مقالات

السياسة الخارجية المصرية... بين الثوابت والممانعات الإقٍليمية والدولية

طباعة

المتابع لتقاطع التحركات المصرية على المستويين الإٍقليمي والدولي مع محاولات إعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط من قبل القوى الدولية، ودعم بعض القوى الإقليمية، يلاحظ العديد من المفارقات التي تعكس حجم ما تواجهه مصر من تجاذبات ما بين دعاوى تحفيز وجذب، وبين ضغوط ومحاصرة إقليمية ودولية.

وعلى خلفية التحولات المتسارعة على المستويين الإٍقليمي والعالمي، بات هناك مجموعة من الثوابت المهمة التي تحكم السياسة الخارجية المصرية، تتمثل في دعم الدولة القومية، من ناحية، وعدم الانزلاق في حروب أهلية طائفية وأيديولوجية من ناحية ثانية، ورفض الأحلاف العسكرية الدولية من ناحية ثالثة، والحرص على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول من ناحية رابعة، وضبط النفس عند الأزمات من ناحية خامسة، فضلا عن تدعيم العلاقات التعاونية على المستويين الإٍقليمي والدولي.

لكن مع أهمية هذه الثوابت إلا أنه من شأنها أن تقلل هامش المناورة المصرية، لا سيما تجاه ملفات وقضايا تمس صميم الأمن القومي المصري، ودورها ومسئولياتها الإقليمية. ومع الإقرار المسبق، بأهمية إعادة تحديد ملامح الدور المطلوب ومتطلباته وتكلفته، فإن تحييد العديد من الأطراف الدولية والإقليمية ذات التأثير السلبي على المصالح العليا المصرية يقتضي بالتبعية زيادة هامش المناورة والتحرك إقليميا ودوليا. وهنا يكمن التحدي أو المأزق ما بين متطلبات تفعيل الدور وتحمل تكلفته وهى كبيرة ومتعددة المستويات والاتجاهات، وبين القبول بالحد الأدنى والممانعة التي تضعها العديد من القوى الإقليميةقبل الدولية.

 ويقودنا ذلك إلى التساؤل عن جدوى التحرك المصري النشط على الصعيدين الإقليمي والدولي، وقدرة هذا التحرك على بلورة أولويات المصالح المصرية بدون تكلفة إقليمية ودولية باهظة. فلا شك أن المحافظة على الثوابت المصرية، قديمًا وحديثًا، قد كلف مصر الكثير من التضحيات والتأثيرات التي ما تزال تداعياتها قائمة (الصراع العربي الإسرائيلي، ثم اتفاق السلام مع إسرائيل، ورفض الأحلاف: حلف بغداد 1955، ومشروع إيزنهاور عام 1957، وحتى مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت، ومشاركتها في عاصفة الحزم كانت بحسابات خاصة، وهو ما عبرت عنه بوضوح الدكتورة نيفين مسعد في مقالها الرائع في الأهرام 11 مارس 2017 الذي جاء تحت عنوان مصر وسياسة الأحلاف العسكرية). ولكنها تظل محددات وركائز لدور مصر الإقليمي ومسئولياتها ومكانتها، فالتمايزات في المصالح الحالية إقليميا ودوليا أصبحت ظاهرة للعيان، كما أن مقايضة المواقف من شأنها أن تطرح معضلة أزمة الخيار ما بين القبول بتهميش وحصار الموقف المصري، وبين الاشتباك والتداخل في العديد من الملفات التي تحمل تكلفة سياسية وربما استراتيجية كما تعكسه عملية التجاذب التي تتعرض لها مصر في مسألة الأحلاف العسكرية، والصراع على أسس طائفية، وسعيها لاستعادة مكانتها في منطقة القرن الأفريقي والحزام الجنوبي لأمنها القومي.

فمن الواضح أنه ليس مسموحًصا ولا مقبولًا دوليًا وإقليميًا أن ترسم مصر دورها وتحركها بعيدًا عن التجاذبات الدولية والإقليمية القائمة، ولا أن تصيغ موقفًا عربيًا مشتركًا؛ فالأولويات والمصالح والمخاطر متباينة، وهو ما تجلى بوضوح في محاولة إفشال المبادرة المصرية الخاصة بتشكيل قوة عربية مشتركة لصالح تحالفات عسكرية دولية.

وبالتالي، فإن التحدي القائم حاليا يتلخص في القدرة على بلورة رؤية سياسية وانتهاج استراتيجية واضحة تعكس مسار التحرك المصري وسط غابة الملفات المتشابكة والمتشعبة بأطرافها وقضاياها، فلا يمكن الآن فصل ملفات سوريا والعراق واليمن وليبيا عن بعضها البعض، ولا تحييد تأثير هذه الملفات على واقع ما تشهده دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي من مستجدات ومتغيرات، وإن كان شعار مكافحة الإرهاب وتنظيم داعش هو العنوان الأكبر، فإن الصراع الطائفي السني الشيعي هو العنوان الأكثر بروزًا ودافعًا للكثير من التطورات والمستجدات القادمة.

هذه الخريطة من الصراعات والتنافسات المرتبطة بإعادة توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط، وإعادة هندسة المنطقة تمتد بدورها إلى منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي، وهي مساحة أخرى تتقاطع فيها التحديات والمخاطر أمام السياسة المصرية؛ فتطورات الوضع في السودان، وجنوب السودان، والصومال، تشير إلى أنماط أخرى من إعادة هندسة هذه المنطقة مستنده إلى الصراعات الداخلية وعدم الاستقرار والتنافس على الموارد الطبيعية، ورفض النفوذ المصري.

يقودنا ذلك إلى هامش المناورة المتاح أمام التحرك المصري. وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من الملاحظات المرتبطة بنموذج واحد من المسارات التي توضح وتفسر حجم التضييق والضغط الإقليمي والدولي على التحركات المصرية تجاه حزامها الجنوبي.

الملاحظة الأولى، تتعلق بحجم الهجوم على الدولة المصرية وبعض مؤسساتها وسياستها الخارجية من قبل إثيوبيا والسودان على فترات، كنتيجة مباشرة لتحرك مصر وتفعيل دورها في جنوب السودان، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي. فقد أسهم التحرك المصري الأفريقي على مستوى القارة ككل، وعلى منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي بشكل خاص، والتركيز على قضايا مكافحة الإرهاب والمحافظة على الاستقرار في الاتجاه نحو إعادة التوازن بين القوى الإقليمية الفاعلة في هذه المنطقة، خاصة تجاه إثيوبيا التي استفادت من انحسار الدور المصري خلال المرحلة الماضية.

فمحاولات التحفظ ورفض الدور المصري وتحجيمه، وبالتالي الضغط لمحاصرته يمكن قراءتها من خلال تحركات إثيوبية وسودانية في العديد من الملفات المتقاطعة والمتشابكة، مثل: ملف الأمن المائي، ومحاولة تهميش دور مصر في معادلة التعاون المائي في حوض النيل، وفرض اتفاق عنتيبي واستغلال حالة عدم التوازن التي مرت بها الدولة المصرية خلال عامن 2011 لفرض الأمر الواقع في بناء سد النهضة الإثيوبي، واستغلال التوتر في العلاقات المصرية- السعودية، وتفجير أزمة حلايب وشلاتين، ورفض السودان الدور المصري في جنوب السودان مع ترحيبها بالدور الإثيوبي بعد أن استطاعت إثيوبيا أن تمتلك الكثير من الأوراق الضاغطة والمحفزة لشمال السودان. يضاف إلى ذلك قدرة عدد من دول شرق أفريقيا على الاستفادة وتوظيف التحركات الدولية ودور الشركات العالمية في تغيير الكثير من المعادلات القديمة المرتبطة بطبيعة التنمية والاستثمار واستغلال الموارد الطبيعية في تلك المنطقة من القارة الأفريقية، فلا يجب النظر إلى سد النهضة وسلسلة السدود التي تم الإعلان عنها، على أنها مشروعات اقتصادية تنموية فقط، بل هي في الحقيقة إعادة هندسة متكاملة للحياة وأنماطها في تلك الدولة، وتغيير لأوزان القوى الإقليمية وطبيعة العلاقات البينية. وإن كانت إثيوبيا قد استطاعت أن تسوّق لنفسها وتمتلك من المقومات والدعم الغربي، لا سيما الدعم الأمريكي، ما يوفر لها الامتداد والنفوذ الإقليمي في الصومال وفي شرق أفريقيا، وامتلاك العديد من الملفات المهمة المرتبطة بالمصالح الغربية.

الملاحظة الثانية، إن التحرك المصري في تلك المنطقة من شأنه أن يزيد الاحتكاك والتنافس وربما الصدام مع العديد من القوى الإقليمية في منطقة حوض النيل أو خارجه، خاصة أن تعدد الأطراف والقوى الدولية يزيد من تكلفة الوجود المصري، لاسيما مع عدم ترحيب بعض الأطراف بهذا الدور. فتكالب العديد من القوى الدولية والإقليمية على منطقة القرن الأفريقي والبحيرات العظمى مثل: الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، واليابان، وتركيا، وإيران، والسعودية، والإمارات، وقطر، وتعدد الأهداف ما بين توظيف سياسي للسيطرة على مصادر الموارد الطبيعية من ناحية، وتعزيز للتواجد السياسي والاستراتيجي لبعض القوى في مناطق ذات أبعاد جيو- استراتيجية من ناحية ثانية، وتعظيم فرص الاستثمار باستغلال موارد تلك المنطقة، لاسيما في مجالي الزراعة والطاقة الحيوية والتعدين من ناحية ثالثة. تلك الأهداف جميعها تفرض قيودًا ومنافسة قوية على مستقبل الدور المصري.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك خريطة التواجد العسكري المباشر وغير المباشر، مثل تأجير القواعد العسكرية والتجارية لظهر حجم التحدي الملقى على السياسة المصرية تجاه إفريقيا بشكل عام، ودول تلك المنطقة بشكل خاص، حيث يوجد في جيبوتي قاعدة عسكرية أمريكية وأخرى فرنسية، وقواعد تجارية يابانية وصينية، بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية، وفي دولة إريتريا توجد قاعدة إماراتية في ميناء عصب، وكذلك في الصومال في ميناء بربرة شمالي البلاد، بالإضافة إلى القاعدة التركية في الصومال التي من المقرر لها أن يتم افتتاحها في إبريل القادم.

الملاحظة الثالثة،إن تعدد الأطراف والتكالب يمكن أن يوفر فرصًا مصرية، شريطة التحرك الفاعل والسريع الذي يتوافق واحتياجات هذه الدول وما تفرضه الأزمات من أطر للتدخل، وهو ما تجلى في التحركات المصرية تجاه جنوب السودان والتي وجدت تفاهمات مع دول، مثل: أوغندا وكينيا وجنوب إفريقيا، والقبول بتحركات مصرية تجاه العديد من الملفات مما أتاح الحديث عن إيجاد مخارج جديدة لأزمة اتفاق عنتيبي الذي ترفضه مصر، فضلا عن الاستفادة مما يوفره تغير الإدارة الأمريكية من مستجدات ومتغيرات تجاه موازين القوى فى منطقة شرق إفريقيا والقرن الأفريقى والتي كانت تصب في صالح إثيوبيا.

وهنا يمكن الإشارة للجهود المصرية فى ليبيا لتعزيز استقرارها والمحافظة على كيان الدولة ومكافحة الجماعات الإرهابية ، باعتبارها قضية أفريقية وليس قضية عربية أو مصرية فقط، فتهديدات الوضع فى ليبيا لها امتداداتها الأفريقية، وبالتالى تبقى الجهود المصرية لمكافحة الإرهاب فى ليبيا أو مع دول تجمع الساحل والصحراء لتعزيز الأمن والسلم فى القارة من المداخل المهمة لتعزيز الدور والمكانة المصرية فى القارة الأفريقية.

هذا التنافس والتكالب على هذه المنطقة التي تمثل الامتداد الجنوبي الاستراتيجي لمصر ونفوذها وأمنها القومي، توضح مدى تعقد وتشابك مسار واحد من مسارات التحرك المصري في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها مصر منذ عام 2011، وما تزال تداعياتها قائمة، وما ملف سد النهضة بكل مخاطره وتهديداته إلا مظهر واحد من تشابكات متعددة تعكسها أنماط العلاقات والتفاعلات مع كل من السودان وإثيوبيا من جانب، وبيئة تنافسية عاكسة لجملة من التحديات والمخاطر التي تلقي بظلالها وتداعياتها على دور مصر ومصالحها وأمنها، من جانب آخر.

طباعة
د. أيمن السيد عبد الوهاب

رئيس وحدة الدراسات المصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية