إصدارات المركز - شئون تركية

"تركيا الرئاسية".. محركات وارتدادات التحول الدستورى وشبهاته

طباعة

استطاع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن ينفذ إرادته، ويحقق طموحه السياسي، بتمرير حزمة التعديلات الدستورية التى تشمل 18 مادة، من شأنها التأسيس إلى “حكم مركزي” فى تركيا يهيمن عليه رئيس الدولة، الذى سيناط به تعيين الوزراء وإقالتهم، دون حاجة لتصديق البرلمان، كما سيحظى بصلاحيات واسعة فيما يخص تعيين القضاة، والدعوة لتنظيم استفتاءات، وفرض حالة الطوارئ، بما يؤسس لنظام سياسى تختصر فيه الصلاحيات والسلطات، لتتجسد فى أدوار السلطة التنفيذية، وفق قاعدة “من يفرز بالرئاسة يكسب كل الصلاحيات”.

جاءت نتائج التصويت حسب البيانات المُعلنة، بتأييد نحو 51.3 فى المئة، مقابل رفض نحو 48.7 من جملة المصوتين. ورغم أن أغلب الاستطلاعات قد أشارت إلى تقارب نسب التأييد والرفض، على النحو الذى أضفى قدرا من الغموض النسبى حول نتائج الاستفتاء ومآلاته، غير أن المؤشرات شبه النهائية حملت مفاجآت كبيرة، قد تترك أثرا على الحياة السياسية التركية، خلال المرحلة المقبلة، ارتبطت أولا، بالعاصمة الاقتصادية والثقافية لتركيا، والتى تمثلها مدينة إسطنبول، التى رفضت تمرير التعديل الدستوري، إذ زادت نسبة رفض التعديلات عن معدلات التأييد، وهو الأمر الذى انطبق أيضا على العاصمة السياسية، حيث مدينة أنقرة. وبعدم تأييد مدينة أزمير هى الأخرى للتعديلات الدستورية، أصبحت أكبر ثلاث مدن تركية خارج إطار دعم التحول الدستورى الذى تم إقراره بفارق ضئيل.  

كما كشفت نتائج الاستفتاء، ثانيا، أن غالبية مؤيدى حزب الحركة القومية قد خالفت توجهات زعيمه، دولت بهتشلي، الذى تحالف مع حزب العدالة والتنمية، حيث إن شعبية الحزبين معا تناهز 60 فى المئة من الكتلة التصويتية، غير أن النتائج وتوزيعها الجغرافى يوضحان عدم تأييد الاستفتاء من قبل كتلة عريضة من مؤيدى حزب “الحركة”، الذى حاز خلال انتخابات نوفمبر 2015 نحو 11٫9 فى المئة من جملة الأصوات.

وقد تعلقت المفاجأة الثالثة، التى حملتها نتائج الاستفتاء، بتصاعد نسبة رفض الدستور فى مناطق مثلت الكتلة الرئيسية لداعمى حزب العدالة والتنمية، مثل مدينة قونية، التى يمثلها رئيس الوزراء التركى السابق، أحمد داوود أوغلو، فى البرلمان التركي.

تزامن ذلك مع بعض التقديرات التى تشير إلى أن ثمة انقسامًا داخل الحزب الحاكم على مستوى القيادة والقاعدة الجماهيرية بشأن جدوى هذه التعديلات، وإمكانية تمريرها من دون تجاوزات، فضلا عن جدواها بالنسبة لطبيعة النظام السياسى الجديد، ومدى ملاءمة ما يرسخه من “حكم مركزي” فى مجتمع يعانى انقسامات عدة على المستويات السياسية والاجتماعية، فضلا عن استقطاب حاد على المستويات العرقية والطائفية والأيديولوجية، سيما أن النظام الرئاسي، وفق هذه القاعدة، قد يشكل تهديداً للكتلة التصويتية المحافظة دينيا، إذا ما جاء للحكم رئيس من خلفية أيديولوجية مختلفة، كما أنه قد يغلق منافذ التمثيل السياسى الحقيقى للأقليات السياسية والطائفية والمذهبية كافة، ناهيك عن إخلاله بتوازن السلطات على نحو يبعد تركيا كثيرا عن معايير وقيم الديمقراطية.

ورغم تجاوز قيادات “العدالة” لهذه التحفظات وإدراكها لنمط الانقسامات، فإنه سرعان ما خرجت للاحتفال مع التجمعات الجماهيرية بنتائج الاستفتاء، هذا على الرغم من تشكيك المعارضة فى إجراءات الاقتراع، عبر حديث عن تجاوز فى عمليات فرز أصوات الأتراك فى الخارج، وببث فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعى تكشف عمليات تزوير داخل بعض اللجان، مطالبة بإعادة فرز الأصوات فى نحو 60 فى المئة من مراكز الاقتراع، أو الإعلان عن إلغاء نتائج الاستفتاء، لتفادى التوتر السياسى داخل تركيا.

ومع أن هذا الوضع ينذر بتوترات متصاعدة خلال الأيام القليلة القادمة، واحتمالات توسع دائرة الانشغال العالمى بالشأن التركي، بعد صدور العديد من التصريحات الغربية المطالبة بالتهدئة، فإن التصريحات الصادرة عن المؤسسات الحاكمة تتجاوز عن التحفظات التى أبدتها القوى المعارضة بشأن السياق الذى جاء فيه تمرير الدستور، من فرض حالة الطوارئ، ومنع التجمعات الجماهيرية الرافضة للتعديلات الدستورية، وكذلك الإقدام على سجن رئيس حزب الشعوب الديمقراطية، الذى يمثل ثالث أكبر حزب سياسي، مع 12 من نوابه فى البرلمان، هذا عطفًا على “تجميد” العديد من القضايا بشأن صحة بقاء رئيس حزب الحركة القومية فى منصبه، بعد تحالفه مع حزب العدالة والتنمية، لتمرير التعديل الدستوري، هذا إضافة إلى التوظيف المنحاز لمؤسسات الدولة ووسائل الإعلام لأغراض الترويج للاستفتاء.

يبدو من ذلك أن نتائج التعديل الدستورى وارتداداته لن تكون هينة على الداخل التركي، وقد تمهد، ليس فحسب إلى تصعيد المواجهة السياسية والإعلامية بين الحزب الحاكم والمعارضة، وإنما يمكن أن تشكل مقدمة لتحولات كبرى على مستوى خريطة الأحزاب السياسية.

فقد يصبح دولت بهتشلي، نائباً لرئيس الجمهورية، وينضم، بالإضافة إلى جناحه السياسى داخل حزب الحركة القومية، إلى حزب العدالة، هذا فيما تشير تقديرات إلى إمكانية أن تتكتل أحزاب المعارضة مع حزب جديد قد ينبثق عن الجناح المعارض للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، داخل العدالة والتنمية. ومن المرجح، وفق المؤشرات الراهنة، استمرار عمليات التصعيد حيال الأكراد، وجماعة فتح الله كولن، واستمرار فرض حالة الطوارئ فى ربوع البلاد، لمواجهة وإفشال أى محاولة للتظاهر من قبل المعارضة، اعتراضا على نتائج الاستفتاء.
على الصعيد الخارجي، قد تشهد علاقات تركيا مع البلدان الأوروبية توترات أخرى، ليس فحسب بسبب نمط الإدراك الأوروبى المتزايد باستخدام الرئيس التركى التصعيد السياسى والإعلامى حيال بلدان الاتحاد، التى سبق أن اتهمها بـ“الفاشية” و“النازية”، فى سياق حملاته الجماهيرية لتمرير حزمة التعديلات الدستورية، وإنما قد يرتبط ذلك أيضا بتصاعد التدخل الأوروبى فى الشأن التركى للتعبير عن الامتعاض من نتائج الاستفتاء، الذى يعتبر العديد من بلدان أوروبا أن من شأنه إبعاد تركيا عن قيم الديمقراطية الغربية، كما ترى أن عملية تمريره شابها تجاوزات. فقد اعتبرت فرنسا أن نتائج الاستفتاء تجسد الانقسام التركى بشأنه، فيما دعت ألمانيا إلى إدارة حوار داخلى لتفادى التصعيد.

ويبدو أن علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبى فى سبيلها للتأزم، وقد يترتب على تمرير الاستفتاء تجميد مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بما يدفع تركيا إلى إنهاء العمل بـ“اتفاق اللاجئين”، سيما أن أنقرة لوحت فى أكثر من مناسبة بتوظيف هذا الاتفاق، فى إطار عملية إدارة التوتر مع بلدان الاتحاد الأوروبى.

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية