متابعات تحليلية - العالم

تركيا وهولندا.... مباراة سياسية محسوبة

طباعة

تصاعدت توترات العلاقات التركية- الأوروبية خلال الآونة الأخيرة على نحو غير مسبوق. وقد ارتبطت هذه التوترات بالمواقف المعارضة للعديد من الحكومات داخل دول الاتحاد الأوروبي حيال قيام مسئولي الحكومة التركية بالدعاية للاستفتاء المقرر إجراؤه في 16 إبريل 2017، عبر اللقاءات الجماهيرية الواسعة على أراضيها، بهدف حشد المواطنين لتأييد مشروع التعديل الدستوري، والذي يستهدف تحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وتوسيع صلاحيات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على نحو يتنافي مع النظم السياسية الديمقراطية.
التوترات المحدودة سرعان ما اتسع نطاقها وميادينها لتنتقل من نطاق علاقات تركيا بألمانيا إلى ساحات كل من السويد والدنمارك والنمسا واليونان، وصولًا إلى هولندا، التي بلغ التوتر السياسي والدبلوماسي معها مستوى غير مسبوق، على النحو الذي شكل حرجًا لبعض البلدان الأوروبية في استقبال مسئولين أتراك. فقد أجلت الدنماراك، على سبيل المثال، زيارة رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، والتي كانت مقررة بنهاية مارس الجاري (2017). وسرعان ما تحول هذا التوتر المكتوم في العلاقات التركية – الأوروبية إلى سجالات دعائية علنية، وتصريحات عدائية متبادلة، ظاهرها يرتبط بتصاعد حدة الرفض التركي لمنع بعض مسئوليها من عقد لقاءات جماهيرية مع الجاليات التركية في أوروبا، فيما جوهرها يرتبط بملفات عدة تتعلق بالمواقف الأوروبية السابقة من محاولة الانقلاب في تركيا، والتي تعتبرها سلطات الحزب الحاكم في تركيا لم تكن على المستوى المطلوب، بما في ذلك رفض عدد من الحكومات الأوروبية تسليم بعض العسكريين التركيين المتهمين بالتورط في هذه المحاولة، بعد طلبهم اللجوء السياسي لدول من ضمنها اليونان وألمانيا.
كما يرتبط ذلك أيضًا بتعثر تطبيق اتفاقية مارس 2016 بشأن اللاجئين، والتهديد التركي بالإقدام على إلغاء الاتفاق ما لم يلتزم الجانب الأوروبي بمنح مواطني أنقرة تأشيرة "شنغن" Schengen، وفق نصوص الاتفاق، هذا إضافة إلى معارضة تركيا وتنديدها المتواصل بما تتمتع به الجماعات التركية المعارضة، سواء ارتبطت بحركة "الخدمة" أو حزب العمال الكردستاني PKK، من حرية حركة تسمح بممارسة "دعاية عدائية"، على أكثر من ساحة أوروبية، وعبر أدوات عمل مختلفة.

سياق التصعيد وتحولاته

يبدو أن مأزق الجميع في هذا التوتر الذي سرعان ما تحول إلى صراع مفتوح العواقب والخواتيم، كونه جاء قبيل إجراء انتخابات في أكثر من بلد أوروبي، وارتباط محركاته بتصاعد أدوار اليمين المتطرف الذي بات يزحزح اليمين المحافظ من مواقعه نحو التشدد والتطرف سواء على نحو كامل أو عبر "أجنحة سياسية" داخلية باتت تشكل قوى وازنة داخل أكثر من حزب حاكم على الساحة الأوروبية.
وبينما أجندة الصراع الحزبي على الساحات الأوروبية متخمة بقضايا عديدة، منها قضية الإرهاب واللاجئين والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فثمة من رغب في تأجيل أو منع مؤقت لاستقبال ساسة أتراك لمخاطبة جاليات مزدوجة الجنسية، وتقدر أعدادها - حسب تقديرات متنوعة - بنحو 7 مليون مواطن. ورغم حساسية الموقف الأوروبي والمأزق السياسي الذي تعانيه العديد من الأحزاب الحاكمة، التي قد يتراجع حضورها السياسي والشعبي خلال الشهور القليلة القادمة، إلا أنها لم تجد استجابة من الجانب التركي الذي استغل موقف بعض البلديات الألمانية التي رفضت منح "تصاريح إدارية" في هذا الشأن، للتصعيد غير المسبوق على أكثر من مستوى، كان أبرزها وصف القادة الألمان بـ"النازيين الجدد" و"الأوروبيين الفاشيين"، وذلك على لسان الرئيس التركي، ورئيس حكومته، ووزير الخارجية.
استدعى ذلك دعوة النمسا إلى حظر كافة التجمعات الجماهيرية للجاليات التركية، ورفض استقبال القادة الأتراك على الساحات الأوروبية، غير أن أغلب البلدان الأوروبية فضلت التريث. وظل هذا الموقف غالبًا إلى أن أسهم التصعيد التركي حيال ألمانيا في تصاعد انتقادات قادة الأحزاب المتطرفة داخل ألمانيا وخارجها لتركيا والأحزاب الأوروبية الحاكمة، جراء عدم اتخاذ مواقف حاسمة حيال تصاعد حدة التصريحات التركية ضد أكثر من بلد أوروبي.
ترتب على ذلك أن أبلغت السلطات الهولندية رفضها استقبال وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، بما أفضى إلى تصاعد حدة التصريحات التركية ضد هولندا، ووصفها "بالنازية" و"الفاشية"، ووصل الأمر إلى حد وصفها من قبل الرئيس التركي بـ"جمهورية الموز"، داعيًا المنظمات الدولية إلى فرض عقوبات عليها، سيما بعد أن قامت بمنع موكب وزيرة الهجرة والأسرة من الوصول إلى القنصلية التركية في مدينة أوتردام. كما طالبت أنقرة بمنع السفير الهولندي من العودة إلى أنقرة بعد انقضاء مدة إجازته، وذلك على نحو "مؤقت".
وبينما أفضى ذلك إلى تصاعد حدة الهجمة الشعبية على البلدان الأوروبية، وإعادة تأكيد أن الشعب التركي بات يرفض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى الحد الذي دفع أحد الكتاب إلى القول "إن على أوروبا أن تطلب الانضمام إلى الاتحاد التركي، وليس العكس"، فإنه أوضح أن تراجع ألمانيا عن موقفها من استضافة تجماعات لجاليات تركية مع مسئولي وقيادات حزبية تركية، بالإضافة إلى سماح فرنسا بالأمر ذاته، وفق ما أطلق عليه "المروو الحر"، يرتبط بمحاولة تفويت الفرصة وإحباط استراتيجية أردوغان في تصدير الأزمة إلى البلدان الأوروبية، بما يخلق حالة من التوتر تستثمرها الأحزاب وقوى اليمين المتطرف التي تتهيأ للانقضاض على الحكم. بيد أن ذلك لم يحل دون التصعيد التركي حيال هولندا للضغط عليها لاستنساخ النموذج الألماني والفرنسي في التعاطي مع الموقف التركي.
بيد أن قرب موعد الانتخابات الهولندية و"مزايدة" أحزاب اليمين المتطرف حال دون قدرة الحكومة على إبداء أي مرونة تسمح بتمرير الأزمة بهدف الحفاظ على العلاقات مع أنقرة، لذلك فقد قال رئيس الوزراء الهولندي، مارك روته، أنه سيفعل ما بوسعه لصون العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة، مضيفًا "نريد أن نكون الطرف الأكثر تعقلًا.. إذا صعدوا سنضطر إلى الرد ولكننا سنفعل كل ما بوسعنا من أجل تحقيق التهدئة"، مطالبًا أنقرة بالاعتذار عن وصف الحكومة الهولندية بـ"فلول النازيين والفاشيين".

أسباب التصعيد ومقاصده

بدت استراتيجية "حافة الهاوية" طريقة مثلى لدى نخبة الحزب الحاكم في تركيا لتعبئة الشعب التركي خلف قيادته السياسية، سواء ضد "أعداء متخيلين" في الداخل أو "غرماء متآمرين" في الخارج، وذلك من أجل تعبئة الأصوات وحشد المواطنين، من خلال العمل على إثارة "الوتر القومي" لدى الأتراك؛ فعبر التصعيد مع البلدان الأوروبية استطاع أردوغان تحويل تطورات هذا الصراع إلى مادة موظفة لخدمة دعم أطروحاته بشأن مواد الدستور المقترح تعديله، وذلك بدلًا من مناقشة مواد هذا التعديل، وتأثيراتها المحتملة على طبيعة العلاقة بين السلطات في النظام السياسي التركي المحتمل.
وقد استفاد الحزب الحاكم في تركيا من تصاعد أدوار أحزاب اليمين المتطرف مثلما أفادها تصعيده، سيما في ظل أجندتها المتخمة بقضايا الإرهاب واللاجيئن و"الأقليات فوبيا"، بفعل العمليات الإرهابية التي طالت أكثر من بلد أوروبي، بما جعل النمط الشعبوي في الدعاية الانتخابية التركية، وكذلك نظيرتها الأوروبية لأحزاب اليمين تُظهر أردوغان وكأنه يقف في مواجهة أوروبا الرافضة لسيطرته على السلطة السياسية، عبر معارضتها التعديلات الدستورية التي من شأنها إطلاق صلاحياته، وذلك في مسعى لا يستهدف وحسب تعبئة أصوات التيار التركي المحافظ، والتيارات القومية المتشددة، وإنما دفع "التيارات المترددة"، التي لم تحسم موقفها من التصويت إلى دعم المقاربات التي يتبناها الحزب الحاكم.
ربما ارتبط ذلك أيضًا بإدراك أن هناك قرابة 65 في المئة من الشعب التركي لم تعد تؤيد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومن ثم تعبئة هذه التيارات من الممكن أن يشكل رصيد إضافي من أجل حسم الاستفتاء الدستوري المقرر شهر إبريل المقبل. هذا إضافة إلى كونها آلية من خلالها يمكن شحذ المواطنين الأتراك في الخارج لدعم "الوطن الأم" في معركته مع "الوطن البديل"، الذي كانت له أدوار مركزية في إسقاط الأمبراطورية العثمانية، قبل أقل من قرن من الزمان، وفق الخطاب الإعلامي السائد لدى حزب العدالة والتنمية ومريدية على الساحات المحلية والمجاورة.

مسارات التصعيد ومآلاته

ربما يعبر "التصعيد المؤقت" بين الجانبين عن "استراتيجية موجهة" من قبل القيادة التركية، واضطرار القيادات الأوروبية للتماهي معها، حتى لا يصب "التوتر المدبر" من تركيا، و"التصعيد الانتهازي" من قبل تيارات اليمين الأوروبي المتطرف في غير صالحها. فعلى سبيل المثال، وحسب تصريحات الرئيس التركي، هناك نحو 250 ألف مواطن تركي في هولندا. وتشير تقديرات إلى أنه من المحتمل أن يدعم نصفهم موقف الحزب الحاكم في استفتاء الدستور، وهو ما يعني أن الأصوات الجديدة التي يمكن مراكمتها لا تمثل دافعًا قويًّا لإثارة صراعات غير مسبوقة مع هولندا. وكان يمكن تفادي ذلك، حال ما توفرت الإرادة، عبر تأجيل اللقاءات الجماهيرية إلى ما بعد الانتخابات الهولندية.
هذا إضافة إلى أن الحكومة الهولندية ذاتها كانت قد أبلغت أنقرة بعدم استعدادها لاستقبال وزير الخارجية في هذا التوقيت، غير أن وزير الخارجية التركي صرح بأن الحكومة الهولندية لا يمكنها منع اللقاء مع المواطنين الأتراك، مهددًا بفرض عقوبات سياسية واقتصادية في مواجهة السلطات الهولندية، وهو ما دفع الأخيرة بدورها إلى التصعيد عبر رفض هبوط طائرته على أراضيها. ولم يكن الأمر بالنسبة لزيارة وزيرة الأسرة والطفل التركية بعيدًا عن ذلك، كونها قامت بدخول مدينة روتردام برًا، وذلك في زيارة غير منسق بشأنها.
ووفق تصريحات، أحمد أبو طالب، عمدة أوتردام، فإن القنصل التركي قد أخبر السلطات الهولندية أن الوزيرة جاءت للتجول وليس لإلقاء خطاب جماهيري والتعبئة والحشد السياسي. كما جاءت زياراتها بعد منع طائرة وزير الخارجية التركي من الهبوط، بما يوحي بأن ثمة "تصعيد موجه".
إن هولندا، وغيرها من البلدان الأوروبية التي نهجت نهجها، قد استندت على أن اتباع سياسية "المرور المعلق" أو "المرور غير الحر" في مواجهة القادة الأتراك، إنما يستند على الحق في ممارسة السيادة، ومواد اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، وطبيعة المشكلات الأمنية التي قد تترتب على تجمع الجالية التركية، في ظل انقسامها وتباين توجهاتها، هذا فضلًا عن طبيعة التهديدات الأمنية التي تعاني منها هولندا كغيرها من الدول، ومن ضمنها تركيا ذاتها، والتي كانت قد شهدت اغتيال السفير الروسي على أراضيها.
وفي مقابل ذلك، فقد تواصلت سياسات التصعيد التركي عبر الخطاب الإعلامي الموجه إلى "الجوار الشمالي"، بما خلق حالة توتر غير مسبوقة، جعلت تركيا مادة رئيسة على جدول الانتخابات التي تشهدها أكثر من بلد أوروبي خلال الفترة المقبلة، فيما أضحى "توظيف" الموقف الأوروبي محركا رئيسيًّا لدفع المواطنين للتمترس خلف الحكومة التركية، وذلك على نحو جعل اندفاع أحزاب المعارضة للتوعية بخطورة مواد الدستور التركي المقترح إقرارها، نوعًا من الرفاهية، إن لم يكن يمثل "طعنًا في الظهر"، وذلك في ظل اشتداد "المعارك"، التي تستدعي التخندق ضمن صفوف الحزب الحاكم، الذي دفع تصعيده إلى إقرار السلطات الألمانية بدورها التوقف عن استضافة القادة الأتراك، ووضع حد لسياسة "المرور الحر".

طباعة
محمد عبد القادر خليل

مدير برنامج تركيا والمشرق العربي - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية