مقالات

الدلالات السياسية والاجتماعية لظاهرة كرة القدم في مصر

صورة أرشيفية
طباعة

صار من المعتاد أن ترتبط مباريات كرة القدم، خاصة تلك التي تُقام بين منتخبات قومية تمثل دولًا، بعدد من الظواهر الاجتماعية والسياسية، حيث يكون من اليسير في هذه الحالات إضفاء بعد سياسي على كرة القدم، كما يكون من الممكن تحول مباريات كرة القدم لأداة للحشد أو آلية لتحقيق مكاسب سياسية، أو لأحد المكونات لعصبية اجتماعية تلتف حولها الجماهير وتتخذ منها هوية مشتركة.

وقد انتشرت وتكرست تلك الظواهر بشدة في المجتمع المصري منذ أن بدأت بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة في الجابون في منتصف شهر يناير الماضي (٢٠١٧). ويمكن رصد ثلاث ظواهر أساسية على خلفية تفاعل المواطنين مع أداء المنتخب المصري. الظاهرة الأولى، هي عودة استخدام العلم المصري؛ فمع فوز المنتخب المصري في مباراة بعد الأخرى حتى وصل للمباراة النهائية، انتشرت ظاهرة الإقبال على شراء العلم على نطاق واسع، واستخدامه في التعبير عن التأييد أو الفرحة أو الفخر. ولا شك أن عودة هذه الظاهرة على هذا النطاق تحمل دلالات سياسية إيجابية كبيرة، سواء فيما يتعلق بتعميق قيمة الولاء والمواطنة، أو فيما يتعلق بتعظيم وزيادة المساحة المشتركة بين المواطنين.

الظاهرة الثانية، هي عودة الاستخدام الجمعي للمساحة العامة، وهي مسألة حملت أيضًا دلالات إيجابية كبيرة، خاصة بعد الخبرات السلبية التي تراكمت على خلفية عدد من الأحداث التي ارتبطت ببعض المباريات خلال مرحلة ما بعد ثورة يناير، والتي انتهت بسقوط ضحايا في بعض الحالات (كان أبرزها وأخطرها حادث ستاد بورسعيد في الأول من فبراير ٢٠١٢، والذي راح ضحيته عشرات الضحايا، وهو الحادث الذي وُصف بأنه أكبر كارثة في تاريخ الرياضة المصرية)، الأمر الذي تبعه فرض العديد من الضوابط في هذا المجال، فضلًا عن وضع بعض التشريعات المنظمة للمجال العام في مصر.

الظاهرة الثالثة، أن هذه البطولة خلقت إطارًا جديدًا للتفاعل الإيجابي بين الدولة والمواطنين، خاصة عندما قامت مراكز الشباب ببث المباريات على شاشات عملاقة وإتاحتها للآلاف من المواطنين. وقد تعاظم تأثير هذا القرار من جانب وزارة الشباب بالنظر إلى عاملين أساسيين. الأول هو الإقبال الضخم على مشاهدة المباريات في مراكز الشباب، والثاني هو تركز هذا الإقبال في الفئة العمرية التي تنتمي لجيل الشباب.

وهكذا، أفرز دخول كرة القدم للمجال العام في المجتمع المصري عددًا من الظواهر المهمة. وبالرغم من أن الغالبية لازالت تتعامل مع هذه الظواهر كفاعليات احتفالية لا أكثر، إلا أن تكرار هذه الظواهر في المجتمع يشير لتخطي كرة القدم حيز الرياضة المجردة من أية معاني سياسية أو اجتماعية، ودخولها حيز جديد من التأثير الاجتماعي والسياسي، وهو ما يدعو للمزيد من تحليل المغزى السياسي والاجتماعي لكرة القدم في المجتمع المصري في الفترة الراهنة.

ولعل نقطة البداية لتحول حجم المساحة التي تحتلها كرة القدم في المجال العام في المجتمع المصري كانت بطولة كأس الأمم الأفريقية التي اُقيمت على أرض مصر في عام ٢٠٠٦. فمن ناحية، خلقت هذه البطولة إطارًا جديدًا للتفاعل بين المواطنين وكرة القدم، وتبلور هذا الإطار من خلال الإقبال على تذاكر المباريات والحضور الجماهيري الغفير، وهو ما لم يكن معتادًا في مصر قبل عام ٢٠٠٦. إذ كان جمهور الكرة فيما قبل عام ٢٠٠٦ ينحصر بالأساس في فئة محدودة من متابعي مباريات كرة القدم بشكل منتظم، ولم يكن الذهاب للاستاد لمشاهدة مباراة لمنتخب مصر أحد الأنشطة الاجتماعية المطروحة لعدد كبير من المصريين. ومن ناحية أخرى، فتحت تلك البطولة المجال أمام الجماهير لاستخدام المساحة العامة. ففي ذلك الوقت، وفي ظل تولي حبيب العادلي لوزارة الداخلية، كان استخدام المساحة العامة من خلال أي تواجد جمعي دائمًا ما كان ينتهي بصدام مع قوات الأمن. كما تمكنت هذه البطولة من جذب عدد كبير من أبناء الطبقة المتوسطة العليا، وعدد كبير من النساء، وبالتالي خلقت بطولة كأس الأمم الأفريقية في عام ٢٠٠٦ تحولات نوعية وطبقية في جمهور كرة القدم في المجتمع المصري. ولعل أبرز النتائج التي أفرزتها بطولة عام ٢٠٠٦ تمثلت في ظهور حركات "الأولتراس" في عام ٢٠٠٧؛ ففي مرحلة ما قبل البطولة كانت هناك روابط للمشجعين، ولكنها لم تكن على درجة عالية من التنظيم، ولم تكن تمتلك القدرات التعبوية التي تمتلكها حركات "الأولتراس" من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو التواصل الشبكي لأعضاء المجموعة في إطار من اللامركزية والانتشار الجغرافي. كما أدت هذه البطولة لجذب المزيد من الأموال المستثمرة في مجال الإعلام الرياضي، فزادت عدد القنوات الرياضية وارتفع ثمن الدوري العام المصري لدى الشركات الراعية. ومن ثم، قامت هذه البطولة بإعادة تقديم كرة القدم للمجتمع المصري، كما تمكنت من اقتحام المجال العام وفرض أولويات على المجتمع تمثلت في دعم منتخب مصر بغض النظر عن الاهتمام بمتابعة مباريات كرة القدم من عدمه.

ومما لا شك فيه جاءت السنوات التي تلت ثورة ٢٥ يناير لتضع كرة القدم في إطار اجتماعي وسياسي أوسع من ذلك الذي صنعته بطولة عام ٢٠٠٦. فمع تغير القواعد الحاكمة لاستخدام المساحة العامة، وحالة السيولة السياسية التي خلقتها ثورة يناير، وزيادة الاحتكاكات بين جماهير كرة القدم وقوات الأمن، تحولت كرة القدم إلى أداه للحشد السياسي والتعبئة الجماهيرية. وقد تجلى هذا التحول في كم الفعاليات الجمعية التي دعت لها ونظمتها حركات "الأولتراس" في محافظات مصر المختلفة. وبالتالي، خلقت ثورة ٢٥ يناير طائفة مُسيسة من جماهير كرة القدم، فبالرغم من وجود حركات "الأولتراس" في المجال العام منذ عام ٢٠٠٧، إلا أن أعضاء هذه الحركات لم يكن لهم انتماء سياسي واضح؛ فحتى في فترة ما بعد الثورة ورغم زيادة عدد المُسيسين من أعضاء تلك الحركات، لازالت مجموعات "الأولتراس" غير متفقة فيما بين أعضائها على توجه سياسي واحد.

وبالإضافة إلى إضفاء أبعاد سياسية على كرة القدم كلعبة رياضية، خلقت كرة القدم أُسسًا جديدة للانتماء والهوية المشتركة عبر عنها منتخب مصر ككيان ممثل لمصر كوطن وليس كدولة، وهو ما جعل من الانتماء الوطني المرتبط بمنتخب مصر أرضية أوسع من تلك المرتبطة بالانتماء الوطني الذي تتم صياغته في قوالب سياسية. وقد ذهب الكثيرون لتحليل تلك الظاهرة باعتبارها "بديلًا" للإطار السياسي للانتماء أو للانتماء على "أسس سياسية" إذا جاز التعبير، نظرًا لغياب الفعاليات السياسية الجمعية عن المجال العام المصري في السنوات الأخيرة. واعتمد هذا التحليل على فكرة عدم وجود ما يكفي من بدائل سياسية تصنع هذا الانتماء، وبالتالي جاء الانتماء الوطني من خلال آلية غير سياسية مثل كرة القدم. لكن في واقع الأمر، تشير كل الحقائق إلى أن هذه الحالة تحدث في أوقات مختلفة، وفي أُطر سياسية مختلفة، بغض النظر عن التوقيت أو عن القواعد المنظمة للمجال العام. فعلى سبيل المثال، تختلف البيئة السياسية بشدة في الوقت الراهن عن تلك التي كانت موجودة في عام ٢٠٠٦، ولكن ظلت ظاهرة صياغة الانتماء الوطني من خلال تشجيع منتخب مصر موجودة ومتكررة. وبالتالي، يبدو التحليل الأقرب للواقع هو أن استخدام كرة القدم كأحد آليات صياغة الانتماء الوطني يحدث نظرًا لغياب ما يكفي من كيانات جمعية قادرة على التعبير عن هوية محددة، ومرتبطة في الوقت ذاته بثوابت وطنية أساسها إعلاء مصلحة مصر على أي شيء آخر. لا شك أن المجتمع المصري يعاني منذ فترة من غياب كيانات ذات دلالات سياسية واجتماعية قادرة على التواصل مع قطاع عريض من المواطنين، وبالتالي جاء دعم منتخب مصر وتشجيعه على أرضية الانتماء الوطني ليعبر عن نقص شديد في الكيانات القادرة على خلق هوية مجمعة للشعب المصري.

وفي النهاية، عادة ما نتساءل إذا كان من الممكن الربط بين مباراة في كرة القدم وبين مجمل تحولات سياسية واجتماعية في المجتمع، وفي الحقيقة، تظل كرة القدم أحد أهم الأحداث التي تتفاعل معها الجماهير بشكل شخصي من ناحية، وتتابعها بشكل جمعي من ناحية أخرى، وهو ما يعني أن كرة القدم لم تعد لعبة رياضية لا تتفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية، بل أصبحت أحد مكونات صناعة التحول الاجتماعي بعد أن تمكنت من اختراق المجال العام وفرض نفسها كظاهرة ذات دلالات اجتماعية وسياسية. 

طباعة
د. زياد عقل

خبير في علم الاجتماع السياسي بوحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية