القارة لمواجهة التهديد الإرهابي الذي تشكله حركة شباب المجاهدين وتنظيمات إرهابية أخرى، بالإضافة إلى دعم بعثة الاتحاد الأفريقي ودعم الاستقرار والحكم في الصومال وإقليم شرق أفريقيا "الكبير"، مع التركيز على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

ومن خلال استعراض لحالة الإرهاب في سبع عشرة دولة أفريقية، حاول التقرير في هذا الجزء توضيح حالة التهديدات الإرهابية التي تواجهها معظم هذه الدول، والعمليات الإرهابية التي شهدتها خلال عام 2016، والإجراءات التي تبنتها هذه الدول سواء من الناحية التشريعية أو الأمنية والسياسية، فضلًا عن مواجهتها لعمليات تمويل الإرهاب، وكذلك مكافحتها للتطرف العنيف وتعاونها الإقليمي والدولي لمواجهة الظاهرة[1].

ثانيًا: ملاحظات عامة على التقرير

على الرغم من تناول التقرير لظاهرة الإرهاب في القارة الأفريقية خلال عام 2016، بشكل متكامل إلى حد كبير، ومن النادر أن نجده في تقارير أخرى، إلا أنه لم يخل من التحيزات والتقييمات التي يمكن إرجاعها إلى طبيعة المصالح الأمريكية في القارة. ونشير فيما يلي إلى أهم الملاحظات على ما جاء في التقرير بشأن القارة الأفريقية.

1-تصنيف الدول الأفريقية حسب مستوى تعاونها مع الولايات المتحدة: تناول التقرير –كما سبق القول- حالة الإرهاب، والسياسات الدولية والإقليمية والمحلية لمواجهة هذا التحدي، في سبع عشرة دولة أفريقية. لكن يؤخذ على التقرير أنه صنف هذه الدول- بشكل ضمني وغير مباشر-إلي مجموعة من الفئات حسب درجة تعاونها مع الولايات المتحدة في هذا المجال، الأمر الذي أضفى نوعًا من التحيز ضد بعض الدول. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الدول الأفريقية السبعة عشر توزعت على ست فئات: الأولى، هم ما يمكن وصفهم بشركاء الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب-باختلاف درجة قوة وعمق هذه الشراكة- حيث شملت هذه الفئة: كينيا، وإثيوبيا، وموريتانيا، وجيبوتي ، وتنزانيا ،وأوغندا. الفئة الثانية، هي دول تواجه الإرهاب بحزم، وتقدم تضحيات في هذه المواجهة، وتشمل: نيجيريا، وبوركينافاسو، والكاميرون، والنيجر، ومالي، وتشاد. الفئة الثالثة، هي دول تعمل على منع وصول التهديدات الإرهابية إليها، وتشمل: السنغال، وجنوب أفريقيا. الفئة الرابعة، هي دول راعية للإرهاب، وتشمل إريتريا. الفئة الخامسة، هي دول لم تتمكن من الخروج من حالة الضعف والفشل التي تعاني منها منذ سنوات، ولا تزال تمثل تهديدات للدول المجاورة وللإقليم ككل، وتشمل الصومال. الفئة السادسة، هي دول تنخرط في سياسات مكافحة الإرهاب من خلال مشاركتها في القوات الأفريقية في الصومال، وتشمل بورندي.

وقد نتج عن اعتماد التقرير على التقييم الأمريكي للإجراءات التي تبنتها كل دولة لمواجهة التهديدات الإرهابية، إلى عدم اقتناع الإدارة الأمريكية بالتوجه الذي تبنته إريتريا خلال عام 2016 ودعمها للتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن في محاولة من إريتريا لتغيير سياساتها بشأن مكافحة الإرهاب ونفي دعمها للإرهاب، على نحو يساعد على إسقاط العقوبات الدولية المفروضة عليها منذ ديسمبر 2009. وكانت النتيجة هي استمرار الولايات المتحدة في فرض العقوبات على اريتريا وإعادة التأكيد على اتهامها بدعم التنظيمات الإرهابية في شرق أفريقيا وتهديدها للاستقرار في الإقليم، حيث أعادت الولايات المتحدة في مايو 2016 تصنيف إريتريا على أنها "لا تتعاون بشكل كامل " مع الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب.

2- تجاهل الجهود الأفريقية في مجال مكافحة الإرهاب:حرص التقرير على تأكيد البعد الدولي، بشكل عام، والدعم الأمريكي بشكل خاص، في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا.وعلى سبيل المثال، أكد التقرير خلال تناوله لمبادرة "الشراكة لمكافحة الإرهاب عبر الصحراء" (TSCTP) أن هذه المبادرة تطورت في إطار الدعم الأمريكي المستمر، وأن عددًا من الشركاء، وبمساعدة من الاتحاد الأفريقي ودولة بنين (وهي ليست عضو في المبادرة)، تمكنوامن تكوين قوات متعددة الجنسيات لمواجهة جماعة بوكو حرام. لكن الواقع يشير إلى أن الاتحاد الأفريقي بعد تصاعد العمليات الإرهابية التي قامت بها "بوكو حرام" خلال عام 2014 اتخذ قرارا خلال قمته التي عقدت في يناير 2015 بتشكيل قوة إقليمية لمحاربة هذه الجماعة، على أن تتشكل هذه القوة من دول بحيرة تشاد (نيجيريا، والنيجر، والكاميرون، وتشاد) بالإضافة إلى بنين، حيث بدأت هذه القوة عملها بالفعل في يوليو 2016، وحققت نجاحات واضحة في مواجهة "بوكو حرام".

وهكذا، يلاحظ هنا تجاهل التقرير للجهود والسياسات الأفريقية المهمة في مجال مكافحة الإرهاب بالقارة، لصالح التركيز على الجهود الدولية والأمريكية، ما يعطي رسائل خاطئة بأن نجاح سياسات مكافحة الإرهاب بالقارة مرجعها القوى الدولية، بشكل عام، والدور الأمريكي، بشكل خاص.

ويقدم تناول التقرير لحالة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي نموذجًا آخر لتجاهل الجهود الأفريقية في مجال مكافحة الإرهاب، وسلبيات الجهود الدولية في هذا المجال. فقد أشاد التقرير بعملية  برخان الفرنسية ودورها في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل لكن الواقع يبتعد عن هذا التقييم، فقد بدأ التدخل الدولي في مالي بقيادة فرنسا في يناير 2013، بهدف القضاء على الجماعات الإرهابية في شمال مالي، واستعادة الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، والتي عرفت باسم "عملية سرفال". وعلى الرغم من أن العملية أسهمت في إضعاف هذه الجماعات، إلا أنه سرعان ما استعادت قوتها بفضل الدعم المتواصل من جانب نظيراتها في الساحل والغرب الأفريقي. هذا الدعم تجاوز عمليات التدريب وتقديم المساعدات المالية ليشمل المشاركة الميدانية في مواجهة القوات الدولية. وقد جاء هذا الدعم بالأساس لجماعات مثل "أنصار الدين"، و"التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا. كما ظهرت تقارير تشير إلى وجود تفاهمات بين التوحيد والجهاد والقوات الفرنسية. وأنهت عملية سرفال مهمتها في مالي في يوليو 2014، لتبدأ عملية جديدة أكثر اتساعًا هي عملية "برخان" لمكافحة الإرهاب في دول الساحل الأفريقي، إلا أن العمليات الإرهابية تصاعدت على نحو غير مسبوق خلال عام 2016، سواء في مالي أو دول الساحل الأخرى. وقد أقر الرئيس الفرنسي السابق فرانسو هولاند خلال القمة الأفريقية الفرنسية التي عقدت في باماكو في يناير 2017 بالعجز العسكري الفرنسي في مالي وصعوبة القضاء على الجماعات الإرهابية في المنطقة[2]. وعلى الجانب الآخر، استفادت الولايات المتحدة كثيرا من التدخل الدولي بقيادة فرنسا في شمال مالي، حيث سمح لها هذا التدخل بزيادة حضورها في منطقة الساحل وإنشاء عدد من مهابط الطائرات في النيجر وبوركينافاسو لتأمين مصالحها في المنطقة، بل والبحث عن مقر للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم).

وهكذا، لم يكتف التقرير بإغفال الجهود الأفريقية المهمة في مجال مكافحة الإرهاب، لكنه لم يعط الاهتمام الكافي بتناول قصور الجهود الدولية، وأسباب هذا القصور في العديد من الحالات.

3- التناول الانتقائي لواقع التنظيمات الإرهابية بالقارة: اكتفى التقرير بتناول عدد من الجماعات والتنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية، خاصة "حركة شباب المجاهدين"، و"جماعة بوكو حرام"، بينما لم يعط اهتمامًا مماثلًا لعدد من التنظيمات الأخرى التي لا تقل في أهميتها وخطورتها. واكتفى التقرير بالإشارة إلى هذه التنظيمات في الفصل السادس ضمن تصنيف الجماعات الإرهابية في العالم، حيث وضع التقرير عددًا من الجماعات في أفريقيا ضمن هذه القائمة، مثل "أنصار الدين"، وجماعة "أنصار المسلمين في بلاد السودان" (أنصاروا)، و"الملثمون"، وتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"AQIM.

فعلى الرغم أن حركة "شباب المجاهدين" و"جماعة بوكو حرام" تمثلان حاليًا أخطر جماعتين إرهابيتين في القارة الأفريقية، إلا أنه لا يمكن تجاهل جماعات أخرى تقوم بعمليات إرهابية خطيرة في دول الساحل والغرب الأفريقي خلال عام 2016، حيث تستهدف هذه العمليات قوات الجيش والفنادق والمطاعم، إلى جانب اختطاف الأجانب من الجنسيات الغربية. من هذه الجماعات جماعة "المرابطون" التي يتزعمها أقدم إرهابي في القارة وهو مختار بلمختار، وكذلك "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وقد اتجهت دول الساحل الأفريقي إلى التعاون الإقليمى، وتوقيع عدد من الاتفاقيات والمبادرات لمواجهة هذه الجماعات، كان من أهمها تكوين قوة إقليمية مشتركة من دول مجموعة الساحل G5والتي تضم النيجر وبوركينافاسو و تشاد ومالي وموريتانيا. وقد وافق مجلس الأمن مؤخرًا على تشكيل هذه القوة.

كما تجاهل التقرير الحديث عن جماعة "جيش الرب للمقاومة"The Lord's Resistance Army،وهي جماعة إرهابية تعمل في شرق ووسط القارة. ورغم أنها تعرضت لهزائم وتراجع بعد مقتل والقبض على الكثير من قياداتها إلا أن زعيمها جوزيف كوني لا يزال طليقا. وقد أكدت بعض التقارير الأمريكية وجود جوزيف كوني بالسودان. وقد حرصت الحكومة السودانية على زيادة تعاونها الإقليمي والدولي للمشاركة في القضاء على "جيش الرب"، خاصة عقب اعتماد مكافحة الجماعة ضمن مسارات الحوار مع الولايات المتحدة الهادفة إلى رفع العقوبات كليا عن السودان بعد رفعها جزئيا في يناير 2017.

كما تقوم عناصر "جيش الرب" بعمليات إرهابية في عدة دول، خاصة في أفريقيا الوسطى. ويرتبط نشاط هذه المجموعة بأعمال الصيد غير المشروع والاتجار في الحياة البرية بالمنطقة. كما أعلنت الأمم المتحدة أن عناصر "جيش الرب" مسئولة عن معظم المذابح التي شهدتها جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2015. وأكد تقرير قدمه رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسي فكي محمد، في مايو 2017"إن جيش الرب لديه وجود نشط في أفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وأجزاء من جنوب السودان، حيث يواصل شن الغارات وعمليات النهب والتعذيب واختطاف واحتجاز المدنيين، فضلا عن نهب العاج من حديقة غارامبا الوطنية بالكونغو والمعادن حتي يحافظ على وجوده ووجود جوزيف كوني"[3].

ويبدو أن تقرير الخارجية الأمريكية اعتمد في تقديره عدم أهمية تناول جماعة "جيش الرب" على انسحاب القوات الأوغندية من أفريقيا الوسطى في إبريل 2017 بعد إعلانها انتهاء مهمتها الخاصة بمحاربة جيش الرب، حيث بعث هذا الانسحاب -على ما يبدو- إلى الاعتقاد بزوال خطر الجماعة.

4- تجاهل علاقة الجماعات الإرهابية الأفريقية بتنظيم القاعدة: ركز التقرير على الاهتمام بتواصل تنظيم داعش مع الجماعات الإرهابية الأفريقية، وذلك على الرغم من كون غالبية الجماعات الإرهابية في أفريقيا تتبنى أفكار تنظيم القاعدة، ولم تعلن أي من هذه الجماعات ولاءها إلى تنظيم داعش، باستثناء جماعة "بوكو حرام"، وفصيل من "حركة الشباب" يتزعمه المدعو عبدالقادر مؤمن، إذ لا تزال الحركة ترفض الانضمام إلى داعش وتعتبر هذا الفصيل منشق عنها.

خاتمة

تظل قضية الإرهاب في أفريقيا تحمل أبعادًا خاصة تتجاوز التقارير الدولية التي وإن اقتربت من التفاصيل كثيرًا إلا أنها تبتعد عن المعالجات الحقيقية لظاهرة الإرهاب، التي ظلت حتى سنوات قريبة ظاهرة دخيلة على الواقع الأفريقي. هذا الواقع يحمل الكثير من الأزمات والمشكلات التي توفر بيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة وانتقالها بين مناطق مختلفة من القارة، بل ويسمح بالتعاون وتبادل الدعم بين الجماعات الإرهابية.وبالإضافة إلى الجماعات الإرهابية التي نشأت داخل الدول الأفريقية جنوب الصحراء، فإن الموقع الجغرافي لهذه الدول قد ساعد على تحويل أراضيها  لفناء خلفي للعديد من الجماعات الإرهابية التي استقرت في الشمال الأفريقى، ومع تطورها بحثت عن حلفاء وأتباع في الشرق والساحل والغرب الأفريقي، فنقلت أفكارها وأدوات عملها إلى أفريقيا. وجاءت على إثرها القوي الخارجية، التي وجدت في تحركات الجماعات الإرهابية بين ربوع القارة الأفريقية فرصا لتحقيق أهدافها ومصالحها الحيوية في القارة.

ومع الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، والتي تزامنت مع ظهور جماعات إرهابية جديدة في مقدمتها تنظيم داعش الإرهابي، تزايدت الضغوط على دول القارة الأفريقية، خاصة في ظل نقل التنظيم مركزه إلى ليبيا، وتواصله مع الجماعات الإرهابية في القارة، وتصاعد العمليات الإرهابية وانتقالها من دولة لأخرى وسط ما تعانيه العديد من الدول الأفريقية من هشاشة الحدود وضعف قدرات القطاع الأمني والجيوش الوطنية.

في الوقت الذي لم تتوقف الجماعات الإرهابية الأخرى في القارة عن عملها، خاصة تلك الجماعات التي تمثل فروعًا لتنظيم القاعدة، فقد طورت هذه الجماعات من أساليب عملها وحرصت على الاستمرار في تحقيق أهدافها، وحاولت استثمار حالة الاهتمام الدولي بمكافحة تنظيم داعش، مما دفع الدول الأفريقية للتحرك في مواجهة هذه الجماعات عبر آليات التعاون الإقليمي، حيث  تدارك القادة الأفارقة أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه الآليات في مجال مكافحة الإرهاب. وعمل هؤلاء القادة على تأسيس مبادرات للتعاون في هذا المجال. وعلى الرغم من تحقيق هذه المبادرات لبعض النجاحات في محاربة الإرهاب إلا أنها ظلت تعاني من مشكلات ترتبط بالإرادة السياسة للدول، وكذلك التمويل الذي لا يزال يمثل عقبة أمام العديد من المبادرات، مما قدم فرصا قيمة للقوى الخارجية للتدخل وفرض تصوراتها عن مواجهة الإرهاب في القارة. وشهدنا كيف تزعمت فرنسا التدخل الدولي في شمال مالي والذي لم يحسم الصراع، حيث لاتزال مالي تعاني من الأزمات الأمنية والسياسية. و تحولت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA) إلى أكثر بعثات الأمم المتحدة كلفة في الأرواح البشرية منذ التدخل في الصومال خلال الفترة (1993-1995). لكن فرنسا حاولت الحفاظ على مصالحها في منطقة الساحل الغنية بالموارد الطبيعية وأهمها اليورانيوم الذي تعمل من خلاله المصانع الفرنسية[4].الأمر ذاته بالنسبة للولايات المتحدة التي تحاول الابتعاد عن التدخل العسكري الخارجي في الصراعات بعد خبرتها في أفغانستان والعراق، إلا أنها تعمل على استثمار التدخلات الدولية في القارة الأفريقية بما يزيد من حضورها ويحقق أهدافها.  


اضغط هنا لمشاهدة الملف بالحجم الكامل


[1]Country Reports on Terrorism 2016, July 2017. Available at:

https://www.state.gov/j/ct/rls/crt/(accessed on: 10 July 2017).

[2]"تصاعد الاعتداءات شمال مالي: عجز فرنسي أمام المتمردين،"، المركز الصحفي السوري، 26 يناير 2017.راجع الرابط التالي:

https://syrianpc.com

[3]"جيش الرب للمقاومة ما زال يسبب معاناة لا توصف"، موقع مركز الأمم المتحدة للأنباء، 7-12-2016. راجع الرابط التالي:

http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=27722#.WYX58lFRXhk

انظر أيضا: "الاتحاد الأفريقي: جيش الرب ينشط في ثلاث دول بالقارة"،موقع سودان تربيون،7 يونيو 2017. راجع الرابط التالي:

http://www.sudantribune.net

[4]"عجز جيوش دول أفريقيا أمام الإرهاب"،موقع صحرا ميديا،7 ديسمبر 2016. راجع الرابط التالي:

http://www.saharamedias.net

طباعة PDF
د. أميرة عبد الحليم

خبيرة الشئون الأفريقية بالبرنامج الأفريقى - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية