مقالات

مؤتمر "جنيف - 4 ".... خيارات محدودة أمام المعارضة السورية

طباعة

جولة جديدة من جولات جنيف المعنية بالأزمة السورية تبدأ مسارها التفاوضي رسميًّا في الثالث والعشرين من شهر فبراير الجاري تحت مسمى "جنيف -4" ؛ وسط حالة من الجدل الدولي والإقليمي حول جدول أعمال المؤتمر، وكيفية تشكيل وفد المعارضة ومعايير هذا التشكيل، والضمانات اللازمة لنجاح هذه الجولة، وإلى أي حد يمكن أن تدشن لتسوية للصراع السوري، وذلك بعد عامين من غياب المفاوضات كنتيجة للتدخل العسكري الروسي وما أسفر عنه من تغيير في موازين القوى العسكرية على الأرض لصالح النظام، لاسيما بعد أن استعاد سيطرة نظام بشار الأسد على مدينة حلب معقل المعارضة في أواخر عام 2016.

ويُعقد المؤتمر في ظل هدنة بدأ سريانها في أواخر ديسمبر من العام 2016، وفقًا لتفاهمات روسية- تركية- إيرانية، ما اعتبر بداية لمرحلة جديدة من "تسويات محتملة"، تتعاظم فيها الفرص أمام النظام السوري وداعميه الدوليين والإقليميين، وتتقلص فيها خيارات المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، نتيجة للتغيرات الميدانية من ناحية، ولتحول السياقات الإقليمية للأزمة، من ناحية أخرى، خاصة حالة التقارب التركي- الروسي، وما فرضه ذلك من ضغوط تركية على المعارضة لدفعها إلى تقديم تنازلات جدية، فضلًا عن وصول إدارة أمريكية جديدة سيكون لها تأثيراتها بالتأكيد على السياق الدولي للأزمة والصراع.

"الأستانة- 2" وقضايا "جنيف- 4"

عُقدت اجتماعات "الأستانة- 2" خلال الفترة من 15- 16 فبراير الجاري (2017)؛ بهدف تهيئة الأجواء بين الأطراف المتفاوضة والفاعلين الدوليين والإقليميين "الضامنين" لمسار الهدنة، تمهيدًا للبدء في مسار "جنيف – 4" التفاوضي. وفي هذا الإطار، ناقشت اجتماعات "الأستانة- 2" عدة إجراءات حول كيفية فرض الاستقرار في مناطق معينة شملها وقف إطلاق النار، ووضع قواعد العمل بشأن آلية مراقبة الهدنة عبر لجان نوعية ثلاثية روسية- تركية- إيرانية، بالإضافة لمقترحات روسية بشأن آلية رصد انتهاكات الهدنة وكيفية تطبيق العقوبات على الأطراف المنتهكة لها، بعد أن تم تحديد المواقع التي تسيطر عليها التنظيمات التي لم يشملها اتفاق وقف إطلاق النار والمصنفة على قوائم الإرهاب.

كما شهدت هذه الاجتماعات تباينات واضحة في وجهات النظر بين المعارضة السورية وروسيا حول القضايا التي ستطرح للنقاش والتفاوض مع النظام السوري خلال جولات جنيف القادمة. وتركزت هذه التباينات في اتهام المعارضة لروسيا بعدم قدرتها على التحكم في حليفها (نظام الأسد)، الذي لم يتوقف عن خرق وقف إطلاق النار بصورة مستمرة، بالإضافة إلى تفعيله الضربات على مناطق كانت كامنة لاسيما جبهة المعارضة في الجنوب بدرعا وبعض الجبهات في أرياف حمص ودمشق ما تعتبره المعارضة تقويضًا للمفاوضات. وبالإضافة إلى ذلك، برزت تباينات واضحة بين الجانبين بشأن جدول أعمال "جنيف- 4"؛ حيث هددت المعارضة بإمكانية عدم مشاركتها في مسارات جنيف ما لم تنجح مباحثات "الأستانة -2" في تثبيت وقف إطلاق النار، والبدء بإجراءات بناء الثقة المتعلقة بالقضايا الإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين؛ مقابل ترحيلها للقضايا التي تمثل معضلة خلافية رئيسية، وفي مقدمتها تحديد مصير بشار الأسد ونظامه، والجدل حول مضمون ومفهوم "هيئة الحكم الانتقالية"، إلى اجتماعات "جنيف – 4".

وفي المقابل، رأت روسيا، التي تعهدت "شفهيًا" خلال مباحثات "الأستانة -2" بوقف الغارات الجوية على مناطق المعارضة المعتدلة، أن مؤتمر "جنيف-4" يجب أن يتناول التفاوض حول القضايا السياسية، وهو ما جاء متماهيًا مع تصريحات المبعوث الأممي المعني بالملف السوري، ستيفان دي ميستورا، والتي ذكر فيها أن "جنيف-4" سيتناول النقاط الرئيسية التي أقرها قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر في ديسمبر 2015، وهي "تأسيس شكل جديد من أشكال الحكم، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة". وهو ما يتعارض مع أجندة المعارضة التي ترى أن نظام الأسد يجب ألا يكون جزءًا من الحكم لا في المرحلة الانتقالية ولا بعدها، وترى في المقابل أن الأولوية يجب أن تكون للتفاوض المباشر حول عملية الانتقال السياسي وتحديدًا تشكيل هيئة الحكم التي يخول لها مهمة إدارة المرحلة الانتقالية وليس حول الدستور والانتخابات، وهي قضايا ترى المعارضة أنها ستكون تالية على أولوية تشكيل هيئة الحكم. 

"جنيف – 4" وجدلية تمثيل المعارضة

جدل كبير شهدته الساحة الدولية والإقليمية حول تشكيل وفد المعارضة السورية لمباحثات "جنيف -4"، وذلك وسط انتقادات من قبل الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة للمعارضة السورية لتدخلات روسيا والأمم المتحدة في تشكيل وفدها باعتباره حقًا أصيلًا لها. فمن ناحية، تمسكت موسكو بضرورة توسيع وفد المعارضة في جولات جنيف ليشمل العديد من الأطياف، سواء السياسة أو العسكرية؛ مستهدفة بذلك إدخال معارضة القاهرة وموسكو ضمن وفد المعارضة الموحد، أو تمثيل المعارضة بوفدين حال إصرار الهيئة العليا للمفاوضات على استبعادهما. ومن جانبها لم تمانع الهيئة العليا للمفاوضات بشأن مشاركة معارضة موسكو والقاهرة ضمن وفد المعارضة، لكنها اشترطت ضرورة موافقتهما على بيان مؤتمر الرياض لقوى المعارضة السورية الصادر في أواخر عام 2015، الذي يعترف بـ"جنيف -1" لعام 2012 كمرجعية أساسية للحل السياسي المأمول، كونه يشير إلى فكرة "هيئة الحكم الانتقالية". بينما تؤيد معارضتا القاهرة وموسكو قرار مجلس الأمن رقم 2254 كمرجعية سياسية؛ والذي يتجاوز فكرة الحكم الانتقالي ويستبدلها بإعداد الدستور وإجراء الانتخابات، ناهيك عن تصنيف المعارضة ما بين معتدلة وإرهابية.  

وإزاء هذا الجدل، اتجهت الهيئة العليا للمفاوضات إلى عقد اجتماعات لها في أنقرة ثم الرياض للوقوف على التشكيلة النهائية التي ستخوض بها الهيئة مسار جنيف. وقد نتج عن هذه الاجتماعات استقرار الهيئة على تشكيل وفد المفاوضات من 20 – 22 عضوًا، يتوزعون على النحو التالي: خمسة ممثلين عن الائتلاف السوري المعارض بينهم ممثل للأكراد وممثل للتركمان، وثلاثة عن هيئة التنسيق، واثنان من المستقلين، وممثل عن معارضة موسكو وآخر عن معارضة القاهرة، وعشرة ممثلين عن الفصائل المسلحة في الجبهتين الشمالية والجنوبية؛ أخذًا في الاعتبار أن الأخيرة تشارك للمرة الأولى في مفاوضات من هذا القبيل بعد أن ساهمت مشاركة الأردن في مباحثات "الأستانة -2" كمراقب في إعادة تفعيل الجبهة الجنوبية للمعارضة السورية لمحاربة فتح الشام (النصرة سابقًا)، ما أخرج هذه الجبهة من حالة الجمود التي كانت عليها طوال العامين الماضيين بناء على تفاهمات روسية- أردنية كانت قد أبقتها في حالة من السكون.

وجدير بالذكر هنا أن مشاركة المعارضة العسكرية وجلوسها على مائدة مفاوضات واحدة ولأول مرة مع ممثلي النظام السوري في مباحثات "أستانة –1"، و"أستانة- 2" كانت بناء على طلب روسي ودعم تركي، وهو ما تحفظت عليه إيران بقوة.

خيارات محدودة  

شهدت الفترة الأخيرة تطور مجموعة من المتغيرات المهمة، والتي كان لها تأثيرها المهم في اتجاه تضييق الخيارات المعارضة، أول تلك المتغيرات تمثل في اتجاه مجموعة توافقات إعلان موسكو، المعنية بالهدنة التي تم تدشينها بين النظام والمعارضة أواخر العام الماضي، وتضم روسيا وتركيا وإيران، إلى تهميش الهيئة العليا للمفاوضات عبر فتح مسار جديد للتفاوض مع ممثلي المعارضة المسلحة، ما مثل تحولًا نوعيًّا في توجهات تلك القوى وتحديدًا روسيا، بعد قناعة بأن الفصائل المسلحة هي المتحكم الحقيقي في مسار الأزمة على أرض الواقع، وأن بإمكانها فرض واقع جديد سواء بالتهدئة وقبول وقف إطلاق النار أو باستمرار التصعيد والمواجهة. ويشير ذلك إلى احتمال أن تكون توجهات الدول المعنية بالأزمة، وتحديدًا روسيا وتركيا، جادة بشأن التسوية، لاسيما وأن هناك بعض المستجدات التي قد تدفع نحو هذا التصور، أبرزها رغبة روسيا في الخروج التدريجي من سوريا وترجمة مكاسبها العسكرية في معركة الشمال السوري بحلب إلى واقع سياسي عبر العودة إلى مسار التفاوض من جديد بما يضمن مصالحها وخريطة نفوذها الجديدة في سوريا.

المتغير الثاني تمثل في التقارب التركي مع روسيا رغم اختلاف موقفيهما الاستراتيجي من الأزمة. وقد دفع هذا التقارب نحو استعادة مسار التسوية؛ على أن تمارس كل منهما الضغوط على طرفي الصراع؛ تركيا بالنسبة للمعارضة، وروسيا بالنسبة لنظام الأسد بما يدفع الطرفين إلى تقديم تنازلات كفيلة بتسوية الصراع، مع ملاحظة أن نتائج معركة حلب وتداعياتها تفرض على معادلة الصراع والتسوية أن تكون المعارضة هي الطرف المٌطَالَب بتقديم تنازلات جادة ترجمة لمستجدات توازنات القوى بينها وبين النظام لصالح الأخير. 

المتغير الثالث، تعلق برغبة الدول الأوروبية في احتواء تداعيات الأزمة السورية على القارة الأوروبية، والتي كان من أبرزها طوفان الهجرة البشرية إلى أراضيها، والضربات الأمنية التي يقوم بها تنظيم الدولة "داعش" داخل مجتمعاتها. يضاف إلى ذلك تولي إدارة أمريكية جديدة الحكم تناصب العداء لإيران، أكبر داعم إقليمي لنظام الأسد، ما قد يترتب عليه تغيرًا في سياسة واشنطن تجاه الملف السوري بصورة تختلف عن سياسة الإدارة السابقة، الأمر الذي تتخوف منه إيران حيث تترقب صفقة كبرى من تفاهمات روسية- أمريكية بشأن سوريا، تقلص من مساحة النفوذ السياسي والعسكري لها هناك، كما تتخوف من توجه تركي- عربي برعاية أمريكية؛ لتطويق التمدد الإيراني عبر التنسيق التركي السعودي، الذي تُرجم في زيارة الرئيس رجب أردوغان للرياض مؤخرًا. وهكذا، تصبح أقصى طموحات إيران الحفاظ على مجموعة من الضمانات الأمنية والسياسية التي تكفل لها تأمين التواصل بين سوريا ولبنان، حيث قواعد حزب الله في منطقة الحدود اللبنانية السورية وتحديدًا في القلمون، مع قدر من الاعتراف بحضورها السياسي عند صياغة النظام السياسي السوري الجديد عبر التسوية الدولية والإقليمية المحتملة.

وتتعمق معضلة محدودية البدائل المتاحة أمام المعارضة السورية في ضوء الخسائر العسكرية التي تكبدتها في مواجهة النظام وحلفائه الدوليين والإقليميين، والتحول في موقف تركيا التي مثلت بوابة التمويل والإمداد والتدريب لعناصر المعارضة السورية، أحد أهم العوامل التي تدفع المعارضة إلى تقييم مسيرتها وتقليل حجم الخسائر عبر استيعاب جيد لمتغيرات العلاقة بين القوى المعنية بالصراع، ورصد التباينات أو التقاطعات في خريطة مصالح تلك القوى، بما يمكنها من تعويض حالة عدم التوازن بينها وبين النظام نتيجة انتصاراته الميدانية الأخيرة.         

هذا التراجع الكبير في الخيارات المتاحة أمام المعارضة - كأحد تداعيات سقوط حلب – يزيد من تراجع قدرتها على المناورة، ويفقدها العديد من أوراق الضغط السياسي والميداني في آن واحد. وفي المقابل تتعاظم القدرات التفاوضية والتساومية لنظام بشار الأسد، والتي يتطلع لترجمتها فعليًّا على طاولة مفاوضات جنيف القادمة، وعلى أرض الصراع عبر تمدده لمواجهة باقي جبهات المعارضة في الجنوب بدرعا، وفي أقصى الشمال بإدلب. هذا فضلًا عن تصعيده المواجهات في أرياف دمشق، مستغلًا الضغوط الدولية والإقليمية التي تتعرض لها المعارضة، وضاربًا باتفاق الهدنة عرض الحائط. 

كافة هذه المستجدات والمعطيات تشكل تصورًا مؤداه أن الوقت الراهن قد يكون الأنسب لمعالجة الأزمة بصورة جادة، على اعتبار أن الأطراف الخارجية، الدولية والإقليمية، التي كانت سببًا في إزكاء الصراع واستمراره، نتيجة لتعارض مصالحها ومشاريعها في ملفات المنطقة والملف السوري على وجه الخصوص، هي التي تحدد طبيعة ومسار المفاوضات، وهي حاليًّا تدفع باتجاه التسوية، ما يفرض على المعارضة ضرورة اقتناص الفرص وفقًا لنتائج المتغيرات والمستجدات المذكورة.

طباعة
صافيناز محمد أحمد

باحثة متخصصة فى الشئون السياسية العربية - مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية