متابعات تحليلية

انحيازات خاطئة... الحسابات التركية حيال الأزمة الخليجية- القطرية

طباعة

شكل الموقف التركي من الأزمة الخليجية- القطرية محركا رئيسيا فى مسار هذه الأزمة المتصاعدة، وذلك عبر جبهة مشتركة، حاولت طهران هي الأخرى أن تغدو سريعا أحد أضلاعها، ليتشكل بذلك مثلث إقليمي (الدوحة- طهران- أنقرة) في مواجهة موقف وإجراءات عدد من دول مجلس التعاون الخليجي. في هذا السياق، قامت أنقرة بتشكيل "غرف عمليات" أمنية ودبلوماسية، عنيت بإصدار المبادرات، وتبنى سياسات استهدفت وأد أية "تحركات غير تقليدية"، سواء على الساحة الخليجية أو الداخلية القطرية، بغرض الحفاظ على معادلة الحكم القطرية القائمة، وضمان عدم تقديم الدوحة أية تنازلات تؤثر فى نمط "التحالف" القائم بين البلدين.

وبناء على ذلك، انطلق سيل من التصريحات التركية بشأن الأزمة الخليجية، استهدف الترويج لفكرة أن الأزمة "مفتعلة"، وتتأسس على تصريحات قطرية "مفبركة"، وذلك بالتزامن مع التنديد بما أطلقت عليه أنقرة "حصار" خليجي للدوحة، أعلنت رفضها له، والعمل على إحباطه، عبر تسيير رحلات جوية مكثفة، وإرسال شحنات بحرية محملة بالبضائع والسلع، ضمن ما اُستهدف منها التغطية على إيفاد مستشارين عسكريين، ومعدات وعناصر عمليات خاصة لتأمين المنشآت الحيوية القطرية، وذلك بالتزامن مع بروز تقديرات أشارت إلى أن هذه التطورات جاءت بالتنسيق والتوازى مع استدعاء قطر لعناصر من "الحرس الثوري" الإيرانى للاضطلاع بالمهمة ذاتها، والتى ارتبطت بتعزيز التحكم فى المعادلة الأمنية، وتوجيه إنذارات للقوى الخليجية بـ"تضامن ثلاثي" جديد ينقل الأزمة من مربع الأزمات العربية إلى وضعية الصراعات الإقليمية.

"القاعدة التركية" فى قطر

بدا واضحا من طبيعة الإجراءات الخليجية حيال الدوحة مدى التباين بين هذه الأزمة وتلك التى شهدتها العلاقات المشتركة عام 2014، على النحو الذى جعل الأتراك يعتبرون أن التدابير الخليجية الطارئة حيال قطر تنذر بالاستعداد لصراع عسكري، سيما أنها ترافقت مع حركة غير عادية، عبر الحدود السعودية – القطرية، وتعبئة القدرات العسكرية المحدودة لقطر، بما جعل الصراع يبدو منطلقا من "معادلة صفرية"، لا مجال فيها للمساومات أو لـ"حلول وسط"، يمكن أن تُكسب الدوحة فيها، عبر أنقرة، مزيدا من الوقت.

ترتب على ذلك تمرير البرلمان التركى سريعا لاتفاقيتين عسكريتين وُقعتا أواخر عام 2014 و2015، وشملتا إنشاء قاعدة عسكرية تركية فى قطر، وتدريب قوات الأمن القطرية، عبر إجراءات تضمنت تحويل عشرات الجنود الموجودين على الأراضى القطرية فعليا إلى آلاف الجنود الأتراك (ما بين 3000 إلى 5000)، مع إنشاء قيادة عسكرية يقودها قطرى، شرفيا، وجنرال تركى، عمليا، بالتزامن مع إرسال فريق مكون من نحو 25 – 30 شخصا لمكافحة المتفجرات.

وشمل الاتفاق تسخير كل الأجواء والموانئ والمعسكرات والطائرات والمجال الجوى القطرى تحت إمرة القوات التركية، وتوفير دعم مالى سريع قُدِّر بنحو 8 مليارات دولار، وعدم جواز نقض بنود الاتفاقيات المشتركة، عبر أى إجراءات قانونية أو قضائية، والنص على أن تسوية أى خلافات محتملة تكون عبر آلية التفاوض بين حكومتى الدولتين.

وقد مثلت التحركات التركية تجاوزا لكل المعادلات الأمنية فى الخليج، انطلاقا من أن التسريع بنقل الجنود والطائرات والآليات التركية إلى الدوحة، جاء على خلفية الاستقطاب الذى تشهده منطقة الخليج، وتزامن مع اتخاذ تدابير عقابية لتعديل السلوك القطري، بما يعنى أن تركيا أدخلت نفسها، قسرا، فى أتون الصراعات بين دول مجلس التعاون، سيما إذا ما أخذ فى الحسبان طبيعة تصريحاتها وتحركات قياداتها حيال الأزمة منذ تفجرها فجر 5 يونيو 2017.

ارتبط ذلك، على جانب آخر، بنمط التوافقات التى أوضحتها تصريحات وزير الخارجية الإيرانى من أنقرة، فى 7 يونيو 2017، بشأن "تقاسم المصالح" بين البلدين فى منطقة الشرق الأوسط، وما بدا من توافقات مشتركة حيال العمل الثنائى لتوسيع هامش المناورة أمام القيادة القطرية فى مواجهة الضغوط الخليجية، على نحو يشير إلى تحول الساحة القطرية إلى ساحة صراع إقليمي، ولكنها، على العكس من ميادين الصراع الأخرى كسوريا والعراق، تحظى بتوافقات سياسية وأمنية بين اللاعبين الإيرانى والتركي.

تكتيكات التحرك التركي

اعتمدت تكتيكات السلوك التركى على معادلة التحرك فى مسارات متوازية، عبر التصعيد العملياتى بتكثيف الوجود العسكرى والاستخباراتى على مسرح العمليات القطري، ومحاولة التهدئة مع المملكة العربية السعودية، وفتح قنوات اتصال مع الكويت، والهجوم شبه المباشر على كل من مصر والإمارات، وذلك فى محاولة تركية تستهدف اتخاذ خطوات استباقية فى مواجهة مفتوحة (بين أنقرة ودول عربية) تنقل بمقتضاها ميدانها من مجالها المحلي ومحيطها الجغرافي، إلى قلب منطقة الخليج.

لذلك، يبدو أن ضمن ما استهدفته تركيا من وراء تمرير الاتفاقيات القطرية – التركية، بالتزامن مع تفاقم الأزمة الخليجية، "ردع" دول الخليج الأخرى، سيما فى ظل تصريحات الرئيس التركى فى أثناء لقائه مؤخرا مع وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، حيث أشار إلى أن هذه القاعدة معنية بحماية الأمن الخليجى كافة، بما يشير بطريقة غير مباشرة إلى كونها تقوم على حماية قطر، وأن أدوارها، فى الوقت ذاته، قد تتجاوز حدود الدوحة، بما يمنحها صلاحيات لم تطلبها دول الخليج الأخرى، ولم يُتفق عليها، وهى منوطة بالأساس بتوافقات إقليمية ودولية تتجاوز القدرات التركية.

محركات السياسة التركية حيال قطر

ترتبط محركات السياسة الخارجية التركية حيال الدوحة بمجموعة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلا عن الاعتبارات التاريخية. فعلى الصعيد الاقتصادي ثمة توجه من قبل الدولتين (تركيا وقطر) لتأسيس صندوق ثروة سيادية مشترك. وتسعى أنقرة، فى هذا السياق، إلى الاستفادة من أصول قطرية تقدر بنحو 335 مليار دولار فى صندوق الثروة السيادي، الذى أنشأته الدوحة عام 2005، فضلا عن المليارات من الدولارات، عبر المشاركة فى الأعمال التحضيرية لاستضافة الدوحة لكأس العالم، والذى خُصصت له ميزانية تقدر بنحو 170 مليار دولار.

وقد أشارت بعض التقديرات إلى أن ثمة توجه قطرى- تركى مشترك لغض النظر عن خط غاز "شرق المتوسط"، لما يواجهه من صعوبات وتحديات، وذلك لصالح خط غاز جديد يمر من الدوحة إلى طهران، ومنها إلى تركيا، ثم الدول الأوروبية. ارتبط ذلك، على جانب آخر، بمحركات توطيد العلاقات الإيرانية مع قطر، سيما بعد أن بدأت طهران قبل نحو شهرين، فى إعادة إنتاج الغاز من حقل الشمال البحري، وهو أكبر حقول الغاز القطرية، ويعد حقلا مشتركا مع إيران، التى لم تتمكن من استغلاله من قبل، بسبب الحظر الاقتصادى ونظام العقوبات الذى كان مفروضا عليها بسبب برنامجها النووى.

وتشير تقديرات فى هذا السياق إلى أن وضع الدوحة فى سوق الغاز العالمى يبدو مهددا من قبل روسيا واستراليا، كما أن زيادة الإنتاج القطرى- الإيرانى من هذا الحقل يمكن أن يرفع المعروض من الغاز الطبيعى المسال إلى أكثر من 300 مليون طن سنويا، مما يفرض على طهران استغلال فرصة تصدع العلاقات الخليجية– القطرية، لدعم أواصر العلاقات مع الدوحة، بما يعزز مصالحها الاقتصادية والتجارية.

وعلى الصعيد السياسي، لم تكن أنقرة تبتغى أن تبقى شريكتها الدوحة أسيرة الصفقات مع طهران أو موسكو، لذلك أسرعت لتقديم الدعم السياسى والإعلامى والعسكري، استباقا للآخرين، وملء لفراغ تقوم سياساتها على اقتناصه. ارتبط ذلك عسكريا أيضا بمحركات التوجه نحو إعادة توظيف "القوة الخشنة" لخدمة المصالح التركية، وهو ما يعكسه الوجود العسكرى التركى داخل الأراضى العراقية والسورية، وعبر قاعدة عسكرية فى قطر، وذلك انطلاقا من محركات تاريخية ترى حقوقا تركية تاريخية فى العراق وسوريا التى تخطت حدودها فى ذكرى مرور 500 عام على معركة مرج دابق (8 أغسطس 1516).

فى سياق متصل، قال زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، فى معرض تعليقه على الأزمة الخليجية- القطرية، إن قطر كانت "تُحكم إبان السلطة العثمانية بواسطة قائم مقام يتبع الباب العالي". هذا فيما أشار رئيس الوزراء السابق، أحمد داوود أوغلو، والذى يعد "مهندس" التوافقات التركية– القطرية، عبر فيديو نشره مؤخرا على حسابه الرسمى فى "فيسبوك"، قال فيه إن علاقة تركيا مع قطر فى الأصل علاقة تاريخية ترجع إلى "العهد العثماني"، طواها النسيان وتجددت مؤخرا.

بناء على ذلك، فإن تركيا لم تستجب إلى الدعوة التى وجهها الكاتب التركى، مراد يتكين، بألا تلمس أنقرة الأزمة القطرية إلا عبر "كماشة دبلوماسية لا بأيدٍ عارية"، وذلك بعد أن وضعت إمكانياتها فى خدمة السياسات القطرية، والتى باتت بدورها -نظير ذلك- أسيرة السياسات التركية بالمطلق، سيما أن الطرفين يعملان بدأب على "سلخ" مناطق فى سوريا، عبر مشاريع مختلفة تستهدف دعم السيطرة التركية على مناطق التمركز العسكري، كما ترتبط الدولتان بأيديولوجية حاكمة تقوم على الولاء لجماعة الإخوان المسلمين، واستخدام التنظيمات المسلحة لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية، لتمديد نطاقات النفوذ فى مناطق الجوار وساحات التوترات والصراعات الإقليمية.

هذه المعطيات فى جملتها، تعنى أن تركيا انحازت إلى إيران والدوحة المتهمتين بدعم التنظيمات الراديكالية، وأن المكاسب قصيرة المدى قد تستجلب خسائر فادحة على المديين المتوسط والطويل. فلم يعد من الممكن أن توظف تركيا شعارات مجابهة "التمدد الشيعي" لاستجلاب الاستثمارات والأموال الخليجية.

علاوة على أن أنقرة أضحت مصنفة فعليا فى صراع تكتلات ومحاور إقليمية تصطف بناء على الموقف من قوى التطرف والإرهاب، سواء كانت جماعات أو دول، وهو ما يعنى خسائر محتملة تأتى فى وقت يتصاعد فيه التحدى الكردي، والانسحاب الألمانى من قاعدة إنجرليك، والانخراط فى مواجهة محتملة مع دول الخليج العربي، ووصول التوترات مع واشنطن إلى مستوى الأزمة. هذا بالتزامن مع تفجر المواجهات فى جنوب شرق البلاد، وتزايد مظاهر ضعف عسكرى واضح بسبب عمليات الإحلال والتبديل داخل الجيش، وهى معادلات ومؤشرات تشير جملتها إلى تحديات تركية مزمنة. وإذا لم تراجع تركيا مواقفها سريعا حيال العديد منها، وفى مقدمتها الأزمة الخليجية- القطرية، فلن يكون الرهان على القيادة القطرية الراهنة أكثر حكمة من الرهان على المجموعات الإرهابية، والتيارات الراديكالية، والعناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل البلدان العربية.

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية