متابعات تحليلية

هجوم لندن... تساؤلات معلقة حول شبكة التطرف البريطانية

محمد جمعة * 8131 23-3-2017
طباعة

حتى الآن، لم تتكشف بعد كافة أبعاد الحادث الإرهابي المركب الذي وقع على مدخل البرلمان البريطاني في قصر ويستمينيستر، أمسالأربعاء الثاني والعشرين من مارس 2017؛ فشهادات شهود العيان تؤكد أنهما حادثان منفصلان، أحدهما عند أبواب البرلمان، حيث طُعِنَ ضابط شرطة بسكين مما أسفر عن وفاته، والآخر عند جسر ويستميسنستر، حيث اقتحمت سيارة دفع رباعي مسرعة جسر ويستمينيستر، واصطدمت عمدًا بالمارة. في حين أكدت السلطات البريطانية أن ما حدث هو هجوم مركب نفذه شخص واحد (دون استبعاد فرضية حصوله على مساعدة ما من آخرين). وقد أسفر الحادث عن مقتل خمسة أشخاص حتى الآن (العدد مرشح للارتفاع بالنظر لخطورة إصابة بعض الضحايا) من بينهم ضابط الشرطة، ومنفذ الهجوم، وإصابة 40 آخرين على الأقل، بينهم ثلاثة طلاب فرنسيين. وكانت أبواب البرلمان البريطاني، بعد الحادث، قد أُغلقت طوال فترة ما بعد الظهيرة إلى أن فتحت وسُمِح لأعضائه الذين كانوا بداخله بالمغادرة. في الوقت ذاته كان المهاجم قد نُقِلَ إلى مستشفى سان توماس قبل أن تعلن الشرطة عن وفاته تأثرًا بإصابته.

وفي الوقت الذي تتكتم فيه الشرطة البريطانية، حتى وقت كتابة هذا التحليل، وترفض الإفصاح عن هوية المنفذ رغم تأكيدها معرفته،فإن محاولة استقصاء كافة أبعاد الحادث، وعلى رأسها الجهة المسئولة عنه، تتطلب طرح عدة سيناريوهات أساسية، وذلك بالاستناد  إلى التقارير الأولية التي نشرت حول الحادث، فضلًا عن معطيات الواقع البريطاني والأوروبي بشكل عام، والتطورات داخل "سوق الإرهاب" الدولي.

السيناريو الأول: هجوم لحساب "القاعدة" عن طريق أحد قدامى المؤيدين لها

يؤسس لهذا السيناريو مقطع الفيديو الذي تداولته مواقع التواصل الاجتماعي البريطانية، وانتشر صداه في الكثير من وسائل الإعلام الدولية، بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث، حيث تم تداول صورة (قيل إنها لمنفذ الهجوم، استطاع أحد المارة التقاطها) تشبه إلى حد كبير "تريفور بروكس" أو "أبو عز الدين"، وهو أحد قدامى المؤيدين البريطانيين للقاعدة. فقد بدأ أبو عز الدين نشاطه بعد لقائه أبو حمزة المصري. وكان قد سافر إلى باكستان قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفور عودته كانت إجابته أمام سلطات التحقيق البريطانية أنه ذهب إلى باكستان لإلقاء سلسلة من المحاضرات الدينية.

ولد "أبو عز الدين" في بريطانيا، ويتخطى عمره الآن الأربعين عامًا، حيث أسلم عام 1993 وكان عمره آنذاك 18 عامًا تقريبًا. يعود لأبوين من "جاميكا" من ذوي الأصول الأسيوية هناك. هذه المواصفات هي المواصفات ذاتها التي ذكرها شهود العيان على الحادث، حيث أكدوا على ملامح آسيوية لرجل في الأربعينيات من عمره. وكانت حسابات "أبو عز الدين" على مواقع التواصل الاجتماعي قد تم إغلاقها من قبل، بعد عدة منشورات له تحض على الكراهية والقتل. كذلك له عدة مقاطع على "يوتيوب" يهاجم فيها الشرطة ونواب برلمان ويتهمهم بالكفر، وأنه يسكن في "دار الحرب". وكان قد حُكم عليه من قبل بالسجن بعد إدانته بـــ"الخرق المتعمد لضوابط مكافحة الإرهاب"، ودعمه المعلن للإرهاب، وذلك مع بدء محاكمة ستة أفراد أدينوا بالتخطيط لتنفيذ سلسلة تفجيرات انتحارية دموية، في 21 يوليو2005، ضد وسائل نقل عامة في لندن... أى بعد 14 يومًا فقط من المذبحة التي خلفتها تفجيرات لندن في السابع من يوليو 2005، والتي أسفرت عن مقتل 52 شخصًا، وإصابة 700 آخرين. آنذاك جاهر "أبو عز الدين" بالقول: "إننا كمسلمين نشرب من دماء أعدائنا.. ذلك هو الإسلام وذلك هو الجهاد".

مثل هذا السيناريو تدعمه تقديرات بعض المحللين الأمنيين والاستخباراتيين التي ترى أن حاجة "القاعدة" في هذه الآونة (حيث يشهد العالم الفصل الأخير من "خلافة داعش") إلى إعادة التأكيد على زعامتها لـــ"الجهاد العالمي"، ربما تشجعها على محاولة تنفيذ هجوم على أهداف غربية، لكسب التأييد لها بين آلاف العناصر من الفلول "الضالة" من "جنود الخلافة". والشاهد على هذا المسعى لوراثة "دولة الخلافة"، تلك الرسالة الصوتية التي وجّهها زعيم القاعدة في يناير الماضي، من مخبئه (الأفغاني/ الباكستاني)، خاطب فيها على نحو خاص أنصار "الدولة" وأتباعها، داحضًا مزاعم "الخليفة" والناطقين باسمه، ورادًا عن نفسه وتنظيمه، جملة الاتهامات التي ساقها "البغدادي" ضده. لقد جاء الخطاب في توقيت دقيق وحساس، وسط شعور متزايد بأن عام 2017، سيكون عام نهاية "دولة داعش"، وعيون الظواهري على أنصار التنظيم وقواعده، الذين سيستشعر جزء منهم، كبر أم صغر، بأن العودة إلى حضن التنظيم الأم، خير له من الإبقاء على بيعته لـــ"خليفة" بات يواجه، مع ما تبقى من أنصاره، أسئلة المصير.

وفي سجال سابق بين زعيم القاعدة و"خليفة" داعش، اتهم الأول الثاني بـ "التمرد" و"الخروج عن إجماع الأمة"، ليرد البغدادي على الظواهري بأنه "دولة" وأنهم "تنظيم"، وأن البيعة لـ "دولة الخلافة" أولى من البيعة لتنظيم... مجرد "تنظيم". اليوم، يتهيأ التنظيم لوراثة جند "الدولة" بعد أن لاحت في الأفق بوادر انهيار مؤسساتها ومقتل أكثر من 60% من قادتها، وانحسار جغرافيتها المتواصل والمتسارع.

المقصد وفقًا لهذا التحليل أن القاعدة سعت من خلال هذا الهجوم للتأكيد على أنها ستسترد صدارتها وجدارتها من جديد في قيادة "الجهاد العالمي".

لكن مع وجاهة التحليل السابق، لكن هذا السيناريو يواجه العديد من نقاط الضعف التي لا تجعل منه السيناريو الأرجح. ونشير هنا إلى نقطتين أساسيتين: نقطة الضعف الأولى،أن الهجوم يبدو بسيطًا وضعيفًا، ولا يحمل بصمات القاعدة؛ فلا يتضمن تفجيرات انتحارية أو عبوات ناسفة ذات أوزان كبيرة كتلك التفجيرات الانتحارية الضخمة التي وقفت وراءها عناصر القاعدة في لندن في 7 يوليو عام 2005، وراح ضحيتها آنذاك أكثر من خمسين قتيلًا، و700 مصاب. فضلًا عن أن القاعدة وهي تخطط لاسترداد صدارتها وأحقيتها بقيادة "الجهاد العالمي" من المستبعد أن يكون سبيلها إلى ذلك مثل هذا الهجوم الضعيف نسبيًّا، حيث كل أدواته المستخدمة مجرد سيارة شخصية لدهس المارة بطريقة عشوائية، وسلاح أبيض لمهاجمة شخص ما أو الإجهاز عليه.

نقطة الضعف الثانية، أن "أبو عز الدين"، وإن كان معروفًا عنه مناصرته للقاعدة، إلا أن هناك من يشكك في فرضية قيامه بالهجوم أصلًا، وينفي عنه هذا الاتهام برمته. ففي الوقت الذي انتشر فيه خبر قيام "أبو عز الدين" بالهجوم، نقلت صحيفتا "ديلي ميل  Daily mail" و"ميرور Mirror" عن محامي "المتهم" ما يفيد بأن "موكله" لا يزال يقبع في السجن منذ يناير 2016، حيث حُكم عليه بالحبس لمدة عامين بتهمة انتهاك قانون الإرهاب البريطاني.

السيناريو الثاني: هجوم لحساب "داعش" من خلال "مقاتلين عائدين" أو "خلايا نائمة"

يتأسس هذا السيناريو على تقارير الصحافة البريطانية التى أشارت إلى أنه من غير المستبعد أن تشهد بريطانيا حوادث إرهابية متكررة، خلال الأسابيع والأشهر القادمة، لسببين على الأقل؛ أولهما؛ زيادة أعداد العائدين من سوريا والعراق، خاصة أن هذه الموجة الجديدة من العائدين من المتوقع أن تكون من بين أكثر العناصر تطرفًا وتشبعًا بالفكر الداعشي. إذ تشير التقديرات إلى أن الموجات الكبيرة لتدفق المقاتلين من أوروبا إلى داعش وقعت خلال الفترة من 2012 وحتى مطلع العام 2014. في الوقت ذاته، شهد العامان الماضيان عودة بعض المقاتلين الأجانب المحبطين جراء الممارسات الدموية لداعش، بينما مكثت العناصر الأكثر تطرفًا داخل صفوفها. هذه العناصر بالذات من المتوقع أن يخرج بعضها عائدًا إلى أوروبا، بنية استهداف البلدان المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش.

ثانيهما؛ أن الخسائر المتلاحقة لتنظيم داعش في سوريا والعراق دفعت التنظيم بالفعل إلى تفعيل خلاياه في الخارج، لغرض الانتقام من "خصومه"، وأيضًا، أملًا في نقل بيئة الخطر والتهديد إلى داخل أوروبا، ومن ثم تخفيف الضغط عليه في الداخل، ولو بشكل جزئي. بمعنى أن زيادة التحديات ستحفز على زيادة الهجمات ضد مدى واسع من الأهداف القريبة والبعيدة، حيث ستميل الهجمات الإرهابية ضد مدى واسع من الأهداف القريبة والبعيدة إلى استعراض حيوية داعش، حتى لو أشار "تراجع الخلافة" إلى العكس (هذه الاستراتيجية ليست جديدة ... سلكت حركة الشباب الصومالية المسلك نفسه بعد إقصائها عن مقديشيو ومدن أخرى في الصومال، مستهدفة مراكز تسوق ومواقع مدنية في كينيا، أوغندا وغيرها).

ولا شك أن الوصول السهل نسبيًّا إلى أراضي الاتحاد الأوروبي (كونها قريبة من ساحات الحرب في الشرق الأوسط) سيمنح داعش أهدافًا مغرية، وستكون القدرة على العمل من دون أن تكتشف عبر وسائل اتصال مشفرة اختبارًا للسلطات الأوروبية.

وكانت صحفية الجاردين البريطانية قد نشرت تقريرًا في التاسع من مارس الجاري (2017)، أشارت فيه، نقلًا عن مسئولين بريطانيين، إلى أن إجراءات إدارة مشكلة المقاتلين الأجانب (رغم التعاون مع تركيا التي يُعتَقَد أن المقاتلين البريطانيين سيمرون من خلالها) لا يبدو أنها كافية للتقليل من مخاطر العائدين. ففي الوقت الذي يخضع فيه كافة المواطنين غير الأوروبيين لتدقيق أمني كبير أثناء دخولهم وخروجهم القارة الأوروبية، من بينها الكشف عنهم في قواعد البيانات الدولية الخاصة بمنطقة الشينغن، لا يخضع حملة الجنسيات الأوروبية لمثل هذه الإجراءات. وهناك عقبات تحول دون ذلك حاليًّا. كذلك، أشار التقرير إلى اعتراف بعض المسئولين البريطانيين بأن أجهزة الاستخبارات لا تملك الموارد الكافية لرصد تحركات كافة المُشتبه فيهم.

تجدر الإشارة إلى أن عدد المقاتلين البريطانيين في صفوف داعش يُقدر بنحو 850 مقاتلًا، بعضهم عاد بالفعل (خلال العامين الماضيين) في حين من المتوقع عودة عدد كبير منهم إلى جوار أطفالهم الذين ولدوا في سوريا والعراق، خلال الشهور الثلاثة القادمة، سواء قبل سقوط آخر معاقل داعش في الموصل والرقة، أو بعد هذا السقوط المنتظر فى الصيف القادم، وأن نحو ربعهم فقط هم من سيبقون في العراق وسوريا، أو سيغادرون إلى بلدان إسلامية أخرى بحسب مسئولين أمنيين في بريطانيا.

ويعزز من فرص هذا السيناريو، توقيت ومكان الهجوم، حيث يشيران إلى أن الجهة المنفذه أكبر من مجرد "ذئب منفرد" قرر فجأة الاستجابة لدعوات قيادة التنظيم بتنفيذ مثل هذه الهجمات. فالهجوم استهدف مقر البرلمان البريطاني، وبالتزامن مع جلسة المساءلة الإسبوعية لرئيسة الوزراء من قبل نواب البرلمان. أيضًا الهجوم جاء في يوم انعقاد "التحالف الدولي ضد داعش" بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة 68 دولة، وهو الاجتماع الذي أكد فيه المسئولون الأمريكيون، مقتل أهم القيادات العسكرية المحيطة بالبغدادي، بل وأشاروا إلى أن تصفية البغدادي نفسه أصبحت مسألة وقت ليس أكثر. هنا بالذات يمكن القول، وبالنظر إلى هذه المعطيات، إن العملية استهدفت إيصال رسالة مفادها أن التنظيم ما زال فاعلًا (حتى ولو كانت الحقيقة عكس ذلك) وقادرًا على الوصول إلى أكثر الأهداف أهمية وتأمينًا. في الوقت ذاته فإن استهداف مقر البرلمان يضمن تحقيق الأثر الدعائي الواسع، بل وعلى النحو المطلوب في هذه الأوقات "العصيبة" التي يمر بها التنظيم.

لكن بالمقابل، يقلل من فرص هذا السيناريو، طريقة التنفيذ، والوسائل البدائية التى استخدمت في الهجوم، حيث لا تعكس على الإطلاق ما يتمتع به مقاتلو داعش الذين باتوا يتمتعون بقدرات قتالية متقدمة،وقدرات عالية على تكوين الشبكات عبر البلدان لتحريك الأفراد والأموال والمواد اللازمة لتنفيذ مختلف الهجمات الإرهابية.هذه القدرات التى تتحسب منها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لمختلف دول العالم (ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا) يبدو أنها كانت السبب وراء القرار الأمني الذي اتخذته واشنطن مؤخرًا (وحذت بريطانيا حذوها) بمنع ركاب الطائرات المدنية القادمة من عشر مطارات في ثماني دول بالمنطقة من اصطحاب أية أجهزة إلكترونية معهم –غير الهاتف النقال-  على متن الطائرة.

المقصد أن بدائية الوسائل المستخدمة في الهجوم تقلل من فرص السيناريو السابق، وتفتح المجال أمام سيناريو ثالث يتمثل في احتمال قيام " ذئب منفرد"  بتنفيذه.

السيناريو الثالث: هجوم لــــ" ذئب منفرد" استلهم نموذج داعش

يتأسس هذا السيناريو على المعطيات التى سبقت الإشارة إليها، والتي تقلل من فرص السيناريو الثاني. فالطريقة التي نُفذ بها الهجوم  توحي بأن "ذئبًا منفردًا" قرر فجأة أن ينتقم لما يعانيه التنظيم من حصار خانق  في الموصل والرقة، وقرر الهجوم بما في متناول يديه (أي سيارته وسلاح أبيض متوافر في كل بيت) وبطريقة تعكس "عدمية داعش"... حيث الهجوم الذي يؤدي إلى موت المنفذ في النهاية، وحيث مسرح عمليات أوروبي وغربي شهد مؤخرًا العديد من حوادث الدهس العشوائي بالسيارات الخاصة أو بحافلات النقل الأكبر حجمًا، على النحو الذي رأيناه في باريس أولًا، ثم في ألمانيا، وكندا، ووصولًا إلى بريطانيا.

لكن بالمقابل، وكما سبقت الإشارة في السيناريو الثاني، فإن توقيت الهجوم واستهدافه لمقر البرلمان، يقلل من احتمالات قيام مجرد "ذئب منفرد" قرر فجأة القيام بهذا الهجوم.

إذن، في الحاصل الأخير، يبدو الارتباط الواضح بين السيناريوهين الأخيرين، حيث تتساوى – من وجهة نظرنا – فرص تحققهما من عدمه. وبالتالي يبقى الرهان على ما ستكشفه معطيات الشرطة البريطانية وفرق مكافحة الإرهاب هناك، خلال الساعات أو الأيام القادمة، لتحديد أي من السيناريوهين هو المعبر فعليًّا عن حقيقة ما حدث بالفعل.

ويبقى القول، إن هجوم الأمس أثار التساؤلات حول ما يتوقعه البعض من وجود "شبكة تطرف بريطانية" عميقة الجذور يمكن لداعش (أو غيرها) توظيفها واستثمارها بسهولة. ويذكرنا ذلك باستطلاع للرأي مثير، أجرته صحيفة ذي تايمز أوف لندن The times of London  أُجري عقب تفجيرات لندن الدامية (2005) مباشرة، كان قد خلُص إلى أن 12% من الشباب البريطاني المسلم يعتبر مرتكبي الحوادث الانتحارية في لندن "شهداء".

طباعة
محمد جمعة

باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية