عروض

الدروس المستفادة من خبرة مكافحة الإرهاب في العراق - عرض العدد رقم 21 من دورية بدائل

طباعة

تعد ظاهرة الإرهاب من أخطر ما تتعرض له المجتمعات والدول من ظواهر وأحداث، لما تحدثه من تداعيات وآثار عميقة تصيب المجتمع أو الدولة التي تُبتلى بها، بالإضافة إلى أن القضايا المتعلقة بسياسات مكافحة الإرهاب في المرحلة الحالية تحتل مساحة مهمة في مناقشات مراكز الفكر، وفي القمم التي تجمع قادة الدول سواء على المستوى العالمي، أو على المستوى الإقليمي، ويلاحظ عدم وجود اهتمام حقيقي بنقل الخبرات بين الدول في مجال مكافحة الإرهاب، رغم ما يتضمنه ذلك من إمكانية الوقوف على فعالية سياسة ما قبل الشروع في تبنيها، أو استدراك التداعيات غير المقصودة التي قد تترتب على تبني سياسة ما من واقع خبرات الدول الأخرى.

وفي هذا السياق، يناقش عدد مارس 2017 من دورية "بدائل" التي تصدر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدروس المستفادة من خبرة مكافحة الإرهاب في العراق، حيث تقدم الدراسة 11 درسًا مستفادًا من الحالة العراقية، وترتبط هذه الدروس بالسياسات التي اتبعها العراق منذ تشكيل الحكومة العراقية الدائمة في 2006 مرورًا بمرحلة صعود تنظيم داعش منذ 10 يونيو 2014 والحرب الدائرة ضده على أراضي العراق.

وترجع أهمية هذه الدروس وفقًا لما تشير إليه- الدكتورة إيمان رجب-  الخبيرة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ورئيس تحرير الدورية في مقدمة العدد التي تحمل عنوان "تبادل الخبرات: مداخل تطوير سياسات مكافحة الإرهاب"، إلى أن مكافحة الإرهاب أصبحت عملية معقدة خلال المرحلة الحالية، ليس فقط بسبب الفجوة بين قدرات المؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب وتلك الخاصة بالجماعات والعناصر الإرهابية، ولكن أيضا بسبب قدرة الإرهابيين على التطوير السريع لاستراتيجيات عملهم على نحو أصبح الإرهاب يجمع بين كونه يمارس من  داخل التجمعات المدنية، وباستخدام التكنولوجيا الحديثة، واستحداثه أسلوب يتخطى فكرة الهياكل التنظيمية الهيراركية الجامدة، على نحو انتشر معه نمط الإرهاب بلاقيادة leaderless terrorismبصوره الثلاث؛ الخلايا الصغيرة والذئب المنفرد والأرملة السوداء.

كما تشير الدكتورة إيمان رجب إلى أنه رغم أهمية هذه الدروس في إطار تبادل الخبرات بين الدول العربية، إلا أن ذلك يظل مقيدا بحقيقة اختلاف الظروف الخاصة بالعراق عن أي من الدول العربية الأخرى التي تكافح الإرهاب خلال المرحلة الحالية، سواء فيما يتعلق بطول مدة عملية المكافحة والتي تمتد لما يزيد على 14 عاما تحول فيها الإرهاب واكتسب أشكالا متعددة، أو فيما يتعلق بالتكلفة المترتبة على هذا التهديد.

وقد قام الدكتور مثنى العبيدي -أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة تكريت بالعراق، بإعداد الدراسة الرئيسية لهذه العدد والتي تحمل عنوان "الدروس المستفادة من خبرة مكافحة الإرهاب في العراق"، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية على النحو التالي:

أولًا: خصائص الإرهاب في العراق:

يعرض الدكتور العبيدي في دراسته لخصائص الإرهاب في العراق، ويرى أن ظاهرة الإرهاب في السياق العراقي مختلفة عن الإرهاب في دول عربية أخرى، من حيث طبيعة وظروف وأسباب نشأتها والوسائل التي تعتمدها في بعض جوانبها، حيث يتسم الإرهاب في العراق بعدة خصائص أهمها:

·  نشأ الإرهاب في مجتمع يتصف بالتعددية المذهبية والطائفية وبغلبة النزعة العرقية والقبلية.

·  تميز الإرهاب في المجتمع العراقي بارتكازه على البعد العقائدي في الإعلان عن أهدافه وتبرير أعماله وجرائمه حيث يندرج الإرهاب في العراق تحت مسمي إرهاب المعتقد الأيديولوجي، الذي يعتمد بالأساس على معتقد الفرد للقيام بالعمليات الإرهابية.

·  ضمت الجماعات الإرهابية في العراق مقاتلين أجانب أتوا إليها من مختلف دول العالم.

·  تعددت الوسائل والأساليب والأشكال التي تمارسها التنظيمات الإرهابية في الساحة العراقية فمنها أسلوب السيارات المفخخة التي يتم تفجيرها عن بعد أو عبر الانتحاريين، وأسلوب الاغتيالات عبر العبوات الناسفة بالإضافة إلى ظاهرة الانتحاريين التي تمثل أخطر مظاهر الإرهاب والتي تميز بها الإرهاب في العراق بشكل أكبر عن باقي أشكال الإرهاب في العالم.

ثانيًا: إمكانية الاستفادة من خبرة العراق

ترى الدراسة الرئيسية في هذا العدد من دورية "بدائل"، أن الأوضاع بالعراق منذ الاحتلال الأمريكي 2003 أدت إلى اعتماد سياسات مختلفة لمكافحة الإرهاب ومواجهة تداعياته بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإن كانت هذهِ السياسات قد حملت طابع المواجهة أكثر مما اعتمدته من سياسات للوقاية من هذهِ الظاهرة الخطيرة. واشتركت القوات الأمريكية في تنفيذ تلك السياسات المتعلقة بمكافحة الإرهاب إلى جانب القوات العراقية طيلة المدة التي كانت تتواجد فيها القوات الأمريكية في العراق (2003 – 2011)، وكان لهذه القوات الدور الكبير والمؤثر في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية والمليشيات الفاعلة في الساحة العراقية.

وتشير الدراسة إلى أنه في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، فقد ارتبطت العلاقات العراقية – الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي بقيت العديد من بنودها لم تطبق بالشكل الكافي، في ظل عدم جدية أمريكية لتنفيذ هذه البنود بسبب سياسات حكومة المالكي في ذلك الوقت وما أنتجته من أوضاع كانت غير مرضية للولايات المتحدة الأمريكية أو للشارع العراقي، فكانت النتيجة إخفاقاً في اتخاذ الإجراءات والتدابير الكفيلة بمكافحة الإرهاب الذي تزايد بشكل كبير في العراق.

وتحدد الدراسة ثلاثة أشكال للتعاون العراقي – العربي في مجال مكافحة الإرهاب، يتمثل الشكل الأول في التعاون في إطار جامعة الدول العربية، إذ توصلت جهود الدول العربية إلى إبرام الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب وذلك في مجلس وزراء الداخلية والعدل العرب الذي تم انعقاده في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة في 22 أبريل 1998.

ويتعلق الشكل الثاني بالاشتراك في التحالفات التي تجمع عدداً من الدول العربية إلى جانب قوى إقليمية ودولية بهدف محاربة الإرهاب، ومن أمثلتها مشاركة العديد من الدول العربية في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، وأهمها: مصر والبحرين والعراق والأردن ولبنان والمغرب والكويت وعمان وقطر والأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

أما الشكل الثالث للتعاون فقد تمثل في الاتفاقات الثنائية بين العراق وعدد من الدول العربية، إذ أن هناك تعاوناً بين العراق وسوريا، وبين العراق والأردن، وبين العراق ومصر، وتوافقات بين العراق والمغرب، وهذه الاتفاقات تضمنت تعاوناً في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتبادل الخبرات وتقديم المساعدات للعراق في مجال محاربته لتنظيم داعش. وهذا التعاون أيضاً جاء في ظل تنامي خطر داعش في العراق والمنطقة.

ثالثًا: الدروس المستفادة من الخبرة العراقية:

احتوت الدراسة على 11 درسًا مستفادًا من الحالة العراقية، تتمثل فيما يلي:

1. أهمية تطوير إطار قانوني خاص بمكافحة الإرهاب: حيث يعد وجود إطار تشريعي يجرم الأعمال الإرهابية بما يتضمنه من تعريف للإرهاب والإرهابي والأعمال الإرهابية من أساسيات عملية مكافحة الإرهاب. 

2. أهمية الاستخدام الفعال للوسيلة الأمنية: حيث أدى زيادة وانتشار العمليات الإرهابية في غالبية المدن العراقية، إلى اعتماد الحكومة العراقية على الوسائل الأمنية والعسكرية أكثر من غيرها حيث تضمنت المواجهة المباشرة وحملات المداهمة والتفتيش واعتقال المشتبه بهم، إلا أن التركيز على هذه الوسائل وحدها لم ينجح في تخليص البلاد من الإرهاب؛ لذا يجب عند المعالجة الأمنية للإرهاب اتخاذ نوعين من الإجراءات، الأولى عمليات وقائية للحماية قبل وقوع العمليات الإرهابية، والثانية إجراءات علاجية بعد العمليات الإرهابية.

3. مبدأ "المحاصصة": تؤكد الدراسة على أن عدم التطبيق الأمثل لفكرة المحصصة التي اتسمت به السياسية العراقية وهي " رئاسة الجمهورية من حصة الأكراد، ورئاسة الوزراء من حصة الشيعة، ورئاسة مجلس النواب من حصة السنة"، أدى إلى ضعف وتراخى منظومة القيادة والإدارة والمؤسسات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي أثر بالسب على الضبط العسكري، وبالتالي التأثير على مجال حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب.

4. تحقيق المصالحة الوطنية: من الدروس التي أكدت عليها الدراسة العمل على إيجاد التوافق بين مختلف التيارات المذهبية والقومية بهدف تمثيل حقيقي لجميع الطوائف والقوميات في الحكم، ففي حالة العراق أدت المحاصصة الطائفية الغير حقيقية إلى إضعاف قدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، مما دفع الكثير من العراقيين إلى اللجوء إلى العنف والإرهاب لتحقيق مصالحهم.

5. أهمية نزع السلاح:نتيجة كثرة الحروب التي خاضتها العراق انتشرت ظاهرة عسكرة المجتمع وزادت كميات السلاح داخله، الأمر الذي عمل على تأجيج الصراعات بين الجماعات الإرهابية المختلفة داخل المجتمع العراقي، وتؤكد الدراسة على أهمية نزع السلاح كخطوة هامة في عملية مكافحة الإرهاب.

6. الاهتمام بالإدارة الفعالة للسجون: تشير الدراسة إلى أن مهمة السجون هي الإصلاح لمن يرتكبون أفعالا مخالفة للقانون بما في ذلك الإرهابيون، إلا أن خلو هذه السجون من برامج إعادة التأهيل بما تشمله من خدمات انتقالية تهدف إلى إطلاق سراح المعتقلين، وتقديم خدمات لهم بعد الأفراج عنهم، وإعادة تأهيلهم اجتماعيا وفكريا، يجعل السجون أكاديمية لتعليم أشكال وأساليب الإرهاب.

7. تجفيف مصادر تمويل الإرهاب:أكدت الدراسة على أهمية تجفيف مصادر التمويل للجماعات والتنظيمات الإرهابية، لما يشكله التمويل من ضرورة أساسية لقيام هذه الجماعات والتنظيمات بممارسة العمل الإرهابي.

8. نموذج قوات الصحوات: وهي تشكيلات مسلحة من العشائر العراقية في محافظات وسط وشمال العراق، وتعد أحد سبل مكافحة الإرهاب في العراق والتي أكدت الدراسة على أهميتها ودورها الفعال في الحالة العراقية، مع صعوبة تنفيذها في دول عربية أخرى .

9. تقنين أسلوب "المخبر السري": حيث يعد المخبر السري من الوسائل التي تم اعتمادها بشكل كبير في العراق في إطار مكافحة الإرهاب،وتتركز مهمته في رصد الجريمة وجمع المعلومات عن الإرهابيين والمجرمين والأخبار عن احتمال وقوع أعمال إرهابية وملاحقة المطلوبين، ولا يعد أسلوب المخبر السري جديد على العديد من الدول إذ يختلف المسمى من دولة لأخرى فيسمي في مصر "المرشد" ورغم اختلاف المسميات ومدى ارتباطه بالاجهزة الامنية إلا أن وظيفته واحدة.

10. الانتقاء الدقيق لأجهزة الكشف عن المتفجرات: تؤكد الدراسة على ضرورة استخدام العامل التكنولوجي في عملية مكافحة الإرهاب من خلال الانتقاء الدقيق لأجهزة الكشف عن المتفجرات والتي تساعد بشكل كبير في تقليل حدوث عمليات إرهابية.

11. التطوير المستمر لخطة ضبط الحدود:تبين الخبرة العراقية انه لا يمكن محاربة الإرهاب دون خطة محكمة لضبط الحدود لمنع تسلل العناصر الإجرامية والإرهابية، وكذلك منع وصول أي إمداد لوجستي أو بشري لهذه التنظيمات.

تعد دورية "بدائل" سلسلة "دراسات سياسات" محكمة، تصدر كل شهرين عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وتهتم بالقضايا التي تشغل دوائر صنع القرار.

طباعة
مصطفى كمال

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية