عروض

"مختارات إيرانية" - عرض العدد 191- يناير 2017

طباعة

مازال التصعيد مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل المحور الأساسي للتفاعلات السياسية الداخلية في إيران، بشكل انعكس بدوره على وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الإيرانية، التي تناولت آليات مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة برؤى وسياسات مختلفة.

 وبالإضافة إلى ذلك، هناك قضايا عدة ما زالت تطرح نفسها على الساحة السياسية الإيرانية الآن، بدايةً من وفاة رفسنجانى المفاجئة والبحث عن بديل له، ومحاولات الإصلاحيين العودة إلى الساحة السياسية، لما يمثله ذلك من أهمية كبيرة لهم قبل إجراء الانتخابات الرئاسية القريبة، مروراً بالتحولات الاستراتيجية التي يشهدها الصراع في سوريا، وانتهاءً بمحاولات إدارة ترامب الحد من النفوذ الإيرانى؛ من خلال وضع إستراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة إيران، والخيارات المتاحة أمام إيران للتعامل مع ذلك. كل تلك القضايا تناولها العدد الجديد للمجلة من خلال أقسامها المختلفة.

فقد جاءت افتتاحية المجلة، التي كتبها الأستاذ محمد عباس ناجى رئيس التحرير، تحت عنوان "تسييس السينما: إيران تستثمر الأوسكار لمواجهة ترامب"، وتحدث فيها عن الموقف الذي اتخذه المخرج الإيراني أصغر فرهادي تجاه قرار إدارة ترامب بمنع رعايا سبع دول من بينهم إيران، من دخول الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أدان هذا القرار، وحرص على عدم المشاركة في حفل جوائز الأوسكار في 26 فبراير 2017، بعد أن فاز فيلمه "البائع" بجائزة أحسن فيلم أجنبي غير ناطق باللغة الإنجليزية. لكن الأهم من ذلك هو أنه كان دقيقاً في اختياره لمن ينوب عنه في تسلم الجائزة، في رسالة لا تخلو من مغزى سياسي واضح، حيث اختار كلا من أنوشى أنصارى، أول رائدة فضاء، وفيروز نادرى المدير السابق لبرنامج التنقيب عن الطاقة الشمسية في وكالة "ناسا" وهما أمريكيان من أصول إيرانية. ومن دون شك فإن الرسالة واضحة، ومفادها أن قسماً من المهاجرين الذين اثبتوا كفاءة وتميزاً خاصاً في المجالات العلمية المختلفة، والذين يريد ترامب منع المزيد منهم من دخول الولايات المتحدة من أصول إيرانية.

ولم تخل انتقادات فرهادى لقرار ترامب أيضاً من إسقاطات سياسية على الوضع الداخلي في إيران، رغم ما هو معروف عنه من العزوف عن الاشتباك مع الواقع السياسي القائم في دولته، حيث استغل الفرصة لتوجيه انتقادات قوية لتيار المحافظين الأصوليين في إيران.

ويرى عباس أن إيران تريد دائماً إثبات أنها "دولة طبيعية" وليست "دولة ثيوقراطية" أو "راديكالية"، وذلك لتأكيد قدراتها على الانخراط في التزامات وصفقات دولية حتى مع ما تسميه "الشيطان الأكبر"، بشكل لا يمكن معه استبعاد احتمال أن تتجه نحو البحث عن محاور للتوافق أو التفاهم مع الإدارة الجمهورية الجديدة في البيت الأبيض.

وفى باب "آفاق إيرانية" الذي جاء تحت عنوان "استراتيجية أمريكية متعددة الأبعاد للمواجهة مع إيران"، يشير الدكتور محمد السعيد إدريس، مستشار المجلة، إلى احتمالات تحويل الصراع الإقليمي من صراع عربي– إسرائيلي إلى صراع عربي – إيراني، إلى جانب الخيارات الأخرى المطروحة وأبرزها مقايضة تمكين روسيا في سوريا، مقابل تفكيك التحالف الروسي مع إيران، وبالأخص في سوريا، وإنهاء أي وجود إيراني عسكري أو سياسي، وأي وجود لحزب الله في سوريا، وبذلك يكون قد تحقق هدفين: أولهما توجيه ضربة قاصمة للنفوذ الإيراني الإقليمي، وثانيهما تأمين إسرائيل من أي خطر جديد على الحدود مع سوريا.

ووفقاً للدكتور إدريس، فإن فرص نجاح هذه السياسة يعد ضعيفا جداً، نظراً لعمق التعاون، إذ لم يكن التحالف العسكري والدبلوماسي بين موسكو وطهران، خاصة في سوريا التي تمثل محور اهتمام البلدين. ويأتي خيار المواجهة مع إيران في العراق ليس كبديل لخيار تفكيك التحالف الروسي – الإيراني، ولكن كخيار مكمل أو إضافي، نظراً لأهمية الساحة العراقية بالنسبة لإيران. إذ أن العراق وإن كان مركز تفوق النفوذ الإيراني، إلا أنه في الوقت ذاته يشكل نقطة ضعف لإيران، بما يعني أنه إذا فقدت إيران العراق فسوف تخسر كثيراً في سوريا ولبنان وأيضاً في اليمن.

ورأى د. محمد السعيد عبد المؤمن، مستشار المجلة، في باب "قضية العدد"، الذي جاء تحت عنوان "تطلعات النظام الإيراني في عام نضجه"، أن هناك عدة قضايا تطرح نفسها على الساحة السياسية الإيرانية، وتسعى القيادة للتعامل معها، في إطار الجدل المثار حولها داخل النخبة. ومن بين هذه القضايا قضية ملء الفراغ الذي فرضته وفاة رفسنجانى المفاجئة، وأيضاً قضية انتخاب رئيس جديد للجمهورية الإسلامية.

وضم باب "دراسات" ثلاث دراسات. جاءت الأولى، التي أعدتها الأستاذة ميرفت ذكريا، بعنوان "رؤية غربية مغايرة للدور الإقليمي الإيراني: صعود محور المقاومة الإيراني: كيف يشكل شرق أوسط جديداً؟". وتشير الدراسة إلى ظهور اتجاه جديد داخل الدوائر السياسية والأكاديمية الغربية يدعو إلى إمكانية التعويل على حضور إيران في الإقليم في الحفاظ والدفاع عن المصالح الغربية بصفة عامة والأمريكية بصفة خاصة.

أما الثانية، فركزت على التأثيرات التي يمكن أن يفرضها الخطاب التصعيدي للإدارة الأمريكية على نتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة. فيما عرضت الثالثة، التي أعدها الأستاذ أحمد كامل البحيري، "القدرات الصاروخية الإيرانية" (الجزء الثاني)، والتي تعتبر بمثابة "رأس الحربة" لدى المؤسسة العسكرية الإيرانية، وهى الذراع الطولى في حالة أي هجوم إيراني محتمل.

فيما تضمن باب "شئون داخلية" قضايا مختلفة، تضمنت ما أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام الإيرانية "الدور التمثيلي" الذى يقوم به أحمدي نجاد قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة، إلى جانب قضايا أخرى على غرار آليات تأسيس نظام اقتصادي جديد لا يعتمد على النفط، وأبعاد وتأثيرات ظاهرة الإدمان.

وركز باب "التفاعلات الإقليمية" على التحولات الاستراتيجية التي يشهدها الصراع السوري، خاصة بعد انتهاء معركة حلب وإجراء مفاوضات جديدة بين النظام السوري وقوى المعارضة في كل من الأستانة وجنيف، حيث اعتبر الإعلام الإيراني أن تلك التحولات تتوافق مع رؤى وسياسات إيران والنظام السوري، بشكل بات يفرض ضغوطاً قوية على بعض القوى المناوئة للأخير، على غرار تركيا.

وجاء باب "سياسات" تحت عنوان "إيران وعودة الحرس القديم"، حيث أشار إلى أن الصورة الأقرب للرأي العام الإيراني اليوم هي أن النظام يتجه إلى العودة للاستفادة من الجيل السابق، الذى يعد الحرس القديم في الثورة في دعم الجبهة الداخلية المؤيدة للنظام، من أجل الخروج من الارتباك الذى وقع فيه، نتيجة دعوات قوى الإصلاحيين إلى الانفتاح على القوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يمكن أن يؤدى إلى إحداث تغييرات في مسيرة الثورة الإيرانية.

وفى باب "مداخلة" يشرح الأستاذ الدكتور يحيى داوود عباس، صلات إيران القديمة بمدن آسيا الوسطى حيث اتخذ سمرقند نموذجاً في هذا السياق. فيما يقدم باب "قراءة في كتاب" عرضاً لكتاب بعنوان "العلاقات الإيرانية الخليجية، الصراع.. الانفراج.. التوتر"، يناقش مدى التغير الذي أحدثته الثورة الإيرانية عام 1979 في السياسة الخارجية لإيران تجاه دول الخليج العربي.

وركز باب "العلاقات الدولية" على العلاقات بين إيران وإدارة ترامب التي تسعى إلى توسيع نطاق الخلافات مع إيران لتشمل دعم الإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط إلى جانب الاتفاق النووي.

ويشير باب "اتجاهات" إلى مساعي رموز الإصلاحيين في إيران للعودة إلى الساحة السياسية، وذلك من خلال مناسبتين: الأولى هي مناسبة الاحتفال بذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والثانية هي المنافسة في انتخابات رئاسة الجمهورية التي اقترب موعدها. فيما تناول الأستاذ الدكتور محمد نور الدين عبد المنعم في باب "الزاوية الثقافية" التأثيرات الإيجابية لغناء بعض المطربين والمطربات لعدد من القصائد المنطوقة باللغة الفصحى، على انتشارها بين الناس.

واختتم العدد بباب "رؤى عربية" الذي ضم أربع رؤى. ناقشت الأولى، التي كتبتها الأستاذة صافيناز محمد أحمد، المسارات المحتملة للأزمة السورية بعد مفاوضات الأستانة وجنيف-4. في حين تناولت الثانية، التي كتبها الأستاذ كرم سعيد، تقارب الضرورة بين كل من تركيا وإيران، وأوجه الخلاف بينهما. أما الثالثة، التي كتبتها الأستاذة شروق صابر، فركزت على التقارب الإيراني – الروسي مع حركة طالبان، وارتباط ذلك بسعي هذه الأطراف إلى امتلاك أوراق ضغط يمكن استخدامها في التفاعلات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأخيرا ركزت الرابعة، التي كتبتها الأستاذة رانيا مكرم، على الأسباب التي مكنت إيران من الحصول على جوائز رفيعة في السينما العالمية رغم القيود التي يفرضها النظام الإيراني منذ الثورة وحتى الآن، والآليات التي يستخدمها الأخير لاستثمار ذلك في دعم قواعده الشعبية.

طباعة
شروق صابر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية