متابعات تحليلية - الخليج

العلاقات السعودية العراقية.. دلالات التقارب في ضوء المتغير الإيراني

طباعة

شهدت العلاقات العراقية السعودية نقلة نوعية بالزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لبغداد في الخامس والعشرين من فبراير الماضي وأعقبها زيارة وفد عراقي رفيع المستوى للرياض في منتصف مارس الجاري؛ هذا الحراك الدبلوماسي المتبادل استهدف رأب الصدع الذي شهدته علاقات البلدين طوال السنوات الماضية، والذي بلغ ذروته بطلب بغداد - في أغسطس من العام الماضي-  استبدال السفير السعودي بعد أن أدلى بتصريحات اعتبرتها الحكومة العراقية تدخلًا في شئونها الداخلية، وذلك على خلفية السيطرة الإيرانية على مجمل مسار الأوضاع السياسية في العراق منذ أن تولت الحكومات الشيعية المتعاقبة السلطة في بغداد كترجمة لواقع المحاصصة الطائفية، وهي حكومات ارتبطت بولاءات طائفية وسياسية مع نظام ولاية الفقيه في طهران، وبمقتضى ذلك الارتباط أصبحت العراق "ساحة نفوذ" لإيران ومنطلق مشروعها الإقليمي الذي يقوم على ضمان التواصل بين مناطق وأقاليم الهلال الشيعي الممتد من العراق إلى سوريا وصولًا للبنان حيث حزب الله، وهو النفوذ الذي استخدمته طهران في تهديد أمن دول الخليج العربية بصورة بلغت أوجها بعد دخول الاتفاق النووي الإيراني مع دول 5 +1 حيذ التنفيذ في يونيو 2015.

لكن ومع تولي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب السلطة في يناير الماضي وتصريحاته بشأن سياسة إيران في منطقة الخليج؛ وانتقاده" هيمنة النظام الإيراني" على العراق، بالإضافة إلى اعتباره إيران الراعي الرئيسي للإرهاب في المنطقة، بدا أن ثمة تغييرات في سياسة واشنطن تجاه إيران تجعلها مختلفة عن سياسة التراخي التي تعاملت بها الإدارة السابقة مع النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا في الملفين العراقي والسوري. من هذا المتغير الجديد في العلاقات الإيرانية الأمريكية وقراءة الرياض لمستجداته جاءت النقلة النوعية السعودية تجاه بغداد لتعيد تشكيل العلاقات بين البلدين بما قد يسهم في عودة العراق لعمقه العربي، هذه النقلة لها أهدافها، كما أن لها دلالاتها من حيث التوقيت والظرف الإقليمي الذي تمت فيه، ولها أيضًا انعكاساتها على آفاق العلاقة بين البلدين.                          

أهداف الانعطافة السعودية تجاه العراق

النقلة النوعية السعودية تجاه العراق بزيارة الجبير جاءت في توقيت إقليمي غاية في الأهمية؛ فالعلاقات البينية شهدت توترًا متصاعدًا بدأ مع ولاية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي رفض رفضًا تامًا أي دور عربي في العراق، في الوقت الذي ازداد ارتباط حكومته بإيران وبأجنداتها الإقليمية، كما أن التوقيت نفسه يشهد تفاعلًا تتكاتف فيه القوى الدولية والإقليمية على محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في كل من العراق وسوريا؛ وترجم هذا التكاتف في عمليات تحرير مدينة الموصل بمحافظة نينوى العراقية من مقاتلي التنظيم وسط دعم من قبل التحالف الدولي والولايات المتحدة التي أعلنت تمسك إدارتها الجديدة بثوابت العلاقات الأمريكية مع حلفائها في منطقة الخليج، وفي سياق الحرب على الإرهاب تتخوف الرياض من انخراط عراقي رسمي محتمل في ملاحقة "داعش" داخل الأراضي السورية، وجاءت تلك المخاوف بعد القرار الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للقوات الجوية العراقية بقصف مواقع التنظيم في الأراضي السورية المتاخمة للحدود العراقية بالتعاون مع الحكومة السورية.

وهو ما اعترضت عليه الرياض لأنها تخشى أن يتطور قرار العبادي ليشمل دخول قوات عراقية نظامية لمواجهة داعش في محافظة الرقة السورية لمنع التنظيم من العودة لمهاجمة العراق عبر الأراضي السورية، أو دخول ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي العراقي- التي تتولى إيران تدريبها وتمويلها - المحافظة نفسها بعد الانتهاء من دورها في الموصل العراقية؛ ما يعني اتساع دائرة الميليشيات الشيعية العراقية المتواجدة داخل الأراضي السورية التي تأتمر بأوامر إيران، ويعني أيضًا اتساع نطاق سيطرة جيش النظام السوري على مناطق أخرى تابعة للمعارضة حال تقويته بميليشيات الحشد الشعبي العراقية ذات الممارسات الطائفية ضد المكون السني في العراق لاسيما في المدن - ذات الغالبية السنية - التي شاركت في تحريرها من قبضة داعش كمدن الفلوجة والرمادي بمحافظة الأنبار؛ والموصل بمحافظة نينوى بالإضافة إلى محافظة صلاح الدين؛ أي استهدفت الرياض من عودة التواصل السياسي مع بغداد الضغط على العبادي للتراجع عن مثل هذا القرار أو عدم تفعيله داخل سوريا، وذلك عبر مجموعة من الإغراءات كالمشاركة في إعادة إعمار المناطق التي يتم استعادتها من داعش، بالإضافة إلى مجموعة من الامتيازات الاقتصادية والتجارية في ظل حاجة العراق للدعم السعودي اقتصاديًّا. 

وفي سياق تحركات الرياض للحد من نفوذ طهران في العراق، يدخل المتغير الإيراني على معادلة العلاقات العراقية السعودية، لاسيما وأن الحرب على الإرهاب في الموصل تتقدم بالرغم من بعض الصعوبات الميدانية، ما يعني اقتراب تلك الحرب من نهايتها، ويعني أيضًا بدء تشكيل خرائط نفوذ سياسية جديدة لواقع المشهد السياسي والطائفي في العراق في مرحلة ما بعد الموصل ودحر داعش منها، وهي مرحلة ترغب الرياض في أن تكون جزءًا منها ومن ترتيبات المصالح الجيوسياسية في العراق باعتباره جارًا إقليميًّا طالما استخدمته إيران كساحة نفوذ ضاغطة على السعودية وجاراتها من دول الخليج، وتحاول السعودية وفقًا لهذا الهدف ليس فقط استعادة نفوذها في العراق عبر الشراكة الاقتصادية، وإنما أيضًا عبر ترقية هذا النفوذ ليحقق قفزات نوعية تنقله من مرتبته التي كانت تالية للنفوذ الأمريكي والإيراني إلى مرتبة أكثر تقدمًا، موازنة النفوذ الإيراني في المرحلة القادمة، مستغلة في ذلك عدة عوامل: الأول، وزنها وثقلها السياسي والديني لدى العشائر السنية العراقية، والذي تراجع على مدار السنوات الماضية؛ نتيجة لتصاعد النفوذ الإيراني ومساندته للحكومات الشيعية العراقية التي مارست سياسيات إقصاء وتهميش حادة ضد تلك المكونات السنية. والثاني، انتهاز فرصة التوتر الذي تشهده العلاقات الأمريكية الإيرانية للتأكيد على أهمية الدور السعودي في العراق، الذي تروج بمقتضاه الرياض لفكرة أنها تقف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية العراقية شيعة كانوا أو سنة، دون تحيزات أو استقطابات دينية أو طائفية. أما الثالث، استغلال طلب الرئيس الأمريكي ترامب من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بضرورة "فك الارتباط" بين الحكومة العراقية وبين إيران خلال المرحلة القادمة، مقابل مساعدة بلاده على التخلص من داعش.    

في ظل تلك المستجدات يأتي التساؤل بشأن قدرة الرياض على إخراج العراق من دائرة النفوذ الإيراني، خاصة وأن المعطيات السابقة تشير إلى وجود عوامل إقليمية ودولية مواتية لصالح السعودية من شأنها خلق بيئة مناسبة للقيام بهذا الدور. يمكن القول إن قدرة السعودية على استعادة العراق تتوقف على السلطة العراقية نفسها؛ ومدى ( رغبتها في / وقدرتها على) التخلص من النفوذ الإيراني عبر انتهاج سياسة داخلية شاملة لكافة المكونات السياسية على أسس المواطنة والهوية العراقية الجامعة الواحدة وليس على أسس طائفية، الأمر الذي يمكنها من عرقلة مخططات بعض القوى الشيعية العراقية ذات الارتباطات المصلحية بإيران، والتي كانت سببًا مباشرًا في ابتعاد العراق عن عمقه العربي واقترابه بشدة من طهران، وهنا تجدر الإشارة إلى مسار عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري الذي تبنته حكومة العبادي بعد عام من توليها السلطة في 2014، والتي جاءت كرد فعل على سلسلة من الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها المحافظات الشيعية نفسها اعتراضًا على كافة سياسات الحكومة بما فيها سياسات التهميش والإقصاء لشركائهم في الوطن من السنة العراقيين، وهي إصلاحات لازالت تعاني تعثرًا كبيرًا على وقع تجاذبات القوى المكونة للبيت السياسي الشيعي المهيمن على السلطة، أي أن العبادي لايزال غير قادر على فك ارتباط القوى الشيعية العراقية ذات الثقل السياسي بإيران، ما قد يمثل عائقًا كبيرًا أمام مسار استعادة العراق سعوديًّا أو عربيًّا.        

دلالات التقارب وآفاقه المستقبلية

التقارب الذي أبدته السعودية تجاه العراق بالكيفية السابق عرضها، ووفقًا لجملة الأهداف المذكورة يحمل عدة دلالات:

أولها، يشير إلى التأثير المحتمل للتقارب بين الدولتين على مسار محاربة الإرهاب على المستوى الثنائي؛ حيث أعربت الرياض عن قلقها بشأن تواجد عدد من الميليشيات العراقية المسلحة التي لا تخفي ارتباطها بإيران في المنطقة الحدودية بين العراق والسعودية، وتعتبرها الرياض تنظيمات إرهابية تهدد الأمن القومي السعودي؛ ومن ثم فإن حكومة بغداد مطالبة باتخاذ خطوة مهمة بشأن تقويض عمل تلك الميليشيات التي ربما تقوم بضربات أمنية ضد السعودية وأمنها الداخلي أو تتمدد داخل أراضيها، هذه الدلالة تتوقف على تعاطيات الحكومة العراقية مع الانعطافة السعودية تجاهها؛ لاسيما وأن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لا يمانع في ترقية العلاقات بين بغداد والرياض، ولكنه يواجه قيودًا عديدة في علاقته الحزبية بالقوى السياسية والتكتلات الشيعية ذات الثقل السياسي والاجتماعي في العراق تكبح من محاولاته التقارب مع الدول العربية والسعودية تحديدًا.

ثانيها، يشير إلى تأكيد الرياض بأنها تقف على مسافة واحدة من كافة القوى والأحزاب السياسية العراقية – على اعتبار أن السعودية السنية لا تجد غضاضة في ترقية التعاون مع العراق الذي تحكمه حكومة شيعية -  بما يمثله ذلك من الحفاظ على وحدة الهوية العراقية بصورة تتجاوز مثالب الطائفية السياسية التي رسخها الاحتلال الأمريكي، وترجمته القوى الشيعية عبر خرائط نفوذ داخلية شكلتها تحالفاتها ومصالحها الإقليمية، ربما تعبر هذه الدلالة عن تأخر تحركات الرياض تجاه خطوة استعادة العراق، بل وارتهان تلك الخطوة لمستجدات العلاقات الإقليمية الدولية أكثر من كونها تنم عن "توجه استراتيجي" للسياسة الخارجية السعودية تجاه جار مهم في المنطقة يمثل بموقعه الجيوسياسي محور ارتكاز لمشروع النفوذ الإيراني، لكن وبالنظر لعدد ونوع الاتفاقات الاقتصادية والتجارية التي تم إبرامها بين الجانبين العراقي والسعودي منذ فبراير الماضي يمكن القول إن الانعطافة السعودية تجاه بغداد هذه المرة تبدو أنها أكثر جدية.

ثالثها، محاولة الرياض الاستثمار السياسي في العراق في هذا التوقيت الإقليمي من شأنه حجز موقعًا لها في ترتيبات مرحلة ما بعد هزيمة داعش بما لا يترك العراق كساحة خالصة للنفوذ الإيراني مجددًا، حتى وإن كان هذا الموقع يأتي من باب الاستثمار الاقتصادي وإعادة الإعمار، أي على أقل تقدير من الضروري أن يكون هناك تواجدًا عربيًّا يعيد رسم علاقات العراق مع عمقه العربي في المرحلة القادمة، بما يمثله هذا التواجد من أهمية في رسم خرائط النفوذ الإقليمي المستقبلية، وبما يوازن النفوذ الإيراني السياسي المتأصل وجوده في العراق.    

وختامًا، يمكن القول إن آفاق العلاقات السعودية العراقية على خلفية المستجدات السابقة ستكون محكومة إلى حد كبير بدور رئيس الوزراء حيدر العبادي في تفعيل تلك العلاقات باعتباره شخصية مقبولة سعوديًّا على العكس من نظيره السابق نوري المالكي، بالرغم من انتمائهما لحزب الدعوة الذي يتسم بطائفيته الشديدة، لكن تعاطيات العبادي مع تجاذبات الداخل العراقي بين كافة مكونات المشهد السياسي الشيعة والسنة والأكراد منذ توليه السلطة تبدو أقل طائفية وحدة، كما أنه يميل لاستخدام السياسات التوافقية مع تلك المكونات وتحديدًا مع السنة، وهو ما قد يكون أحد أهم الأسباب التي دفعت الرياض إلى إعادة تفعيل علاقاتها مع العراق على الرغم من عدم قبول عدد من القوى الشيعية العراقية لهذا التقارب، بل إن بعضها اعتبر أن التقارب السعودي مع العراق في هذا التوقيت يستهدف خلط أوراق حليفهم الإقليمي الإيراني، واستغلال توترعلاقاته الإقليمية والدولية.   

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية