مقالات

تعديلات الدستور التركي... السياق والتداعيات

طباعة

جاءت نتيجة الاستفتاء بشأن حزمة التعديلات الدستورية التي تستهدف إعادة صياغة معالم النظام البرلماني التركي مؤيدة للتحول إلى النظام الرئاسي، الذي يحظى فيه الرئيس بصلاحيات تنفيذية تطغى على كافة السلطات الأخرى، وذلك بعد أن أيد تعديل الدستور نحو 51.3 في المائة من جملة المصوتين، التي تبلغ نحو 55 مليون صوت. لا شك أن نجاح الرئيس التركي في تمرير هذه التعديلات يمهد، من ناحية، إلى عودة الرئيس التركي إلى موقعه الحزبي كرئيس لحزب العدالة والتنمية. ويمهد، من ناحية أخرى، إلى الإقدام على إعادة تشكيل النظام القضائي وإحكام السيطرة على مؤسسة الجيش، من خلال إلغاء المحاكم العسكرية، باستثناء المحاكم التأديبية، وعبر امتلاك سلطة اختيار أعضاء المحكمة الدستورية، ومجلس القضاء الأعلى، بواسطة إجراءات مباشرة وغير مباشرة تضمن السيطرة على السلطات الثلاث، لتنتقل تركيا من مرحلة الدولة البرلمانية إلى حالة الدولة السلطوية، التي ترتبط دوائر الحكم فيها بمحورية موقع "رأس السلطة".

وفقًا لهذه التعديلات الدستورية، ستجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن في نوفمبر 2019، إلا إذا قرر الرئيس التركي الدعوة لانتخابات مبكرة، وبعدها يلغى منصب رئيس الوزراء، ويصبح من حق الرئيس اختيار الوزراء وإقالتهم دون حاجة لمصادقة البرلمان، سواء على منح الثقة أو سحبها. كما يمكنه إقرار الموازنة، والدعوة لاستفتاءات، وفرض حالة الطوارئ، لتتغير صلاحيات السلطة التشريعية لصالح السلطة التنفيذية، في نظام أقرب ما يكون إلى نظم "الملكيات القديمة" أو "الإمبراطوريات الخالية".

"شبهات" حول الاستفتاء

لم تكن عملية تمرير تعديلات الدستور، وفق أغلب التقديرات والعديد من التقارير الدولية، نزيهة بالمطلق؛ فقد شابها تجاوزات أضفت درجة من الغموض حول صدقية النتائج، سيما في ظل تقارب نسبة التأييد مع نسبة الرفض، وخروج أكبر المدن التركية عن عادة وتقليد تأييد ودعم حزب العدالة والتنمية، سواء في الانتخابات أو الاستفتاءات التي شهدتها تركيا من قبل. وقد اعُتبرت اتجاهات التصويت فيها مؤشرًا دائمًا على توجه المصوتين في عموم البلاد، بما أعطى المشككين في نزاهة الاستفتاء دوافع أكبر للحديث عن عمليات تزوير شملت العديد من المناطق الطرفية والبلدات الريفية.

وقد استندت هذه التقديرات أيضًا إلى العديد من الفيديوهات التي تم تسريبها على مواقع التواصل الاجتماعي لعمليات تزوير داخل بعض اللجان، فضلًا عن اختراق القانون بالسماح بفرز واحتساب أصوات بطاقات لم تكن ممهورة بشعار اللجنة العليا للانتخابات.

وقد أوضحت تقارير المراقبين عدم نزاهة الأجواء التي أجري فيها الاستفتاء، حيث حُرمت المعارضة في ظل فرض حالة الطوارئ من القدرة على التجمع أو التجمهر أو التظاهر للتعبير عن رفضها للتعديلات. كما لم يُسمح لها بالظهور على القنوات الرسمية والكثير من القنوات المستقلة. وصُورت معارضة الاستفتاء وكأنها "خيانة لتركيا". وعلى سبيل المثال، فقد أشار الرئيس التركي إلى أنه "لن يساوي بين من يؤيد التعديلات ومن يرفضها". وقد وظُفت ثنائية "الخير والشر"، وفق مفردات الرئيس التركي دائمًا لتفسير التنافس أو الصراع بين مؤيدي ورافضي حزمة التعديلات التي شملت 18 مادة دستورية.

كيف تم تمرير التعديلات الدستورية؟

ارتبطت استراتجية الترويج لدعم تمرير التعديلات الدستورية باستراتيجية تصفية الخصوم قبل وأثناء حملات الترويج للاستفتاء، ليبدو المشهد وكأن "أردوغان لا ينافس إلا نفسه"، حيث وجه الرئيس التركي اتهامات بشأن "سلوكيات غير أخلاقية" لرئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر حزب معارض، وتم سجن صلاح الدين ديمرتاش، زعيم "حزب الشعوب الديمقراطية"، والذي يعد ثاني أكبر حزب سياسي في البرلمان، فيما تم دعم دولت بهتشلي في صراعه الداخلي مع التيار المعارض له في "حزب الحركة القومية"، وذلك لتأييده حزمة التعديلات، في مقايضة ضمنية شملت تهميش الحزب الكردي (حزب الشعوب الديمقراطية)، وإقصاء الكوادر الكردية من المشهد السياسي، والاستمرار في التصعيد العسكري في مناطق جنوب شرق البلاد.

وثمة عوامل أخرى شكلت محركات جوهرية أيضًا لتمرير الاستفتاء، تعلقت بتوسيع قاعدة المرشحين لعضوية البرلمان من خلال تخفيض سن المرشحين من 25 إلى 18 عامًا، بما زاد من شعبية التعديلات لدى "صغار السن"، و"الطلبة في المدارس والجامعات"، وأسهم في الترويج لها كونها أيضًا تزيد أعداد أعضاء البرلمان من 550 عضوًا إلى 600 عضوًا.

بيد أن العوامل الأكثر مركزية في تمرير حزمة التعديلات ارتبطت بصعود حضور ما يمكن أن يطلق عليه "الأردوغانيين الجدد"، وهى قطاعات من المواطنين متنوعة الخلفيات، يغلب عليها القطاعات المحافظة، والطبقة الوسطى، التي حققت رخاءً اقتصاديًّا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. كذلك هناك قطاع عريض من رجال الأعمال، والمنتفعين اقتصاديًّا وماليًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا من الحزب الحاكم، وهى قاعدة استطاع حزب العدالة توسعتها تدريجيًّا خلال عقد ونيف خلي، لتشمل رجال قانون وقضاة وأساتذة جامعات وفنانيين ومثقفين، وكلها باتت تتبارى لدعم حزب العدالة، الذى تتداخل معه في علاقات مصلحية متشابكة.

ومع ذلك فإن "العوامل الكامنة" لعبت أدوارًا مركزية أيضًا، حيث التخوفات التي أضحت تجتاح قطاع غير هين من المجتمع التركي بشأن مستقبل البلاد، في ظل الأوضاع التي تعيشها دول الجوار الجغرافي، سيما في ظل القاعدة التي نجح أردوغان في ترسيخها لدى قطاعات من مؤيديه، ومفادها "أن ما دون العدالة والتنمية في تركيا الفوضى". وقد ترسخ ذلك الإدراك لدى العديد من المواطنين الأتراك بسبب ضعف أحزاب المعارضة، وانقاساماتها الحادة على المستويات السياسية والأيديولوجية والعملية، فضلًا عن التخوف من العودة إلى حالة التدهور الاقتصادي الذي عايشته تركيا في مراحل تاريخية سابقة.
ورغم ارتفاع نسبة معارضي الاستفتاء على نحو كبير، سيما في مدن تركيا الرئيسية، بيد أنه كان من الواضح أن ذلك يرتبط بوعي المواطنين بمخاطر الانتقال من حكم ديمقراطي قائم على توازن السلطات والصلاحيات، إلى نظام تهيمن عليه "الرئاسة" في إطار نظام سلطوي يعيد النظام السياسي التركي إلى ما قبل عام 1950.

بيد أن ذلك لم يجسد بأي حال من الأحوال نتائج عمل حزبي منظم قادر على تعبئة الجماهير، بما مثل أحد نقاط ضعف المعارضة، وواحد من محركات تمرير التعديل الدستوري.

تداعيات حزمة التعديلات الدستورية

يبدو أن نتائج الاستفتاء لن تكون جواز مرور إلى نظام سياسي مستقر، بقدر ما تقر هذه النتائج استقرار الرئيس التركي في السلطة "كحاكم مؤبد"، حيث يحق للرئيس التركي الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة ولدورتين. وهناك "ثغرة دستورية" تسمح له بالدعوة لانتخابات برلمانية ورئاسية بالتزامن، قبل انتهاء ولايته الثانية، ما قد يتيح له البقاء في الحكم إلى ما بعد عام 2029.

ويبدو أن ذلك قد يكون مسار توتر داخلي مرجح، لا ترتبط مفاعيله وحسب بالشبهات التي أحاطت بمسار الاستفتاء الذي يسمح لأردوغان بذلك، وإنما يتعلق بالأساس بأن خطوات الرئيس التركي ستستمر في إغلاق كافة منافذ التعبير عن التوجهات المخالفة والمعارضة لسياساته. فقد أسرعت الحكومة التركية بعد يوم واحد من الاستفتاء إلى إجراء حزمة تعديلات على قوانين الانتخابات والقوانين المنظمة للاستفتاءات لكي تضمن سد أي ثغرات تتعلق بالطعون الانتخابية وسلامة الإجراءات في هذا الجانب، وذلك في محاولة لتثبيت نتائج الاستفتاء كأمر واقع، وهو ما يعد من منظور قوى المعارضة دليلًا إضافيًّا على صدق تقديراتها بشأن التجاوزات التي شابت عملية الاستفتاء.

وربما ترتبط الإشكالية الأكبر على المدى القريب بأن النظام البرلماني كان كفيلًا بمشاركة سياسية أوسع وتمثيل أكبر للمجتمع التركي، الذي يتسم بانقسامات أيديولوجية حادة بين إسلاميين وعلمانيين، ويساريين ومحافظين، وليبراليين وقوميين، كما يعاني من تصاعد مظاهر الانتماءات الأولية أو الفرعية للأقليات العرقية والعلوية، والتي تناهز نحو 35 في المائة من المواطنين الأتراك. فنظام الحزب المهيمن قد يعني عدم قدرة هذه الأقليات على التعبير عن توجهاتها، والحفاظ على مصالحها من خلال العمل السياسي المنظم، بما يدفعها إلى مسالك أخرى قد يكون العنف من بينها، سيما في ظل السياسات التركية الخارجية التي تبدو مخالفة لتوجهات وتحيزات الكثير من هذه الأقليات.

وعلى المستوى الخارجي، قد تساهم نتيجة الاستفتاء في تصعيد التوتر التركي - الأوروبي، سيما في ظل الانتقادات الغربية التي وُجهت لتركيا بشأن سلامة إجراءات الاستفتاء، بما قد يعزز من احتمالات وقف مفاوضات العضوية التركية مع الاتحاد الأوروبي.

بيد أن ذلك لن يؤثر على علاقات تركيا مع واشنطن أو موسكو، غير المعنيين بتطورات الوضع الداخلي في تركيا بقدر انعكاسه على سياساتها الخارجية على مسرح العمليات السوري والعراقي. وقد تتجه تركيا إلى توسيع نطاق أعمالها العسكرية في سوريا في مرحلة ما بعد "درع الفرات". كما قد تسرع من خطى عملية عسكرية في العراق تحت اسم "درع دجلة"، وذلك تفاديًا لتوترات محتملة بسبب نتائج الاستفتاء، عبر محاولة ضمن ما تستهدف توحيد الجبهة الداخلية وضمان فاعلية استراتيجية "ثنائية الخير والشر"، التي طالما وظُفت لتعبئة مؤيدى الحزب الحاكم.

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية