مقالات

الصفقة الكبرى في الصراع العربي – الإسرائيلي .. المطلوب هو حماية حل خارج الصندوق

سعيد عكاشة * 5548 28-5-2017
طباعة

"هنري كيسنجر وريتشارد نكسون، وورن كريستوفر وبيل كلينتون، جون كيري وباراك أوباما .... فهموا بسرعة ما هو غير الممكن أيضًا. ما هو الحل الذي اخترعه ترامب ووزير خارجيته تلرسون، الذي يمكنه تجاوز جدار التمترس الذي اتسع مع مرور السنين؟"... هكذا تساءل تسفي برئيل المحلل السياسي الإسرائيلي في مقاله بجريدة هارآتس في 25 مايو الجاري (2017). لقد أدرك برئيل وغيره كثيرون أن الحلول التقليدية للصراع العربي- الإسرائيلي، التي طرحتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كسينجر في  السبعينيات، وحتى إدارة أوباما ووزير خارجيته جون كيري التي أنهت ولايتها في العام الماضي.... لم تعد مجدية، أو أثبتت عدم نجاعتها. والسبب أنها جميعًا انطلقت من الواقع وليس من التطلع نحو المستقبل، ولم يبق سوى البحث عن حل خارج الصندوق، وهو ما لم يكن متاحًا التفكير فيه قبل وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض.

1- ماذا يعني الحل من خارج الصندوق؟

على مدى أكثر من أربعة عقود حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التوسط لإنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي. وربما كان نجاح إدارة جيمي كارتر (1977- 1981) في عقد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل أول تدشين للحلول غير التقليدية لهذا الصراع . فقد كان من المستحيل آنذاك تصور حل يقوم على إقناع أي من دول الطوق العربي (الدول الأربع المحيطة بإسرائيل: مصر، سوريا، الأردن، لبنان) بالخروج من الطرح القائم على وحدة الجبهة العربية ضد إسرائيل. غير أن توافر ظروف موضوعية عديدة، كان في مقدمتها ما أفرزته حرب 1973 من مستجدات أهمها  شعور مصر بأنها قادرة على مفاوضة إسرائيل من موقع قوة، وظهور تيار مؤيد للسلام في إسرائيل، وانشغال سوريا في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1976، واستمرار شعور الأردن بالتهديد من جانب المنظمات الفلسطينية .... كل ذلك وفر الفرصة للتفكير غير التقليدي لحلحلة الصراع، وهيأت الاتصالات الأمريكية- المصرية، إلى جانب الشخصية الاستثنائية للرئيس الراحل محمد أنور السادات، الفرصة للبحث في عقد اتفاق سلام بين أكبر دولة عربية وإسرائيل، يغلق إلى الأبد فرصة اندلاع حرب عربية شاملة ضد إسرائيل، ويفتح الطريق أمام دول عربية أخرى للدخول في مسيرة السلام التي سبقتهم إليها مصر. 

لقد كان التصور الأمريكي في حينها صحيحًا بدليل استمرار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، والتحاق الأردن بالمسيرة نفسها في عام 1994 (اتفاق وادي عربة). 

غير أن الحل الذي كان خارج الصندوق في سنوات السبعينيات بات مرة أخرى جزء من الحلول التقليدية بعد أن استنفذ أغراضه، وبعد أن غدا غير مغري للأطراف التي لازالت مشتبكة مع إسرائيل (السوريين والفلسطينيين)، خاصة مع فشل اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عام 1993، ولم يؤد - كما كان مأمولا - إلى إنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي حتى الْيَوْمَ . وبدلا من الحروب النظامية بين جيوش عربية وإسرائيل، والتي انتهت مع حرب أكتوبر 1973، عادت المنطقة لتشكل أوضاعها خطورة على المصالح الأمريكية والأمن والسلم العالميين بسبب ظهور تنظيمات "تحت الدولة"، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، أخذت في شن حروب استنزاف ضد إسرائيل بحجة استمرار الأخيرة في احتلال الجولان وبعض الأراضي اللبنانية، وعدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية يحقق التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني.

بمعنى آخر، بات من الواضح أن محاولة أخرى للتفكير خارج الصندوق باتت مطلوبة للتغلب على العقبات التي أغلقت الطريق أمام تسوية نهائية للصراع العربي– الإسرائيلي.

2- عناصر جديدة للتفكير المستجد خارج الصندوق 

الإضرابات الواسعة بعد فشل ثورات الربيع العربي، ووقوع سوريا في براثن حرب أهلية ممتدة، والانقسام الفلسطيني (سلطتي رام الله، وغزة)، وانخراط حزب الله المدعوم إيرانيًّا في الحرب السورية، واشتداد خطر التنظيمات الإرهابية على استقرار الدول العربية التي لم تصلها الإضرابات التي ضربت اليمن والعراق، وليبيا وتسببت في انهيارها... أدت إلى خلق بيئة مناسبة لتصور حلول تعيد الاستقرار إلى المناطق المضطربة، ومنها تصفية المشكلات التي تساعد على مد  التنظيمات الإرهابية بطاقة دعائية تجذب الأجيال الشابة في العالم العربي للانضمام إليها تحت دعاوى زائفة بضرورة إسقاط النظم العلمانية وتأسيس الخلافة الإسلامية. ويأتي على رأس هذه القضايا التي يسهل توظيفها من قبل هذه التنظيمات القضية الفلسطينية التي يسهل اتهام كافة النظم الحاكمة العربية بعجزها عن حلها. 

بمعنى أكثر وضوحًا لقد بات إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي أمرًا ملحًا لمعظم الأنظمة العربية الحاكمة، ليس بدوافع قومية، بل للتخلص من جزء من مسببات عدم الاستقرار الداخلي لكل منها. صحيح أن الأزمات الاجتماعية- الاقتصادية والحريات السياسة هي أحد المصادر المهمة لعدم الاستقرار، غير أن تضافر عنصر الفشل في معالجة القضية الفلسطينية بشحناتها العاطفية والدينية والقومية، مع فشل مماثل في حل المشكلات الداخلية للدول العربية خاصة القريبة من بؤرة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يغدو أكثر خطورة. ومن ثم، يمكن الربط بين إنهاء القضية الفلسطينية ووعود التنمية والديمقراطية لتهدئة الجموع الثائرة والمستعدة لخلق مزيد من المشكلات، شرط أن تقبل هذه الجموع بحل للقضية الفلسطينية لا يتناغم مع التصورات السائدة لديها. 

على الجانب الآخر، لكي يتوافر حل خارج الصندوق للقضية الفلسطينية كان من الضروري أن يصل إلى البيت الأبيض رئيس لديه الاستعداد والرغبة في القطع مع أسلوب تفكير المؤسسات الأمريكية التقليدية، ولديه الشجاعة نفسها التي تحلى بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات لتجاهل كل التحذيرات التي أرادت منعه من تطبيق حل للصراع مع إسرائيل من خارج الصندوق.

3- الحل الذي يتصوره ترامب 

على الرغم من عدم وضوح تصور ترامب وإدارته للحل المنتظر للقضية الفلسطينية، إلا أن هناك مرتكزات لتصور اتضح في تصريحاته أثناء القمة الإسلامية- الأمريكية، والتي ألقى فيها مسئولية وعبء مواجهة الإضرابات السياسية وتهديدات الاٍرهاب في المنطقة على الدول العربية والإسلامية، وبالتالي فإن على دول المنطقة أن تتولى "حماية " حل للقضية الفلسطينية يتجاوز الطروحات القديمة، لكي تتفرغ هذه الدول لمواجهة الأخطار المحدقة بها من جانب التيارات الدينية المتشددة، على أن تدعم واشنطن هذا الحل سياسيًّا.

الحل الذي يفكر فيه ترامب يمكن تصور ملامحه فيما يلي:  

- بناء على خطة التجميع التي كان قد طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت (2006- 2009)، ستضم إسرائيل ما يعادل 6.5 % من أراضي الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحة تعادلها إما في النقب الإسرائيلي، أو في منطقة المثلث داخل حدودها قبل الرابع من يونيو 1967. 

- اعتراف متبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وأن فلسطين (المقترحة بعد تعديلات الحدود) هي الوطن القومي للفلسطينيين.

- دولة فلسطينية منزوعة السلاح. 

- أن حق العودة للفلسطينيين سيكون مقصورًا على الدولة الفلسطينية. 

- أن القرى الفلسطينية المحيطة بالقدس الموحدة، وفِي القلب منها قرية أبو ديس، هي التي ستنشأ عليها العاصمة الفلسطينية مع إمكانية أن تضم إليها بعض الأحياء العربية في القدس. على أن تبقى القدس الموحدة (يروشاليم) عاصمة لإسرائيل، مع إعطاء حق المرور الآمن للمقدسات للجميع في منطقة الحائط، والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة. 

- إعلان الفلسطينيين والإسرائيليين رسميا نهاية الصراع بينهما.

- إعلان الدول العربية والإسلامية إقامتها لعلاقات طبيعية مع إسرائيل فور توقيع الاتفاق.

- تكون مهمة الدول العربية والإسلامية، وعلى الأخص مصر والمملكة العربية السعودية، حماية هذا الحل الذي لن يكون مرحليًّا بل يتم دفعة واحدة. على أن تتولى دول الخليج تمويل التعويضات للاجئين الفلسطينيين، ومساعدة الدول التي تأويهم على تمويل عملية إدماجهم داخلها. 

ربما تكون النقاط السابقة قد طُرحت في الماضي كأفكار للحل، لكن الفارق هو أن الطرح الجديد سيتم التعامل معه على أنه اتفاق غير مرحلي وليس له تبعات فيما يتعلق بالأمور المتفق عليه، وغير مسموح بفتح التفاوض من حول بنوده في المستقبل. 

والاعتقاد السائد أن وجود ترامب بشخصيته وأسلوبه في الإدارة يمكن أن يكون دافعًا لتطبيق هذا الحل، بالإضافة إلى الرهان في الوقت ذاته على أن خوف الشعوب العربية من الفوضى، وخوف الأنظمة الحاكمة فيها من تحديات الاٍرهاب ستتكفل بإنجاح الحل حتى لو واجه في البداية رفضًا من هنا أو هناك.

دور العالم العربي إذن هو حماية حل كان متداولًا في مشروعات وأفكار لمراكز تفكير وأبحاث، ولكن فكرة حماية الحل والإيمان بأن قيادات فلسطينية مستعدة لقبوله إذا ما تعهدت دول عربية وإسلامية مهمة بحمايته لم تكن موجودة قبل ذلك. أما فيما يخص المتشددين في إسرائيل والذين بوسعهم عرقلة المسيرة فيكفي أن نشير هنا إلى تجربة الرئيس الراحل أنور السادات عندما فاجأ الإسرائيليين بزيارة الكنيست في نوفمبر 1977، عندها لم يستطع اليمين الإسرائيلي مقاومة تطلع أغلبية الرأي العام للسلام وحرصه على عدم إفلات الفرصة المتاحة لتحقيقه. أيضًا ربما لا يقوى على مواجهة تطلع الإسرائيليين لفرصة تلوح لإنهاء الصراع وتطبيع العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي حاليًّا.

طباعة
سعيد عكاشة

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية