مقالات

الاستهداف الداعشى للأقباط... الدوافع والأهداف

علي بكر * 27-5-2017
طباعة

الحادث الإرهابي الذي تم تنفيذه يوم الجمعة الموافق 26 مايو 2017، والذي راح ضحيته أكثر من خمسة وعشرين شهيدًا من الأقباط، ومن قبله التفجيرات الإرهابية الأخيرة في مصر في التاسع من إبريل الماضي، والتي استهدفت كلًا من كنيسة "مار جرجس" في مدينة طنطا، عاصمة محافظة الغربية، والكنيسة "المرقسية" بالإسكندرية، والتي كان يتواجد بها البابا "تواضرس الثاني" أثناء الانفجار، ولكنه لم يصب بأذى والحمد لله، والتي أسفرت عن مصرع ما يقرب من 44 مواطنًا، وإصابة أكثر من مائة آخرين، والتي أعلن تنظيم "داعش" مسئوليته عنها، وهدد في بيان له بشن المزيد من الهجمات ضد أقباط مصر، أثارت العديد من التساؤلات حول أسباب استهداف التنظيم للأقباط، وماهية أفكاره ومعتقداته تجاههم، فضلًا عن أهدافه من وراء تلك التفجيرات.

ولم يكن هذان الحادثان الإرهابيان هما الاستهداف الأول من نوعه للأقباط من قبل تنظيم "داعش"، فقد تكررت اعتداءاته ضدهم خلال الفترة الأخيرة، والتي كان من أشهرها حادث تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة في 11 ديسمبر 2016، والذي أسفر عن استشهاد 29 شخصًا وإصابة 31 آخرين، من خلال عملية انتحارية، نفذها شاب يدعى محمود شفيق محمد مصطفى، من محافظة الفيوم، والذي يببلغ من العمر 22 سنة.

كما قامت عناصر تابعة لـتنظيم "داعش" في سيناء بقتل كاهن كنيسة "ماري جرجس" بالعريش، في يونيو 2016، ثم قام أعضاؤه بقتل سبعة مواطنين مسيحيين آخرين خلال شهر فبراير 2017، في حوادث متفرقة، فضلًا عن تهديده بقتل من تبقى من الأقباط، مما دفع بعشرات الأسر القبطية بالتوجه إلى مدنية الإسماعيلية. وقد جاء ذلك الاستهداف عقب تسجيل مصور للتنظيم، يحمل اسم "وقاتلوا المشركين كافة"، في 19 فبراير 2017، يهدد فيه المسيحيين في مصر، عبر ما وصفه بالرسالة الأخيرة لمفجر الكنيسة البطرسية، التي قال فيها، "ويا أيها الصليبيون في مصر، فإن هذه العملية التي ضربتكم في معبدكم لهي الأولى فقط، وبعدها عمليات إن شاء الله، وإنكم لَهدفنا الأول، وصيدنا المفضل، ولهيب حربنا لن يقتصر عليكم، والخبر ما سترون لا ما ستسمعون".

موقف "داعش" من الأقباط هو جزء من موقف التنظيم من الديانات الأخرى في المنطقة

الموقف العدائي من قبل تنظيم "داعش" تجاه أقباط مصر، ما هو إلا جزء من حالة العداء الصارخ من قبل التنظيم تجاه المسيحيين، وأصحاب الديانات الأخرى في المنطقة العربية، كما أنه يعبر عن الموروثات الفكرية لكل التنظيمات الإرهابية، وليس "داعش" فقط، حتى إن المؤلفات التي تتحدث عن العداء الصريح تجاه الأقباط في مصر، مثل رسالة "قطع النياط في رد عادية الأقباط"، لـ "أبو دجانة الخرساني"، تمثل مرجعًا مشتركًا لهذه التنظيمات.

ورغم ذلك يعد تنظيم "داعش"، الأكثر تطرفًا وعداءً من بين كل التنظيمات المتطرفة تجاه المسيحيين. وقد ظهر ذلك بوضوح مع سيطرة "التنظيم" على مدنية الموصل في يونيو 2014، حيث قام بشن حملة اضطهاد ضد المسيحيين، تمثلت في منعهم من ممارسة الشعائر الدينية، والاستيلاء على كنائسهم أو حرقها، ومصادرة أموالهم وبيوتهم، ثم تخييرهم ما بين الدخول في الإسلام -كما يراه داعش بالطبع- أو دفع الجزية أو القتل، مما أدى إلى خروج معظم المسيحيين من المدينة، هذا بخلاف عمليات القتل، كما حدث في أكتوبر 2016، عندما قام التنظيم بقتل 5 مسيحيين في الرقة، وقتل مسيحي آخر رفض دفع الجزية في سبتمبر 2015.

ولم تقتصر جرائم "داعش" تجاه المسيحيين على مناطق نفوذه، بل تعدتها إلى مناطق أخرى، مثل ليبيا، على سبيل المثال لا الحصر، والتي قام فيها التنظيم بذبح 21 مسيحيًا مصريًا في ليبيا، واستعرض تلك الجريمة البشعة من خلال فيديو حمل اسم "رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب"، وذلك في 15 فبراير 2015، وفي إبريل من نفس العام، بث التنظيم شريط فيديو آخر، يحمل عنوان "حتى تأتيهم البينة"، ظهر فيه أعضاؤه وهم يقومون  بإعدام 28 مسيحيًّا إثيوبيًّا، بسب "رفضهم دفع الجزية" أو "اعتناق الإسلام".

المختلفون دينيًّا في رؤية تنظيم داعش الإرهابي

هناك حالة خاصة من العداء من قبل تنظيم "دعش" تجاه الأقباط المصريين، وهو موقف يمكن تفسيره استنادًا إلى المكانة التاريخية للكنسية المصرية، باعتبارها كنسية مركزية في المنطقة، فضلًا عن كونهم الطائفة المسيحية الأكبر في دولة واحدة، وهذا ما جعلهم محط أنظار المتطرفين، الذين يحاولون التحريض المستمر تجاههم، وتصوريهم -زيفًا- على أنهم عملاء للغرب الصليبي، ومساندين له في حربه ضد الإسلام.

كما أن المنظومة الفكرية المتطرفة للتنظيم، التي كونها من خلال بعض الآراء المتشددة والمتناثرة، في كتب التراث، والتي قام منظريه بجمعها، فإنه يرى- جهلًا وزيفًا- أن الأقباط في مصر لا ينطبق عليهم مفهوم "أهل الكتاب"، ويعتبرهم "مشركين" بالله، بحجة أن الكتب المقدسة لديهم محرفة، وبالتالي فإن استهدافهم لا يعد من باب الاعتداء على "أهل الكتاب". فقد جاء في العدد الخامس عشر من مجلة "دابق" الداعشية، مقالة تحت عنوان "حملة لتحطيم الصلبان"، تطالب باستهداف الأقباط بشكل عام، بوصفهم مشركين بالله. كما جاء في العدد نفسه تقرير مصور بعنوان "طمس الصلبان وإزالة مظاهر الشرك"، يدعوا إلى إزالة كل ما يشير إلى الشعائر الدينية المسيحية.

كذلك يعتقد تنظيم "داعش" أيضًا أن الأقباط لا يمكن وصفهم بـ "الذميين"، كونهم لا يلتزمون بشروط "الذمية" التي يراها "داعش"، مثل وجوب ارتدائهم زيًّا محددًا، والالتزام بالعمل بمهن محددة، فضلًا عن عدم قيامهم ببناء الكنائس أو رفع الصلبان، أو إظهار أي من الشعائر الدينية، إضافة إلى عدم دفعهم "الجزية"، وفقًا لما جاء في إصدار لداعش تحت عنوان "حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، والذي بثه المكتب الإعلامي للتنظيم في أكتوبر 2015. ويستتبع ذلك الفهم اعتبار داعش أن الأقباط غير "مستأمنين" في الديار، لأن من يعطي الأمان هو الإمام الذي يحكم بالشريعة الإسلامية، وليس الحكام الكفرة الذين لا يحكمون بالشريعة وفقًا لعقيدة داعش.

وبناء على ذلك فإن تنظيم "داعش" يرى أن الأقباط في مصر هم "كفار" محاربين، يجوز قتلهم واستحلال أموالهم ودمائهم وأعراضهم، وتدمير كنائسهم، على نحو ما جاء في العدد الرابع من مجلة "دابق"، تحت عنوان "جعل رزقي تحت ظل رمحي" من أنه يحوز انتزاع أموال النصارى في مصر، لأنهم لم يلتزموا بالضوابط الشرعية".

ما الذي يسعى إليه "داعش" من استهداف الأقباط؟

من المؤكد أن استهداف تنظيم "داعش" للأقباط في مصر، لم يكن سدى، وإنما هناك مجموعة من الأهداف يسعى التنظيم إلى تحقيقها، نلخصها فيما يلي: 

1- كسر "هيبة الدولة"؛ فالتنظيم يدرك جيدًا، أن استهداف الأقباط المتكرر والمتصاعد، لن يؤدي إلى إسقاط الدولة المصرية، والنظام السياسي الحالي، أو خلق "فتنة طائفية" في البلاد، يمكن أن تؤدي الصراع بين عنصري الأمة، مما يعني أن "داعش" يهدف بشكل أساسي إلى كسر "هيبة الدولة"، التي تعد بمثابة "عامود الخيمة" في بقاء الدولة المصرية وتماسكها، وذلك من خلال محاولة إظهارها بصورة "الضعيف" الذي لا يستطيع حماية مواطنيها، بشكل عام، والأقباط بشكل خاص، لاسيما أنه يدرك أن استهداف الأقباط غالبًا ما يكون له صدى خارجي، ويؤثر على صورة الدولة بشكل سلبي.

2- الحفاظ على التماسك التنظيمي؛ فقد شهدت الفترة الأخيرة انحسارًا ملحوظًا للتواجد العلني لتنظيم "داعش" في سيناء، ومظاهر استعراض القوة، مثل العروض العسكرية وغيرها، بسب الضربات التي وجهتها له القوات المسلحة، مما أفقده الأمل في القدرة على إقامة "إمارة داعشية"، والتي تحتاج إلى السيطرة على مساحة ولو ضئيلة من الأرض، أسوة بغيره من الفروع الداعشية، كما في ليبيا واليمن والصومال ونيجيريا...الخ، الأمر الذي أدى إلى زعزعة الثقة في التنظيم، من قبل أعضائه ومناصريه، لذا سعى إلى الضرب في مناطق جديدة من البلاد، وذلك حتى يعوض انحساره في سيناء من ناحية، ويثبت أنه صاحب الأذرع الطويلة، ولدية القدرة على الضرب في أماكن متعددة، من ناحية أخرى، حتى يتمكن من الحفاظ على تماسكه التنظيمي.

3- استقطاب عناصر جديدة؛ فمن بين المورثات الفكرية لدى تنظيم "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية أن استهداف الأقباط يعد من "الجهاد الذي لا شبهة فيه"، كونه -وفقًا لعقيدة داعش- قتالًا ضد "كفار محاربين"، وهو ما قد يدفع العديد من الشباب المتطرف إلى الالتحاق بصفوف التنظيم، وذلك من أجل المشاركة في مثل هذا النوع من الجهاد-على حد اعتقادهم- لاسيما وأن الصورة الذهنية للأقباط في عقولهم، أنهم كان لهم الدور الأكبر في القضاء على الحكم الإسلامي في مصر، المتمثل في حكم الإخوان المسلمين، وذلك بسب مساندتهم لثورة 30 يونيو.

4- ضرب الاقتصاد المصري؛ فمن بين الأفكار الراسخة لدى التنظيمات الإرهابية في مصر أن إسقاط النظام المصري يبدأ بضرب الاقتصاد، خاصة قطاع السياحة، الذي يتأثر بشدة بالعمليات الإرهابية، خاصة التي تستهدف غير المسلمين، كون معظم السياح اللذين يأتون إلى مصر من غير المسلمين، لذا فإن التنظيم يهدف إلى توجيه ضربة إلى الاقتصاد المصري من خلال هذه العمليات، لاسيما وأن الفترة الأخيرة شهدت تقدمًا ملحوظًا في قطاع السياحة.

استنادًا إلى ما سبق، يمكن القول إن رؤية تنظيم "داعش"، وغيره من التنظيمات الإرهابية، للأقباط في مصر، ثم استهدافهم المستمر، باتت تمثل خطرًا مهمًا، ليس للمواطنين الأقباط فحسب، ولكن على أمن واستقرار الدولة والوطن، الأمر الذي يستوجب اتخاذ إجراءات إضافية أكثر قوة وأكثر صرامة في التعامل مع هذه التنظيمات، على المستويين الفكري والتنظيمي جنبا إلى جنب مع المستوى الأمني. كذلك، أكدت هذه الممارسات الداعشية صدق الرؤية المصرية حول مقتضيات الحرب على الإرهاب، خاصة كما عبرت عنها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام القمة الإسلامية- الأمريكية في الرياض في 21 مايو الماضي (2017).

طباعة
علي بكر

باحث في شئون الجماعات الإسلامية