مقالات

مصر في كأس الأمم الإفريقية: سؤال السياسة الإجباري

طباعة

العلاقة بين الرياضة،وتحديدا كرة القدم، والسياسة علاقة تاريخية لا يمكن الفكاك منها، بغض النظر عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول والشعوب. فتسييس كرة القدم كان حاضرا في مواقف كثيرة بين دول وأنظمة مختلفة، سواء جاء هذا الحضور سلبا أو إيجابا، بدءا من إيطاليا وألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، ومرورا بهندوراس والسلفادور في ستينيات القرن ذاته، وانتهاء بمصر والجزائر في نهاية العقد الأول من القرن الحالي. وفي مصر، خاصة منذ عام 2011، ظل الاهتمام الذي كان يوليه الرئيس الأسبق مبارك ونجليه لكرة القدم واحدا من الاتهامات التي طالما وجهت له، بدعوى توظيفه انتصارات المنتخب القومي في كأس الأمم الإفريقية لمرات ثلاث متوالية لـ"إلهاء" الشعب بعيدا عن المشكلات التي واجهها نظامه، ولصرفه عن السياسة ومحاولة تمرير مشروع التوريث. كذلك يشير الغضب الذي لف المصريين نتيجة الفشل في الوصول إلى نهائيات كأس الأمم الإفريقية لمرات ثلاث متوالية أيضا منذ عام 2011، ثم الفرح بالوصول إلى تلك النهائيات في عام 2017 إلى مدى الشعبية التي تتمتع بها كرة القدم لدى المصريين، وأن انشغالهم بها لا علاقة له بالنظام السياسي واهتمامه به وسعيه لتوظيف ذلك من عدمه.

ينظر المصريون إلى تواجدهم في كأس الأمم الإفريقية باعتباره تعبيرا مستحقا عن قوة مصر ومكانتها الكروية منذ فوزها بالبطولة الأولى في عام 1957، أي قبل ستين عاما. أما محاولات الاستفادة سياسيا من كرة القدم، سواء داخليا أو خارجيا، فهو ليس حكرا على مصر، بل إن تأثير كرة القدم على السياسة يحدث حتى دونما حاجة إلى السعي لتوظيفه. فقد أظهرت دراسة صادرة عن "الأكاديمية المتقدمة للعلوم في الولايات المتحدة" في عام 2010، أن فوز منتخب بلد في حدث رياضي ما، قبل نحو 10 أيام من موعد الانتخابات يزيد من معدل المشاركة فيها بنسبة 1.61%.علاوة على ذلك، فإن توظيف كرة القدم سياسيا ليس حكرا على الدولة، فقد سعت جماعة الإخوان المسلمين لاستغلال مباراة مصر وغانا في عام 2013 للنيل من ثورة يونيو 2013، وشجعوا غانا ودعوا الله لها بالنصر وفرحوا (شمتوا) طويلا بخسارة مصر في تلك المباراة. وقد فعل الإخوان ذلك باختصار لاعتقادهم أن الخسارة تعني حزنا وغضبا للمصريين ربما يمكن استخدامه وتوظيفه للنيل من النظام الجديد، أو على الأقل لحرمانهم من الفرح في ظل ذلك النظام.

وكما حدث في الماضي، فقد ظل "سؤال السياسة" حاضرا بقوة مع مشاركة مصر في الدور الحالية لكأس الأمم الإفريقية. فقد كشف تفاعل المصريين، خاصة قطاع الشباب، مع المنتخب الوطني عن عودة قضية الانتماء بقوة، خاصة في ظل الحضور الكثيف للعلم المصري، والتفاعل الإيجابي مع النتائج التي حققها الفريق في المباريات التي أجريت في هذه الدورة حتى الآن، والتي كان آخرها فوز المنتخب على بوركينا فاسو. ورغم أنه لا يمكن التقليل من وجاهة بعض التحليلات التي لازالت تنظر إلى طريقة تفاعل المصريين مع أداء المنتخب الوطني في تلك المباريات على أنها نوع من "حنين" المصريين إلى "الفرح" في ظل الضغوط الاقتصادية  الداخلية، حتى ولو كانت ذلك على سبيل "الهروب" من تلك الضغوط، لكن مع ذلك لا يمكن إغفال الأبعاد السياسية الإيجابية في هذا المجال.

لقد كان لفوز مصر على المغرب في ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية الفضل في وأد فتنة "زانكس" خالد يوسف التي تفجرت صباح يوم المباراة بعدما ألقي القبض على المخرج خالد يوسف في مطار القاهرة بسبب حمله عبوة من عقار الزانكس. وهي الفتنة التي كان من الممكن أن تشعل جدلا وهجوما على النظام الحاكم أياما طويلة لولا فوز مصر على المغرب. إن عودة مصر لاكتساب مكانتها اللائقة على المستوى الكروي الأفريقي لا تخلو من دلالات سياسية مهمة. فقد اقترن الوصول إلى نصف النهائي بالفوز على أحد أهم القوى الكبرى الكروية في القارة وهو منتخب المغرب الذي لم تفز عليه مصر طيلة 30 عاما في الأمم الإفريقية، على نحو دفع البعض إلى تصوير المغرب على أنها "عقدة" مصر (كرويا)، وأن الفوز عليها كان بمثابة كسر لتلك "العقدة" واستعادة مصر لمكانتها الكروية في شمال إفريقيا، بعدما استرجعتها بالفوز على غانا في البطولة ومن قبلها بشهور قليلة في تصفيات كأس العالم. كذلك فقد تزامن وصول المنتخب المصري إلى نهائي البطولة مع عودة مصر الدولة إلى مكانتها في القارة الإفريقية نتيجة السياسة والجهود التي يتبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لنجد أنفسنا أمام مشهدين متزامنين تقريبا خلال اليومين الماضيين، الأول هو المشاركة الفاعلة لمصر في قمة زعماء الاتحاد الأفريقي بأثيوبيا، والثاني هو العودة القوية لمصر المنتخب إلى كأس الأمم الأفريقية بعد غياب دام ثلاث دورات.

سؤال السياسة لم يتوقف عند الساحة الداخلية بل امتد ليشمل فتح ملف الاستياء المصري من قطر، نتيجة فشل الجهود في الحصول من الشركة القطرية صاحبة حقوق بث المباريات على ترخيص بإذاعة مباريات المنتخب المصري على القنوات المصرية، وهو الأمر الذي كان ممكنا لولا توتر العلاقات المصرية- القطرية. ورغم كل ما سبق، فإن المتابعة الدقيقة لردود فعل المصريين وعشاق كرة القدم تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السؤال فيما يتعلق بتوظيف كرة القدم سياسيا يظل سؤالا نخبويا بامتياز ولا صدى له على المستوى الشعبي. أما محاولات توظيف الرياضة وكرة القدم رغم كثرتها فإنها لم تجد شيئا، أو على حد تعبير الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته "رجعوا التلامذة":

"يا مصر إنتي.. اللي باقية وإنتي.... قطف الأماني.... لا كوره نفعت..... ولا أونطة.... ولا المناقشة وجدل بيزنطة". ويبقى في النهاية التأكيد على أن حلم الحصول على كأس الأمم الإفريقية بعد الوصول إلى المباراة النهائية في مناسبة الاحتفال بستين عاما على البطولة الأولى كما حلم الوصول إلى نهائيات كأس العام يمثل "ومضة" ضوء أو "بسمة أمل" -على بساطتها- لا يجب الاستهانة بأهميتها في ظل الظروف التي تمر بها مصر ومحاولات البعض "تكدير" حياة المصريين بكل السبل وقتل روح الأمل والفرح لديهم.

طباعة
د. صبحي عسيلة

رئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية