متابعات تحليلية

حالة قوى المعارضة بعد مرور 4 سنوات على 30 يونيو

د. زياد عقل * 6410 6-7-2017
طباعة

لعل القاسم المشترك الأكثر شيوعًا بين الثورات هو اختلاف نتائجها عن أصولها، ومُسبباتها عن مُخرجاتها أو  نتائجها، فقد تنجح الثورة في إزاحة حاكم من خلال تحالف عريض بين القوى والنخب، وآليات عمل سياسي، وفي بعض الأحيان يحدث ذلك نتيجة تدخلات عسكرية وفقًا لنمط كل ثورة. ولكن تجارب الثورات على مر التاريخ توضح أنه قلما تستمر تحالفات ما قبل الثورة في مرحلة ما بعد إسقاط النظام، وأن صراعات وتوازنات القوى تخلق واقعًا سياسيًّا جديدًا لا يُفضي بالضرورة للسعي لتحقيق مجمل الأهداف التي قامت من أجلها الثورة وطالبت بها القوى التي تحالفت مع بعضها البعض في ذلك الوقت، فلم يمثل ماكسميليان روبسبيار وما أمر به من مذابح ما قامت من أجله الثورة الفرنسية، ولم يكن حكم ستالين هو المرجو من الثورة البلشفية، ولم يكن التيار الإسلامي وحده هو الفاعل في الثورة الإيرانية ولكنه قام بإقصاء سائر التيارات التي كانت ضلعًا أساسيًّا في الحراك السياسي ضد الشاه. ولكن على الرغم من انتشار نموذج اختلاف الأصول عن النتائج في الحالات الثورية، إلا أن المسار الذي تتخذه كل حالة يكون نتاجًا لمجموعة عوامل وسياقات سياسية ومجتمعية تختلف من حالة إلى أخرى.

وبالنظر للحالة المصرية، نلاحظ أن هناك حالة تراجع واضحة لقوى المعارضة التي كانت أحد أهم أبعاد التعبئة والحشد ضد نظام حكم محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، بل وكانت في صدر المشهد عندما قام وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي بإلقاء بيان 3 يوليو 2013. وكان هذا التنوع الفكري والسياسي هو أحد الآليات التي استخدمها تحالف 30 يونيو لفرض شرعيته بعد أن تحركت الجماهير للمطالبة برحيل محمد مرسي. تضمن هذا التحالف عددًا من الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية، بخلاف الآلاف من الشباب الذين احتشدوا ضد حكم محمد مرسي منذ صدور الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 وحتى إنهاء حكمه في 3 يوليو، سواء انتمى هذا الشباب لحركات اجتماعية محددة أو لم ينتم إلى أي كيانات تنظيمية، ولكنه لجأ لاستخدام المساحة العامة من خلال التظاهر ضد نظام مرسي. المناخ السياسي أو البيئة السياسية في مصر في الوقت الراهن اختلفت كثيرًا عن تلك التي سبقت خروج الجماهير في 30 يونيو 2013، وتظل قوى المعارضة في أي نظام سياسي تعمل داخل منظومة من شقين، الشق الأول هو البيئة السياسية التي تُرسي قواعدها الدولة من خلال التشريعات، والعملية السياسية المؤسسية، وضبط  المجال العام. والشق الثاني يتعلق بالتحديات الداخلية التي تواجهها قوى المعارضة فيما يتعلق بالتنظيم، وبناء التحالفات، واستخدام آليات للعمل السياسي تتفق مع البيئة السياسية السائدة. والواقع أن قوى المعارضة في مصر تعاني من مشكلات فيما يتعلق بهذين الشقين، وهو ما أدى لوضعها الحالي من تهميش وتراجع.

ولعل النقطة المحورية التي تربط الشقين ببعضهما البعض هي استخدام المساحة العامة، وهي تعد المعضلة الحقيقية التي تواجهها قوى المعارضة اليوم، ففيما يتعلق بالبيئة السياسية، بات هناك ضوابط عديدة على استخدام المساحة العامة كأحد آليات العمل السياسي،  أبرزها قانون التظاهر الذي وضع عددًا من الضوابط على آلية التظاهر، أهمها هو الأخذ بآلية الحصول على تصريح مسبق من وزارة الداخلية، وليس آلية الإخطار.لكن قانون التظاهر لم يكن الأداة الوحيدة التي لجأت لها الدولة لضبط استخدام المساحة العامة، فهناك أيضًا الحضور الأمني المكثف للدولة للسيطرة على التحركات الجماهيرية وضبطها،، بالإضافة إلى صدور عدد من الأحكام القضائية التي حظرت أنشطة عدد من الحركات الاجتماعية، فضلًا عن صدور عدد من الأحكام القضائية الأخرى بحق قيادات بعض تلك الحركات.

أما فيما يتعلق بالتحديات الداخلية، فيمكن القول إن قوى المعارضة في مصر تواجه أزمة عدم وجود آلية بديلة للعمل السياسي بخلاف الاعتماد على استخدام المساحة العامة سواء من خلال التظاهر أو العمل السياسي غير المؤسسي، فقد اعتمدت قوى المعارضة على آلية التحرك الجماهيري من خلال استخدام المساحة العامة، خاصة في الفترة التي تلت ثورة 25 يناير، ولكن مع التغير في البيئة السياسية في مرحلة ما بعد 30 يونيو، باتت تكلفة استخدام المساحة العامة عالية بالنسبة للكيان السياسي، وبالتالي تراجع دور قوى المعارضة كنتيجة لعدم التمكن من إيجاد أُطر جديدة للعمل السياسي تتفق مع ضوابط المجال العام والبيئة السياسية في الفترة الحالية، وهو ما يكشف بدوره عن ضعف تنظيمي لقوى المعارضة الليبرالية واليسارية والقومية في مصر.

كما تعاني قوى المعارضة في مصر من انهيار التحالفات بين بعضها البعض. وقد بدأت الأزمة عندما انهار التحالف العريض الذي قاد المشهد في يوليو 2013، وجاء عدد من القضايا الخلافية التي زادت من حجم الانشقاق داخل هذا التحالف. تلى ذلك الانهيار مرحلة من "البيات الشتوي" للقوى السياسية استمرت لمدة عامين، حيث لم يكن هناك مجال لعمل جماهيري، كما لم تشهد الانتخابات البرلمانية منافسة سياسية وحزبية كافية تستطيع من خلالها قوى المعارضة أن تعمل في الإطار الرسمي للعملية السياسية، وهو ما أدى للمزيد من التفكك نظرًا للضعف التنظيمي لأغلب قوى المعارضة التي لم تتمكن من البقاء متماسكة في ظل زيادة التحديات المتعلقة بممارسة العمل السياسي، كما لم تستطع بناء الأحزاب السياسية الخاصة بها. ولعل الحراك السياسي المتعلق باتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، أو بمعنى أدق، بجزيرتي تيران وصنافير، قد أثبت أن قوى المعارضة لم يعد لديها القدرات التعبوية التي كانت تمتلكها خلال مرحلة الحشد ضد نظام محمد مرسي. وبالرغم من تنظيم بعض التظاهرات على خلفية إقرار الاتفاقية داخل البرلمان، إلا أن هذه التظاهرات كانت كاشفة بشكل واضح عن واقع وحال ضعف المعارضة السياسية في مصر، كما كانت كاشفة في الوقت ذاته عن نجاح الدولة في التعامل مع هذه التظاهرات.  والنقطة الأهم هي عدم قدرة قوى المعارضة على جذب عناصر جديدة، فمن شاركوا في تظاهرات تيران وصنافير هي الكتلة المُسيسة من قبل 25 يناير، أو تلك التي التحقت بالعمل السياسي في أعقاب ثورة يناير، ولكن القوى السياسية المعارضة (نتيجة لعوامل عدة) لم تعد قادرة على الترويج لنفسها لاكتساب عناصر مؤيدة جديدة.

وفي ظل هذه الظروف، بات منطقيًّا طرح تساؤل حول مستقبل قوى المعارضة في مصر، فلا يوجد نظام سياسي ديمقراطي قادر على البقاء دون إتاحة مساحة للمعارضة، ولكن في الوقت ذاته، استخدام المساحة المتاحة للمعارضة (أيًّا كان حجمها) يظل مرهونًا بقدرة قوى المعارضة على التنظيم لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في سياق البيئة السياسية السائدة. وبالتالي، هناك تحديان أساسيان يواجهان قوى المعارضة في مصر، الأول يتعلق بفتح المجال العام أمام العمل السياسي، وهو تحدي يجب أن تخوضه القوى السياسية لتخفيف الضوابط المفروضة على هذا المجال. لإقناع الدولة بتوسيع التحدي الثاني هو إعادة التنظيم الداخلي وإعادة صياغة التحالفات والعمل على إفراز قيادات جديدة، وهو ما يُعد تحديًّا في غاية الصعوبة، ولكن تظل هناك فرصة ذهبية أمام قوى المعارضة تتمثل في انتخابات الرئاسة عام 2018، والذي صار فتح باب الترشح لها على بعد أشهر قليلة. ومما لا شك فيه لن تتمكن قوى سياسية تعاني من هذا الكم من التفكك، وغياب التنظيم، من الفوز بانتخابات رئاسية، ولكن من الممكن أن تكون هذه الانتخابات مدخلًا لخلق آلية جديدة للعمل السياسي تعمل من داخل إطار الدولة، وتتفق مع البيئة السياسية الحالية. بمعنى آخر، المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها قوى المعارضة في اللحظة الراهنة هي معركة إعادة التنظيم من أجل العمل على توسيع المجال العام.     

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية