متابعات تحليلية

تيران وصنافير... مشكلات العقل الحاكم للجدل العام في مصر

سعيد عكاشة * 7526 22-6-2017
طباعة

ربما لم تشهد مصر منذ نهاية حكم جماعة الإخوان المسلمين جدلًا بالسخونة التي شهدها  النقاش في المجال العام حول اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية في الآونةالأخيرة. وبدون إنكار أهمية الموضوع في حد ذاته وما أظهره من خلافات مع أو ضد الاتفاقية، فإن الكشف عن السمات العامة للعقل الذي أدار هذا النقاش على الجانبين المؤيد والمعارض، تبدو كاشفة لواقع يثير إشكاليات متعددة، أخطرها انقسام الرأي العام على نفسه، وعدم قدرته على صوغ قواعد موضوعية للحوار حول القضايا الخلافية مستقبلًا. 

وقبل تناول هذا الموضوع المهم، من الضروري الإشارة إلى نقطتين مهمتين:

الأولى، أنه لابد من الإقرار أولًا أن العديد من جماعات الضغط وجماعات المصالح (أحزاب، جمعيات، مؤسسات إعلامية وأكاديمية ... إلخ) كانت قد دخلت في خصومة مع نظام الحكم حول قضايا متنوعة مثل السياسات الاقتصادية، والحريات السياسية، والتشريعات، قبل بدء النقاش والجدل حول موضوع ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، الأمر الذي لعب دورًا لا يمكن إنكاره في حفز مواقف الإدانة والرفض لأية قرارات أو تصورات تصدر عن النظام دون وضعها(أي التصورات) على محك النقاش والحكم الموضوعي لمدى فائدتها للدولة والمجتمع.

الثانية، أن وسائط  التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية لعبت دور الأداة التي أظهرت خصائص العقل الحاكم للجدل والنقاش العام في هذه القضية. ورغم أن دور هذه الوسائط لم يكن جديدًا بعد أن سبق لها أن أسهمت في إطلاق وتوجيه ثورات الربيع العربي، إلا أن الأمر بات في حاجة لدراسة العلاقة بين هذه الوسائط كمصدر للمعلومات والتحليلات الموجهة للرأي العام أو لقطاعات مهمة منه خاصة الشباب، وبين نفس الوسائط ولكن بوصفها إطارًالاحتواء النقاش العام في القضايا التي تتصدر اهتمامات المجتمع. بمعنى آخر، بدا صعبًا للغاية تحديد الخط الفاصل بين فكرة الوسيط المحايد الذي ينقل الآراء المختلفة حول قضية ما، وبين الوسيط  الفاعل أو المشارك في هذا الجدل، إذ إن الإمكانيات التي تتيحها هذه الوسائط تمكن  المستخدمين لها من استبعاد الأشخاص الذين ينشرون معلومات أو يتبنون مواقف لا تخدم أو لا تتفق مع مواقفهم، وبذلك تتحول المجتمعات الافتراضية الناشئة على وسائط مثل "الفيس بوك"، أو "تويتر"وغيرها، إلى جزر منعزلة ومتحاربة بما يقلل من فرصة إقامة حوار حقيقي بين الآراء المختلفة.لكن هذه السمة السلبية، والتي تتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي على الدوام، تمكننا من الكشف عن خصائص العقل الحاكم في تناول شتى القضايا التي تشغل أبناء المجتمع الواحد، وتبرهن على وحدة خصائص هذا العقل رغم اختلاف المواقف التي يحاول التأصيل لها ونشرها.

أولًا: خصائص العقل الحاكم للجدل والنقاش العام داخل وسائط التواصل الاجتماعي

من خلال متابعة خبرة النقاش والجدل العامداخل وسائط التواصل الاجتماعي في مصر خلال السنوات القليلة الماضية، يمكننا أن نحدد خصائص العقل الحاكم لهذا النقاش في أربعة عناصر أساسية، نتناولها فيما يلي باختصار شديد.

1- السطحية

يبدو أن خاصية تسطيح القضايا المثارة للنقاش العام، لم يكن فقط وليد ضعف الثقافة العامة لدى الجمهور ، بل أيضًا لطبيعة هذه الوسائط التي لا تتيح بعضها على الأقل- من الناحية التقنية-فرصة تقديم شروحات وافية للمرتكزات التي يتم بناء المواقف عليها، وبالتالي تصبح الرسائل القصيرة التي تحمل المواقف أكثر مما تحمل الجانب المعرفي الذي يقف من خلفها، هي الوسيلة الوحيدة لتعريف قطاع واسع من المشاركين بقضية قد تكون في غاية التعقيد وتحتاج لشروحات واسعة لعناصر متعددة داخل هذه القضية لا يدركها كافة الجمهور المتلقي لهذه التعليقات. 

2- القبلية

نتيجة لعنصر التسطيح لعبت خاصية المتابعة followingالتي تتيح لآلاف الأشخاص تتبع آراء شخصيات عامة (صحفيين، باحثين ، أكاديميين)ممن يكتبون تعليقات قصيرة على كافة القضايا دون شرح... لعبت هذه الخاصية دورًا كبيرًا في تحويل حسابات المشاركين إلى ما يشبه علاقة أبناء القبيلة بشيوخها: حيث التبجيل وتقبل أحكام الكبار بدون مناقشة أو تفكير، وهو ما يمكن أننطلق عليه ظاهرة "البداوة الإليكترونية"؛حيث تصبح حدود كل قبيلة إلكترونية على وسائط التواصل الاجتماعي محددة بصرامة، وإذا ما تدخل عنصر من قبيلة - لا تتبنى نفس الموقف من قضية محددة بحكم خاصية الصداقة المشتركة mutual friends- فى حدود قبيلة آخرى سرعان ما يتم التهجم عليه وتوجيه اتهامات له بالخيانة أو العمالة لهذه الجهة أو تلك.وقد ينتهي الأمر بطرده عبر عدة خاصيات متاحة مثل blockأو unfollow، الأمر الذي يَصْب في زيادة القطيعة مع فكرة الحوار وتبادل المعلومات والأفكار،. وبالطبع في توسيع رقعة التسطيح. 

3- الشخصنة

كجزء مكمل لظاهرتي التسطيح والقبلية، تظهر خاصية شخصنة القضايا التي يتم اختزالها في الموقف من  شخص واحد يتم شيطنته أو تأليهه (رئيس الدولة  رئيس مجلس النواب، وزراء، أساتذة جامعات، شخصيات عامة نافذة مثل نشطاء لجماعات حقوقية أو صحفية .... الخ).فعند المؤيدين للدولة،أو رئيسها على سبيل المثال، يصبح البحث في مجال عمل أو نشاط شخوص معارضيه وسيلة للتشكيك في ولائه الوطني وتفسير موقفه بمصلحة خاصة أو عمالة لجهة خارجية.والأمر نفسه بالعكس بالنسبة لمعارضي الدولة أو رئيسها والذين يرمون نفس الاتهامات على معارضيهم. وتتواكب هذه الخاصية مع انتشار التفكير عبر نظرية المؤامرة التي تتصف بالقدرة التفسيرية الهائلة لكافة التناقضات، وهو ما يغذي خاصيتي السطحية والقبلية بقوة إضافية تعزز القطيعةوزيادة الشكوك وانعدام الثقة بين الأطراف التي قد تتحاور لحظيًا أو لفترة قصيرة قبل أن تنتقل لحرب هجومية ضد الطرف الآخر عبر وسائل أخرى.

4- التزييف

لا يقتصر التزييف في المعلومات على اختلاق أخبارأو وقائع غير صحيحة لنشرها بهدف دعم موقف طرف معين و تشويه نظيره المعارض، بل يمكن أن يظهر في صورة الاقتصار على نشر جانب من المعلومات والتقييمات المحيطة بقضية معينة، وتعمد إهمال أو منع نشر الجانب الآخر الذي لا يخدم هذا الموقف. تؤدي هذه الخاصية إلى نوع من "الدوجمائية"، حيث تتمسك الأطراف المختلفة بمواقف مبنية على معلومات منقوصة أو تفسيرات لمصادر ووثائق لا تنهض على أساس علمي سليم، الأمر الذي يحول الحوار إلى مايشبه حوار الأديان صاحبة العقائد المتضادة أو الأيديولوجيات المتصارعة حول طبيعة المسارات التي قطعتها البشرية منذ بدء تكون مجتمعاتها (الليبرالية في مواجهة الماركسية مثالا).

ثانيًا: تيران وصنافير كنموذج تطبيقي

بتتبع الحوار العام على وسائط التواصل الاجتماعي خلال الأزمة التي نشبت على خلفية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، نجد أن الخصائص الأربعة كانت هي الإطار الذي احتوى الجدل العام حول هذه القضية، خاصة من جانب أولئك المعارضين للاتفاقية.ويمكن أن نشير إلى ذلك في بضع نقاط مختصرة:

1- تعامل الكثيرون مع القضية من خلال ثقتهم بالرئيس عبد الفتاح السيسي أو عدائهم لشخصه بشكل مطلق، فكان الفريق الأول يختصر النقاش في أن الرئيس لا يمكن أن يفرط في أرض مصرية، بينما الفريق الثاني (وأغلبهم من الجماعات المعارضة للنظام بشكل مطلق مثل الإخوان، والاشتراكيين الثوريين) يستخدم الأحكام المستقاة من الخبرة العملية أو الثوابت الأيدولوجبة للحكم على الاتفاقية بدون مناقشتها بشكل موضوعي أو حتى قراءتها (خاصية الشخصنة).

2- دار الصراع بين طرفي القضية باستخدام تبريرات سطحية لما يجري. كان هذا واضحًا من خلال ما روجه المعارضون للاتفاقية على أنها تأتي في إطار بيع الأرض مقابل مبالغ مالية تدفعها السعودية الثرية لمصر الفقيرة.

3- تبدت خاصية التزييف من خلال استخدام الكثيرين لعبارات وصور خرائط بعضها كان غير ذي دلالة أو صلة،وأحكام قضائية غير نهائية، وشهادات ودراسات أكاديمية، وأفلام وثائقية، لإثبات صحة موقفه دون مراعاة لأبسط قواعد الموضوعية، حيث تم تمرير كل هذه الوسائل على المواقف المسبقة للطرفين، فكان الاقتطاع من السياق، وتعمد تجاهل الحقائق المضادة وتفسيرات المختصين لبعض القواعد والأحكام التي لا تخدم موقف هذا الطرف أو ذاك، بل وصل الأمر إلى حد التشكيك في الجدارة العلمية للبعض (الهجوم على د. فاروق الباز ، والخبراء العسكريين اللذين قالوا بسعودية الجزيرتين)، وتخوين البعض الآخر .

4- أما خاصية القبلية فقد اتضحت من خلال المعارك العنيفة بين طرفي القضية باستخدام الشتائم والتشهير المتبادل، وأخيرًا عمليات الطرد block  و التوقف عن المتابعة unfollow   وكان الكثيرون يعلنون عن استخدامهم لهذه الإمكانيات الموجودة في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي ذاكرين عدد من قاموا بشطبهم من قائمة أصدقائهم.

 خارج هذه المعركة كانت هناك كثرة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عبرت عن حيرتها من سوء مستوى النقاش.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية