إصدارات المركز - الملف المصري

التصوف وتجديد الخطاب الديني

أ.د. جمال المرزوقي 602 3-8-2017
طباعة

إذا قلنا فلسفة إسلامية، فإننا نعني بها تلك الفلسفة التي نشأت وتطورت في ظل الإسلام وحضارته، وارتبطت به بأنواع مختلفة من الارتباط، إما بالدفاع عن عقائده، أو بالتفهم الدقيق لأحكامه الشرعية العملية الفروعية واستنباطها عن أدلتها أو أصولها، أو بالغاية بجانب التذوق الروحي لأحكامه وأخلاقه، أو بالملاءمة والتقريب بينه وبين فلسفات أخرى وافدة إلى المسلمين.

فعلماء المسلمين الذين نهضوا للدفاع عن عقائد الإسلام مستندين إلى الأدلة العقلية هم المتكلمون، ويعرف علمهم باسم علم الكلام، والذين شغلوا أنفسهم بالأحكام الشرعية والفروعية من حيث تصنيفها، وكيفية استنباطها عن أدلتها هم الأصوليون ويعرف علمهم باسم علم أصول الفقه، والذين عنوا بجانب السلوك والأخلاق على أساس من التجربة الروحية العميقة هم الصوفية ويعرف علمهم باسم علم التصوف أو علم الحقيقة أو علم السلوك، والذين وفقوا، أو حاولوا، بين الإسلام، وبين فلسلفات أخرى أجنبية أعجبوا بها، كالفلسفة اليونانية، هم الفلاسفة الخلص، أو الحكماء، ويطلق على فلسفتهم أحيانًا اسم الحكمة، والتميز بين علوم الكلام والفقه والتصوف، اعتباري محض، وليس حقيقيًّا، إذًا يمكن أن تندرج جميعها تحت اسم واحد هو الشريعة، فعلم الفقه مستند إلى علم الكلام استناد الفرع إلى الأصل، وعلم التصوف مستند إلى علم الكلام والفقه إذًا لابد للصوفي أن يكون على علم كامل بالكتاب والسنة، لكي يصحح اعتقاداته وعباداته ومعاملاته على اختلافها.

استمع إلى الشعراني في الطبقات الكبرى يقول: هو، أي علم التصوف، علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، والتصوف إنما هو زبده عمل العبد بأحكام الشريعة، وحول هذه المعنى يقول الجنيد أعمق صوفية القرنيين الثالث والرابع الهجريين كلامًا عن التوحيد والغناء فيه: رد من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، يقصد التصوف لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. 

وهو يقول أيضًا: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول، صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه".

ونحن مع التصوف نعايش لغة جديدة، لغة أخرى، هي لغة القلب، الذوق، الوجدان، الحدس، الكشف، العيان المباشر، فالتصوف وجدان وانفعال قبل أن يكون أفكارًا ونظريات، أو هو باللغة الصوفية وجد وجذب وعشق وشكر وفناء.  

التصوف طريق إلى الله يسلكه الصوفي، ويجاهد فيه نفسه ليخلصها من أدران الدنيا، ويولها مما يبعث على الخوف والحزن، حتى يصبح روحًا خالصة، تنسى نفسها وتتفانى في ذكر الله ولا ترى في الكون سواه.

وإن شئت قلت التصوف يستهدف القلب لينزح منه السواد، ليعود القلب نقيًّا مثل بطن اللؤلؤة، شفافًا شفافية ضمير جنين في بطن أمه، لتعود نفسه إلى الفطرة التي ولد عليها، فيسهل عليه الاتصال من جديد بخالقه وبارئه ومصوره تبارك وتعالى.

وقد ذكر القلب في مواطن كثيرة من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، على أنه موطن الإيمان والحب والتقوى والفهم، والتعقل، تأمل قوله تعالى: "كتب في قلوبهم الإيمان"، "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"، "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، "لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها".

وقد اصطفى ربنا، تبارك وتعالى، قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، ليكون محلًا لنزول القرآن الكريم، قال سبحانه: "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين"، "قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقًا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين"والخطاب الديني المتعلق بالقلوب، خطاب مهم، لمن وفقه الله عز وجل، لنيل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، ألا ترى قوله تعالى: 

"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم "، فانظر كيف جعل السلامة منوطة بالقلب الذي هو كيان الإنسان، ومستقر نيته التي هي محل الأصالة لانبعاث أعماله.

واستمع إلى الرسول الكريم يقول: "الإيمان ما وقر في القلب وصدقته العمل"، "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

إيجابية التصوف و تطور المجتمع إلى الأمام

من الظواهر المؤسفة التي نتعايش معها منذ سنوات، ولم نأخذها مأخذ الجد، ظاهرة "التدين الشكلي"التي أصبحت سمة مميزة بكل أسف للمجتمع المصري، إذ تم اختزال الإسلام في الملبس، وطريقة التخاطب، وتربية اللحى، وحتى أداء الفرائض شكلًا لا موضوعيًا، وكفى، في الوقت الذي زاد فيه الكذب والنفاق والغش في الميزان والفحش في القول، وغيرها من الآفات الاجتماعية التي أصبحنا نعانيها.

ولابد أن يكون لدينا الشجاعة أن نعترف، أن أخلاق المصريين تغيرت، وإن الشارع المصري بناسه، وأحداثه وأرقامه لم يعد ذلك الشارع القديم الذي حكمته أخلاقيات وثوابت لا وجود لها الآن، ابتداءً بالعلاقات الأسرية، وانتهاء بما يجري في العلاقات بين الناس.

ليست هذه هي مصر التي كانت تعكس حالة مجتمع مترابط تحكمه ثوابت أخلاقية ودينية وسلوكية، رغم كل الظروف المعيشية الصعبة، لم نكن بهذه القوة، ولم نشهد كل هذا الانفلات والفوضى التي أصحبت تهدد أمن هذا الوطن واستقراره.

ونحن واجدون في التصوف الإسلامي كثرة من المبادئ الإيجابية التي تحقق تطور المجتمع إلى الأمام، من هذه الكثرة وأملها أنه يؤكد على محاسبة الإنسان لنفسه باستمرار، ليصحح أخطاءها، ويكملها بالفضائل، ويجعل نظرته للحياة معتدلة، فلا يتهالك على شرواتها وينغمس في أسبابها إلى الحد الأدنى الذي ينسى فيه نفسه وربه، فيشقى شقاء لا حد له، ومن هذه المبادئ الإيجابية أيضًا أن التصوف يجعل من هذه الحياة وسيلة لا غاية يأخذ منها الإنسان كغايته، ولا يخضع لعبودية حب المال والجاه، ولا يستعلي بها على الآخرين، ولهذا يتحرر تمامًا من شهواته وأهوائه، وبإرادة حرة.

والمحصلة "فلا يتهالك على شرواتها إلى الحد الذي ينسى فيه نفسه وربه"، واستمع معلا إلى قولة تبارك وتعالى: "وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين". نصيبك هنا، أي ما تحتاج إليه، وليس الاستيلاء على مال الآخرين، "لا يحب المفسدين قمة الرقة في العقاب، أو الحض على الاجتناب". 

أن الإنسان فى الغرب بدأ يطرح حيرته، وحيرة المتقدم أشد وطأة، لأنه وصل إلى الاشباع، أما حيرة المتأخر المتخلف فمحدودة، أقصاها الاستثناء، إن الفقير يحتضر فى الحرمان والمتقدم يتحضر من الحرمان، وإن اختلف مضمون الحرمان عند كليهما، فالثانى يحتضر احتضاراً بشعا من فرط ما عنده، وهنا يأتى الإسلام بدعوة الأخذ بنصيب من الدينا والعمل للآخرة إجابة شافية على حيرة الإنسان فى عصرنا الحالى.

فالإنسان اليوم بحاجة إلى ما يرضي عقله، ويشبع روحه، ويعيد إليه ثقته بنفسه وطمأنينته التي بدأ يفقدها في زحمة الحياة المادية وما فيها من ألوان الصراع العقائدي المختلفة، وبهذا يحقق معنى إنسانيته. 

وليس التصوف هروبًا من واقع الحياة، كما يقول خصومه، وإنما هو محاولة من الإنسان للتسلح بقيم روحية جديدة تعينه على مواجهة الحياة المادية، وتحقق له التوازن النفسي حتى يواجه مصاعبها ومشكلاتها، ولهذا المفهوم يصبح التصوف إيجابيًا لا سلبيًا، ما دام يربط بين حياة الإنسان ومجتمعه.

التصوف معني بالأخلاق "تصحيحًا"لظاهرة التدين الشكلي، "تجديدًا"للخطاب الديني

كثيرة هي تعريفات التصوف، ولكن يظل هناك أساس واحد للتصوف لا خلاف عليه، وهو أنه أخلاقيات مستمدة من الإسلام، ولعل هذا ما أشار إليه ابن القيم في مدارج السالكين قائلًا: "واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الحق"، وعبر عنه الكياني بقوله: "التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء"، التصوف إذن في أساسه خلق، وهو بهذا الاعتبار روح الإسلام لأن أحكام الإسلام كلها مردودة إلى أساس أخلاقي.

ذلك أننا إذا نظرنا إلى القرآن الكريم فسنجده قد جاءنا بأنواع مختلفة من الأحكام الشرعية، وهي تندرج بوجه عام تحت ثلاثة أقسام رئيسية: العقائد، والفروع من العبادات والمعاملات، والأخلاق. 

أما العقائد فتشمل الإيمان بالله الصانع القادر المختار ووحدانيته وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وأما الأحكام الشرعية الفروعية التي تضمنها القرآن وتشمل أحكام العبادات والمعاملات، بقيت بعد ذلك ناحية الأخلاق في القرآن، فقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على مكارم الأخلاق، كالزهد والصبر والتوكل والرضا والمحبة واليقين والورع وما إليها، وقد بين لنا القرآن أن الرسول الكريم هو الأسوة الحسنة لمن يريد التكمل بهذه الفضائل في أرقى صورها.

والحقيقة أن أخلاق الإسلام هي أساس الشريعة بحيث إذا اقتصرت أحكام الشريعة، سواء في ذلك الأحكام الاعتقادية أو الأحكام الفقهية، إلى الأساس الخلقي كانت صورة لا روح فيها، أو هيكلًا فارغًا من المضمون.

إن التدين ليس مجرد التمسك بشكليات الدين دون جوهره، أو ادعاء الدين لتحقيق مأرب ذاتية وإنما التدين هو الفهم الواعي للدين والعمل به، بما يربط حياة التعبد بحياة المجتمع، فلا ينعزل الدين ويتقوقع أصحابه بعيدًا عن حقائق الحياة.

إن أهم ما ينبغي أن يفهم عليه الدين أنه في جوهره أخلاق بين العبد وربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين أسرته، ثم بينه وبين أفراد مجتمعه.

فأحكام الشريعة كلها مردودة إلى أساس أخلاقي، والتصوف معني بالأخلاق، وهو بهذا الاعتبار روح الإسلام، ولكي يتبين ذلك في وضوحٍ، تنظر في أحكام الإيمان أولًا:

إن الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته تنافي أخلاق الحرص والجزع والخوف وعبادة المال، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وينافيه أيضًا الاستناد إلى الخلق دون الخالق، وقهر اليتيم أو الضعيف، وقساوة القلب وغلظته، وانعدام الأمانة، وما لم يطرح الإنسان من نفسه هذه الأخلاق المذمومة لا يكون إيمانه كاملًا صحيحًا.

ولعلك تدرك هنا عمق المعنى في أحاديث الرسول الكريم مثل قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، ومن الملاحظ بعدها هذا أيضًا أن جميع عبادات الإسلام ومعاملاته ما لم تقم على أساس أخلاقي لا يكون لها قيمة أو فائدة، ولا تكون مقبولة عند الله، وخذ من ذلك بعض الأمثلة:

الصلاة: تجدها في الإسلام طهارة للنفس، وترقيقًا للقلب، وتحلية للإنسان بفضائل الهيبة والخشوع والمشاهدة والمراقبة والمناجاة مع الله تعالى والأنس به، وبدون هذه المعاني تكون الصلاة هيكلًا فارغًا من المضمون. وانظر إلى الزكاة تجدها أيضًا تطهيرًا للنفس وتزكية للقلب، وركنًا من أركان العدالة الاجتماعية التي دعا إليها الإسلام، ألم يقل الله تعالى لنبيه: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"وألم فيه الشارع عن المن بالزكاة على الغير، وأمر بالابتعاد بها عن معنى الرياء؟!، وتأمل الصوم تجد له غايتين الأولى، صفاء النفس وضبط الإرادة مما يمكن الإنسان من التدرج في مدارج الكمال الأخلاقي، فيتحقق معنى إنسانيته في هذه الحياة، والثانية الترقي بالمجتمعات البشرية بعد الترقي بأفرادها أخلاقيًا. 

ومعاملات الإسلام أيضًا لابد لها من قواعد أخلاقية معينة يراعيها المسلم مع من يتعامل معه من أفراد مجتمعه فلا استغلال ولا احتكار ولا غش، ألم يقل الرسول الكريم من غش أمتى فليس مني؟، وألم يقل أيضًا "التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء".

وقد سئل إبراهيم بن أدهم أحد كبار الزهاد في الإسلام عن التاجر الصدوق أهو أحب إليه أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: "التاجر الصدوق أحب إلى لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده".

يتبين لك إذن أن جوهر الدين هو الأخلاق، ولعلك تدرك بعد هذا عمق المعنى في قوله تعالى مخاطبًا الرسول: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

وقد رسم لنا الإسلام طريقة التحقق بالكمال الأخلاقي الذي دعا إليه، فأمرنا بجهاد النفس بتخليها عن مذموم الأخلاق، وتحليتها بالأخلاق المحمودة، ويجب أن ننتبه إلى أن الإسلام حين يدعو إلى جهاد النفس حريص كل الحرص على تكوين المواطن الصالح من أجل المجتمع الصالح، لأنه إذا صلح الفرد صلح المجتمع، وإذا فسد الفرد فسد المجتمع.

أدرك صوفية الإسلام أهمية الأساس الأخلاقي للدين فجعلوا اهتمامهم موجهًا إليه، وذهبوا إلى أن أي علم من العلوم لا يقترن بالخشية من الله والمعرفة به فلا جدوى منه ولا طائل تحته، ولما بحثوا في الأخلاق على هذا النحو الذي أشرنا إليه على اعتبار أنها جوهر الدين، أنشأوا بذلك علمًا مستقلًا مكملًا لعلمي الكلام والفقه، فاعتبر عند المسلمين من العلوم الشرعية، أي العلوم التي تستمد من القرآن والسنة. ومن هذا يتبين لك أن التصوف في الإسلام، كعلم ديني، يختص بجانب الأخلاق والسلوك، وهو روح الإسلام.      

طباعة