إصدارات المركز - الملف المصري

وضع منظمات حقوق الإنسان فى مصر بعد 2013

نجادالبرعي 2006 30-5-2017
طباعة

المنظمات الحقوقية المصرية وفق تعريفنا لها هي"الكيانات التي كان من بين أهدافها الأساسية الدفاع عن حق أو أكثر من حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية ؛ أو الدستور المصري أو في أي قانون مصري آخر، أيًّا كانت الوسيلة أو الوسائل التي تختارها للدفاع عن تلك الحقوق".  وخلال  العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين تزايد عدد المنظمات الحقوقية  المصرية والتي بدأت في ثمانينات القرن الماضي بعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ليصل إلى المئات في نهاية العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين. واعتبارًا من عام  ٢٠٠٥ اكتسبت الأشكال القانونية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان اعترافًا مجتمعيًّا متزايدًا؛ وإقبالاً شديدًا على أنشطتها؛ كما شهدت بعض "التسهيلات"التي كانت تقدمها إليها البيروقراطية  المصرية حسب نوع النشاط الذي تقوم به .

لا يوجد حصر معتمد لعدد المنظمات  الحقوقية في مصر، فعلى صعيد الجمعيات الأهلية أسهم القانون ٨٤ لسنه٢٠٠٢ بإعطائه الحق للجمعية بالعمل في أكثر من ميدان اجتماعي، إلى تزايد عدد الجمعيات التي تضع ميدان حقوق الإنسان ضمن ميادين عملها على سبيل الاحتياط؛ كما أن الكيانات الحقوقية التي تم تسجيلها تحت قانون الاستثمار أو القانون التجاري أو القانون المدني كشركات تعمل باعتبارها شركات "أبحاث ودراسات"؛ "تدريب  وتنمية"؛ أو حتى "ترجمة وطباعة ونشر". أما من اختار أن يسجل وفقًا لقانون المحاماة أو قانون المهن الطبية فهو يعمل ك "مكتب  للمحاماة"أو "عيادة طبية"حسب الأحوال؛ وهم في كل ذلك يختلطون بغيرهم وبالتالي لا يمكن حصرهم.

المحنة البدايات:

بدأ الهجوم على المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان حتى قبل أن يتخلى الرئيس الأسبق مبارك عن السلطة؛ ففي ٣ فبراير ٢٠١١ وأصوات المتظاهرين في ميدان التحرير تنادي الرئيس مبارك "ارحل"كانت قوات من الشرطة العسكرية تقتحم مركز هشام مبارك للقانون وهو منظمة حقوقية عريقة تعمل منذ تسعينات القرن الماضي. لم يكن تخلي مبارك عن السلطة هو سقوط لنظامه ولكن الحقيقة أنه كان سقوطًا لرأس النظام فقط بينما بقي النظام سليمًا في مجمله لم يمس. وحتى قبيل الاستفتاء الشهير على التعديلات الدستورية في مارس ٢٠١١ ، بدا أن بقايا النظام السابق تريد أن تنتقم من الحركة الحقوقية المصرية التي تصورت أنها لعبت دورًا بارزًا في تهيئة المناخ لثورة يناير. على أن هذا لم يكن كل الحقيقة وقد أثبتت مذكرات السفير أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق وأقوال السفيرة فائزة أبو النجا وزير التعاون الدولي الأسبق  في تحقيقات القضية ١٧٣ لسنة٢٠١١ أن الموضوع كان أعمق من ذلك .

كان هناك داخل الدولة المصرية فريقان، فريق يتزعمه عدد من الإصلاحيين مثل على الدين هلال وحسام بدراوي ومفيد شهاب وغيرهم؛ مدعومين برأي بعض "أجهزة الأمن الداخلية"  يري أن وجود تلك المنظمات ضرورة لإعطاء وجه مصر الدولي على الأقل شكلاً ديمقراطيًّا مختلفًا في وقت تصاعدت فيه الضغوط على النظام السياسي للقيام بإجراءات إصلاحية خاصة من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وفريق آخر كانت تقوده الخارجية المصرية والوزارات المنبثقة عنها مثل التعاون الدولي بدعم من أجهزه أمنية "سيادية"كان يرى أنه لابد من كبح جماح تلك المنظمات ومنعها من العمل والاتجاه إلى معاملتها معاملة خشنة أيًّا كانت النتائج التي كانوا يرون أنها لن تكون في كل الأحوال أسوأ من نتائج ترك تلك المنظمات تعمل بحرية!!. من الطريف أن ثورة يناير ٢٠١١؛ قد أطاحت بكل الإصلاحيين داخل الحزب والدولة؛ بينما بقي الأكثر تشددًا في أماكنهم وورثوا السلطة بالكامل وبالتالي فحلم بناء الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان كان في حقيقته "أحد ضحايا ثورة يناير ٢٠١١".

بدأت المعركة ضد المنظمات الحقوقية أولاً عبر الصحف ووسائل الإعلام التي هاجمت قرارًا للحكومة الأمريكية بمنح مبلغ من المعونة الاقتصادية التي تقدمها  سنويًّا لمصر إلى ثلاث منظمات غير حكومية أمريكية هي المعهد الجمهوري والمعهد الديمقراطي وبيت الحرية؛ وقادها عدد من الإعلاميين قريبي الصلة بدوائر الحكام الجدد؛ ثم تطورت المعركة لتأخذ شكلاً يبدوا منه أن نشاط المنظمات الحقوقية ليس هو المشكلة ولكن المشكلة هي "التمويل". وهكذا أصدر مجلس الوزراء قرارًا بتشكيل لجنة من الوزيرة أبو النجا ومعها وزيري العدل والتضامن الاجتماعي لبحث موضوع التمويل الأجنبي للجمعيات والكيانات الأهلية المصرية تبعه تكليف لجنة برئاسة مساعد وزير العدل لشؤون التشريع ببحث الموضوع من الناحية القانونية.

قدمت اللجنة تقريرًا بدا منه بوضوح أن المنظمات الحقوقية هي المستهدفة؛ فقد تركت اللجنة كل الموضوعات التي حققتها واكتفت بالقول بأن أغلب المنظمات الحقوقية المصرية قد تم تسجيلها كشركات وليس كجمعيات أهلية الأمر الذي يجعلها تقع تحت طائلة التجريم. بل وطلبت من مجلس الوزراء –كان التشريع وقتها بموجب مراسيم تشريعية –أن يسند إليها حق تحريك الدعوى العمومية وإحالة المنظمات المخالفة إلى القضاء. وأصبح هذا التقرير هو حديث الصحف والإعلام؛ وتم التركيز على ما تتلقاه المنظمات الحقوقية من أموال دون الإشارة إلى ما تقوم به من أنشطة؛ كان الموضوع ببساطة هو نوع من أنواع القتل المعنوي واغتيال الشخصية للعاملين في هذا الميدان.

كانت المنظمات الحقوقية ماضية في عملها بهمة متصورة أنها تبنى مصر الجديدة؛ في حين أن مصر القديمة كانت تستعد للانقضاض عليها. بدأت القضية ١٧٣ لسنة ٢٠١١ تأخذ طريقها؛ تم ندب قضاة للتحقيق؛ هوجمت مقار منظمات حقوقية معروفة مثل المركز العربي لاستقلال القضاة والمحاماة وصودرت أجهزته؛ طبعًا إلى جانب مقار المؤسسات الأمريكية الثلاث المعهد الجمهوري والمعهد الديمقراطي وبيت الحرية؛ فضلاً عن منظمة ألمانية "كونراد إديناور". كان رجال "الأمن"في الإعلام يسوقون كل ذلك على أنه  "رفض للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية "وأن مصر الثورة لا يمكن أن تقبل بما كان يقبل به تابع الأمريكان مبارك.

كان  الهدف هو إنهاء عمل المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في ضربتين متتابعتين الأولى عبر ضرب المنظمات الدولية؛ والتي كان النظام الجديد يرى أنها "حصان طروادة"في نشر أفكار حقوق الإنسان في مصر؛ ثم تليها ضربة ثانية للمنظمات الحقوقية الفاعلة أيًّا كان الشكل القانوني. كان الهدف هو أن يعرف الجميع أن النظام الجديد لم يعد يتسامح مع أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان والتي أدت إلى “اضطرابات يناير”. بدت تلك الخطة واضحة في المؤتمر الصحفي العالمي الذي أعلن فيه قاضيا التحقيق المنتدبين في فبراير ٢٠١٢ عن إحالة ٤٣ متهمًا إلى محكمة الجنايات؛ واستخدموا إحدى الخرائط التي تم ضبطها في مقر مؤسسة بيت الحرية - وكانت تستعمل لتقسيم الجمهورية إلى قطاعات جغرافية لتسهيل عملية مراقبة الانتخابات وقتها- ليدللوا على خطة ممنهجة لتقسيم البلاد. كما زاد وضوح الخطة وتفاصيلها بعدما صرحت  مصادر قضائية مطلعة لصحيفة المصري اليوم "بأن هناك اتهامات أخرى يجري التحقيق فيها بشأن اتهامات لمنظمات أخرى بينها منظمات مصرية، وخلال أيام سيتم التصرف فيها بالإحالة إلى محكمة الجنايات أيضًا". على أن القضية ١٧٣ لسنة ٢٠١١ في طبعتها الأولى أخذت وقتًا في المحاكمة  أكثر مما كان متوقعًا؛ كما أدت إلى تطورات دولية سلبية كان من المستحيل معها البدء في تنفيذ الجزء الثاني منها ؛ خاصة وأن  القائمين على النظام كانوا يباشرون في تنفيذ ترتيبات "ثورة ٣٠ يونيو"وكان من الصعب النيل من المنظمات الحقوقية المصرية  التي فضحت وبشكل واسع انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي وحكومة الإخوان.  كان لابد من تأجيل تنفيذ الخطة قليلا ؛ انتظار لوقت مناسب .

 ٣٠ يونيو٢٠١٣  الهدوء الذي يسبق العاصفة:

عندما تم عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن منصبه وتوليه رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور بدلا منه بدا واضحًا أن مصر على أعتاب مرحلة مختلفة. كان الحكام الجدد مرتبكين؛ فرئيس الوزراء ونوابه لم يكن لديهم خبرة إدارة دولة في حالة فوران؛ وعلى الرغم من أن بعضهم كان ينتمي إلى أحزاب نشأت بعد الثورة أو جرى ترشيحه للوزارة من قبل "قيادات ثورية"إلا إنهم كانوا يفتقدون إلى الحد الأدني من "السياسة". يحتاج بناء "الدولة القوية"إلى سياسيين متمرسين قادرين على مناقشة الأطراف السياسية المختلفة وبناء تفاهمات مع المختلفين معهم والبحث عن أرضية مشتركة تتسع للجميع. لم يكن من تولوا الحكم بعد ٣٠ يونيو قادرين على ذلك ولا راغبين فيه. فلم يكن أمامهم إلا بناء "دولة عنيفة"كبديل . 

وربما يؤكد ما نقول أن واحدًا من التشريعات التي أصدرها الرئيس المؤقت كانت تتعلق بمد الحبس الاحتياطي إلى أمد غير محدد بعد أن كان في عهد الرئيس المتخلي عن السلطة حسني مبارك لمدة عامين يتم بعدها الإفراج وجوبًا عن المحبوس. ورغم أن سبب التعديل كما روجت له الصحف وقتها كان"منع مبارك من الخروج من السجن بعد قضائه أقصى مدة للحبس الاحتياطي"؛ إلا أن السبب الحقيقي كان رغبة الأجهزة التنفيذية العمل في ظل نظام هو أقرب لنظام الطوارئ ؛ يجعل من السهل عليها احتجاز من ترى احتجازه لأطول فترة ممكنة أو حتي إلى الأبد !! و لم يكن من السهل إعلان حالة الطوارئ والجماهير تغلي تطالب بالحرية. ثم كان قانون "منع التظاهر"والذي أصدره الرئيس المؤقت أيضًا مؤكدًا على منع التظاهر بالكلية وليس  تقنينه فقط.

ساعدت المواجهات المسلحة والاعتصامات غير السلمية التي نفذها الإخوان المسلمون  على تشجيع خيار "الدولة العنيفة"التي أحكمت قبضتها وشيدت بناؤها قبل مرور أقل من ستة أشهر على  ثوره ٣٠ يونيو. في وسط هذا التوتر كله برزت المنظمات الحقوقية إلى الواجهة . لم يكن لمنظمات قاتلت حكم الرئيس مبارك ومن بعده حكم الرئيس المعزول محمد مرسي من أجل ضمان الحقوق والحريات العامة أن تغمض عينيها عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. حاولت المنظمات الحقوقية المصرية فتح قنوات اتصال مع الدولة لترشيد استخدام العنف من ناحية ولمحاولة بناء نموذج لدولة قوية من ناحية ثانية؛ نجحت المحاولات. كانت فترة تقارب مذهلة ما بين السلطة الجديدة والمنظمات الحقوقية؛ وكان من أهم أسبابها أن بعض ممن تولو مناصب وزارية في حكومة ما بعد ٣٠ يونيو كانوا مشاركين في أنشطة حقوقية كثيرة منذ عهد مبارك ثم محمد مرسي ؛ ويعرفون أغلب النشطاء الحقوقيين من ناحية؛ كما أن حكومة ما بعد ٣٠ يونيو كانت تحاول اكتساب شرعية دولية وهو ما كان صعبًا عليها لولا أنها فتحت أبوابها للتعاون الواسع مع المنظمات الحقوقية المصرية لتبدوا وكأنها حكومة من "الليبراليين "تدعم "حقوق الإنسان".

لذلك لن يكون غريبًا أن تكون المنظمات الحقوقية المصرية ممثلة بأكثر من ربع أعضاء لجنة شكلها وزير التضامن الاجتماعي وقتها أحمد البرعي لتعديل قانون الجمعيات ليكون أكثر اتساقًا مع المعايير الدولية؛  وأن يتم على وجه السرعة  ترجمة المشروع الذي أعدته تلك اللجنة؛ وأن تسلمه الحكومة بعد ذلك وبشكل رسمي إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان متفاخرة بأنه أول مشروع قانون جمعيات يعده "المجتمع المدني". كما بدا طبيعيا أن يكون ثلاثة من قادة المنظمات الحقوقية المصرية أعضاء في لجنة استشارية أنشأها وزير العدالة الانتقالية أمين المهدي لمعاونته في وضع أسس بناء الوزارة الجديدة التي جرى إلغاؤها بعد ذلك. كما أصبح مألوفًا أن يلتقي وزير الداخلية محمد إبراهيم  بقادة المنظمات الحقوقية المصرية ليناقش مقترحاتهم حول الشرطة المصرية وكيفية التزامها بقواعد القانون ومبادئ حقوق الإنسان عند قيامها بعملها . على أن شهر العسل –كأي شهر عسل - لابد أن ينتهي . بدأت المنظمات الحقوقية تندد بانتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفتها حكومة الببلاوي؛ وبدا صوتها عاليًّا في مواجهة إساءة استعمال الحق في التشريع. أدركت المنظمات الحقوقية المصرية الجادة أن كل ما تفعله الحكومة لا يعدوا ان يكون نوع من انواع العلاقات العامة؛ وادرك الراغبون في بناء “دولة عنيفة”إنهم غير قادرين على تحقيق الأمن واحترام حقوق الإنسان في آن معًا ؛ فقرروا التضحية بحقوق الإنسان على أمل تحقيق الأمن. 

في ٢٤ فبراير ٢٠١٤ قدم حازم الببلاوي استقالة حكومته التي كانت قد قطعت جسورها تقريبًا مع كل داعميها السياسيين وألقت بالفصائل المؤيدة لها وراء القضبان تنفيذًا لقانون التظاهر الذي وضعته وأصبحت عارية عن أي سند شعبي. في الحقيقة فإن الانتهاكات التي تمت في عهد حكومة حازم الببلاوي لم تكن محل رضا بعض أعضاء الوزارة ؛ فقد تقدم زياد بهاء الدين مثلا باستقالته في نهاية يناير ٢٠١٤ عقب فض الحكومة بقوة مفرطة لاحتجاجات في القاهرة ؛ وإقرار قانون التظاهر؛ كما كان الدكتور أحمد البرعي غير راض عن وأد مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي سبق وقدمته الحكومة إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان وشارك فيه المجتمع المدني ؛ بالإضافة إلى أن وزير العدالة الانتقالية أمين المهدي كان مستاءً من تهميش وزارته وإسناد ملفات هامشية إليها عوضًا عن العمل بجدية في بناء نظام للعدالة الانتقالية.

طبول الحرب تدق:

خلف المهندس إبراهيم محلب الدكتور حازم الببلاوي؛ وتم إقصاء –الوزراء بنكهة الثورة –اللذين كانوا يزينون وزارة الببلاوي؛ ليحل محلهم وزراء بنكهة نظام مبارك. كان أول تصريح لرئيس الوزراء الجديد بعد حلف اليمين هو أنه "سيعمل مع حكومته على عودة الأمن والأمان ودحر الإرهاب"؛ كما صرح في اليوم الثاني لحلفه اليمين الدستورية بأن "الأمن هو القضية الأكثر أهمية ودعا إلى إيقاف المظاهرات والإضرابات". وفي الحقيقة فإن وزارة إبراهيم محلب الأولى حاولت أن تحافظ على علاقات باردة مع المنظمات الحقوقية المصرية بل وحتى الأجنبية لسبب واحد ؛ الانتخابات الرئاسية. كانت مصر على أعتاب انتخابات رئاسية من المقرر أن يخوضها المشير عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع. وكان الرجل يتعرض لحملة شرسة –خارجية وبدرجة أقل داخلية –تقول إن مجرد ترشحه هو دليل على أن ما حدث في ٣٠ يونيو لم يكن ثورة شعبية ولكنه انقلاب عسكري. على أنه بمجرد نجاح الرئيس السيسي في انتخاباته وتوليه سدة الرئاسة لم يعد هناك من حاجة إلى بناء علاقات مع منظمات كل عملها هو أن تكشف عورات الحكومة. بدأت المعركة فور حلف الحكومة اليمين الدستورية أمام الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي ١٧ يونيو٢٠١٤ .

بعد يوم واحد  فقط من حلف اليمن –١٨ يونيو ٢٠١٤ -  نشرت وزارة التضامن الاجتماعي إعلانًا في جريدة الأهرام الحكومية تطلب فيه من  كل الشركات المدنية أو الشركات المسجلة تحت أي نظام قانوني آخر أن تقوم بتسجيل نفسها كجمعيات أهليه وأمهلتها إلى   ٢٥ سبتمبر ٢٠١٤ . وأعادت نشر هذا الإعلان  مره أخرى في جريدة أخبار اليوم ١٩ يوليو٢٠١٤ . ثم عادت الوزارة ونشرت إعلانًا جديدًا مدت فيه المهلة حتى العاشر من نوفمبر ٢٠١٤ . قبيل انتهاء المهلة المحددة في إعلان وزارة التضامن الاجتماعي أقدمت الحكومة على خطوتين متتاليتين .

الخطوة الأولى كانت في إصدار رئيس الجمهورية للقانون رقم (١٢٨) لسنة ٢٠١٤، بتعديل المادة (٧٨) من قانون العقوبات الخاصة بتلقي تمويل بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام . وقد ترتب على هذا التعديل التوسع في نطاق التجريم لأي من أشكال العمل الأهلي. فلم تعد تقتصر على تجريم التمويل الوارد من الخارج، بل امتدت إلى التمويل من أي شخص طبيعي أو اعتباري وطني أو دولي سواء كان مصريًّا أو يحمل جنسية أخرى. كما شمل التمويل من غير الدول الأجنبية، فجرّم الحصول على تمويل من المؤسسات الدولية المستقلة كذلك. كما توسع القانون في أشكال ما يعد جريمة سواء كان التمويل ماديًّا أو عينيًّا، بالإضافة إلى ما أسماه القانون "أي أشياء أخرى". وبفعل هذه العبارات، أصبحنا أمام نص جنائي يجرم الحصول على أشياء غير محددة من جهات غير محددة والأسوأ من ذلك، أن عقوبة هذه الجريمة تبدأ من السجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه وتصل العقوبة للإعدام إذا كان الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة. أما الخطوه الثانية والتي تمت في ٥ نوفمبر ٢٠١٤ أي قبل انتهاء مهلة وزارة التضامن بخمسة أيام فكان في تعيين  السيدة "فايزة أبو النجا"مستشارًا للأمن القومي. كان ذلك بمثابة إعلان حرب على حركه حقوق الإنسان المصرية التي وجدت نفسها لأول مرة في مواجهة ما يمكن أن نطلق عليه "حرب إبادة شاملة"؛ بعد أن كانت قد اعتادت لسنوات طويلة على مواجهة ضربات غير مميتة من آن إلى آخر.

 النهاية:

الآن الحكومة والحركة الحقوقية في معركة مستمرة تستعمل الحكومة فيها كل أدواتها؛ منعت من السفر كل الحقوقيين المعروفين بل وحتى من عملوا في مؤسسات حقوقية لفترة من الوقت، تحفظت على الحسابات الشخصية لمنظمات حقوقية مشهورة وناشطين حقوقيين بعضهم نال جوائز دولية، ألقت القبض على حقوقيين مرموقين ثم أفرجت عنهم بكفالات وصلت إلى ٢٠ ألف جنيه، منعت المنظمات الحقوقية من العمل بشكل معلن، لاحقت كل من يتعاطف أو يعمل مع المنظمات الحقوقية إلى درجة تقديم قضاة شاركوا في وضع مشروع قانون لمكافحة التعذيب إلى لجنة الصلاحية تمهيدًا لفصلهم من عملهم.  في مذكرات رسمية اعتبر جهاز الأمن الوطني أن نشاط حقوق الإنسان يؤدي إلى تكدير السلم العام،  واعتبر قاض منتدب للتحقيق أن الحديث حول التعذيب هدفه إعاقه مؤسسات الدولة عن عملها.

يبدوا من سير المعركة أن الحكومة لا تستعجل إنهاءها. الخبر الجيد هو أنه في بعض الأحيان قد يهزم داوود جالوت رغم فارق  القوة. أما الخبر السيئ فإن حركة حقوق الإنسان بأساليب نضالها المعروفة قد انتهت؛ حتى لو استطاع بعض قادتها أن يبقوا خارج السجون. إن الخمس سنوات الماضية قد أثبتت أن كل ما كانت تروج له هذه المنظمات من إمكانية تطوير النظام السياسي من داخله قد فشلت. لا يمكن معرفة أي شكل ستتخذه حركة حقوق الإنسان المصرية بعد انتهاء تلك المعركة؛ ولا كيف ستواصل العمل في الدفاع عن حقوق الإنسان دون تعاون مع الحكومة التي ترفض بإصرار أن تمد معها الجسور بشكل مبدئي.

طباعة