متابعات تحليلية - مصر

تحولات الخريطة السياسية في مصر بعد ثورة يناير

طباعة

المقارنة السريعة لخريطة القوى السياسية الحالية في مصر بمثيلتها عقب ثورة يناير ٢٠١١ تشير إلى أن تحولات ضخمة طرأت على تلك الخريطة. فما أن سقط نظام مبارك حتى طفت على السطح قائمة من القوى السياسية والجماهيرية، الحزبية وغير الحزبية، الدينية وغير الدينية، شق على الكثيرين حصرها. لكن سرعان ما شهدت هذه الخريطة فرزا جديدا بفعل عدد من العوامل والتطورات. وقد شاعت كثيرا فرضية أن الدولة/ أو النظام السياسي لعبت دورا سلبيا في تشكيل تلك الخريطة، أو أنها كانت هي المسئول أو المحدد الأكبر عن بناء هذه الخريطة، لكن قراءة دقيقة لديناميكية تطور هذه الخريطة تشير إلى أن الدولة لعبت دورا ثانويا في هذا المجال، بينما جاءت المحددات الأساسية من خارجها.

ولا يهمنا هنا كثيرا حصر القوى والتيارات السياسية في مختلف مراحل ما بعد الثورة، بقدر ما يهمنا محاولة فهم الملامح العامة لتحولات الخريطة السياسية في مصر، والمحددات الأساسية في تلك التحولات. وبشكل عام، يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل.

المرحلة الأولى، وهي المرحلة التالية على سقوط نظام مبارك مباشرة، واتسمت بصعود عدد ضخم من القوى السياسية مثلت مختلف التيارات السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ويمكن إرجاع حالة التنوع وهذا العدد الضخم من القوى السياسية إلى أكثر من عامل، أولها، هو طبيعة مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة السياسية بفعل الثورة بشكل عام، إذ غالبا ما تتسم هذه المراحل بظهور عدد كبير من القوى السياسية تحت تأثير "الحماس السياسي". ويتعلق ثانيها بعدم وجود خطوط تمايز واضحة بين الأحزاب السياسية من ناحية، والحركات الجماهيرية من ناحية أخرى، فبينما تعبر الأولى عن كيانات سياسية مؤسسية، فإن الثانية لا تعدو كونها في الأغلب الأعم حركات مؤقتة نشأت في سياق المواجهة والصراع مع نظام ما قبل الثورة، سرعان ما تعود إلى الاختفاء مرة أخرى.

ويتعلق العامل الثالث بموقف الإدارة الانتقالية في هذه المرحلة، ممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي أشرف على إدارة المرحلة من فبراير ٢٠١١ إلى يونيو ٢٠١٢. فقد اتسم موقف المجلس بدرجة كبيرة من الحياد والوقوف على مسافة ثابتة من جميع القوى السياسية والجماهيرية وعدم اتخاذ موقف مسبق من تيار سياسي بعينة، وهو ما عبر عنه- على سبيل المثال لا الحصر- تحيز المجلس الأعلى لحرية تأسيس الأحزاب السياسية ولمبدأ التأسيس بالإخطار، الأمر الذي سمح بظهور عدد كبير من الأحزاب، بما فيها أحزاب التيارات الإسلامية والتي واجهت عقبات شديدة أمام تأسيس مثل هذه الأحزاب خلال مرحلة مبارك.

وقد نشأ عن هذا الموقف المحايد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة نتيجتين مهمتين ذات صلة بملامح الخريطة السياسية خلال هذه المرحلة. الأولي، هي تطور هذا التنوع وهذا العدد الكبير من القوى السياسية والجماهيرية، والثانية، هي ارتباط تطور الخريطة السياسية بعوامل أخرى مستقلة عن موقف الدولة - ممثلة آنذاك في المجلس الأعلى للقوات المسلحة - تتعلق بالأساس بطبيعة هذه القوى وتوجهاتها السياسية، ونمط التعاون/ الصراع فيما بينها، خاصة على مستوى النخب السياسية، فضلا عن توجهات وإدراكات المواطن/ الناخب إزاء هذه القوى. بالتأكيد كان المشهد السياسي، بما فيه الخريطة السياسية، سيكون مختلفا جذريا لو كان كان المجلس الأعلى قد مال إلى تقييد الخريطة السياسية باستخدام سلطته التشريعية آنذاك، أو لو كان قد انحاز إلى تيار سياسي بعينه دون غيره.

المرحلة الثانية، ويمكن التأريخ لها بانتهاء المرحلة الانتقالية في يونيو ٢٠١٢ مع إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة، وحتى ثورة يونيو ٢٠١٣ وسقوط نظام الإخوان المسلمين. وقد اتسمت هذه المرحلة بسمتين رئيستين: الأولى، هي إعادة فرز القوى السياسية والحركات الجماهيرية على أساس ديني. وقد دشن لهذا النمط من الفرز السياسي القوى الدينية، ممثلة في الإخوان المسلمين والتيار السلفي بكل فصائله. لكن تجدر الإشارة أن عملية الفرز على أساس ديني قد تمت قبل بدء هذه المرحلة، حيث يمكن التأريخ لها مع ظهور التكييف الديني لاستفتاء مارس ٢٠١١. فقد ذهب التيار الإسلامي إلى اعتبار النتائج التي حققها بعد الثورة، بدءا من هذا الاستفتاء، وانتهاء بالانتخابات الرئاسية ٢٠١٢، ومرورا بالانتخابات البرلمانية ٢٠١١/٢٠١٢، ليست سوى النتيجة "الموعودة" للصراع "الطبيعي" بين الإسلام وغيره من الأيديولوجيات السياسية الأخرى (العلمانية، والليبرالية، والشيوعية)، وأن هذه "النجاحات" المتتالية ما هي إلا مقدمة لوقوع الآية القرآنية: "والذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة". ومن ثم، فإن ما حدث في هذه الاستحقاقات الانتخابية، ومن قبلها سقوط نظام مبارك - من وجهة نظر القوى الدينية- ما هو إلا ذلك "التمكين" الموعود من الله للمؤمنين في الأرض، ونصره "للطائفة المؤمنة" على غيرهم من الطوائف غير المؤمنة.

ولم يكن هذا التكييف (الديني) لطبيعة الصراع/ التنافس السياسي بعد الثورة ليتطور على هذا النحو دون المفاهيم المغلوطة لدى هذه القوى حول الليبرالية والديمقراطية والعلمانية، والعلاقات الخطأ التي نسجتها بين الإسلام وهذه المفاهيم، ولولا أيضا طبيعة الأبنية الفكرية والتنظيمية لهذه القوى. فقد ارتكزت قوى الإسلام السياسي على مفاهيم شكلت بطبيعتها خطوطا لتقسيم المجتمع على أسس دينية، تقوم على خلق جماعة "المسلمين"، أو "المؤمنين"، أو "السلف"، أو "الطائفة المؤمنة"، في مواجهة "الكفار"، أو "ذوي العقيدة الفاسدة"، أو حالة "الجاهلية الأولى". يستوي في ذلك الإخوان المسلمين، مع غيرهم من الجماعات التكفيرية أو الدعوية أو جماعات السلفية الجهادية، بدرجات مختلفة قربا أو بعدا من درجة تكفيرهم الضمني أو الصريح للفرد والمجتمع والدولة. وعلى سبيل المثال، ارتكزت التيارات السلفية إلى مفهوم "أتباع السلف الصالح" في مواجهة أصحاب العقائد الفاسدة من التيارات الأخرى بما فيها التيارات الدينية الأخرى مثل المتصوفة، واستندت جماعات التكفير والهجرة وجماعات التبليغ والدعوة والحركات الجهادية العنيفة إلى مفهوم "الجماعة المسلمة" أو "العصبة المؤمنة" في مواجهة الدولة الكافرة والمجتمع المرتد عن الإسلام إلى حالة الكفر والجاهلية الأولى، حتى وإن كانت الأولى (التكفير والهجرة) قد رأت هجرة هذا المجتمع واعتزاله، أو رأت الثانية (التبليغ والدعوة) دعوته إلى الإسلام من جديد بالحكمة والموعظة الحسنة، أو رأت الثالثة (السلفية الجهادية العنيفة) ممارسة الجهاد ضد الدولة أو المجتمع أو كلاهما. ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين نجحت في تضليل المجتمع واقناعه بتصنيفها ضمن الحركات الإسلامية ذات الطابع السياسي- الاجتماعي، إلا أنها من ناحية، ظلت ترتكز إلى محورية مفهوم "الجماعة" في مواجهة الدولة والمجتمع.

وهكذا، كان لاحتفاظ هذه الجماعات بخطوط ذات طبيعة دينية في تقسيم المجتمع، وتمييز الحدود الفاصلة بين أعضائها من ناحية، والمجتمع والدولة من ناحية أخرى، دورا أساسيا في تكريس الرؤية الدينية لطبيعة الصراع بينها وبين الآخر (المجتمع والدولة والنظام السياسي)، ولقواعد الفرز السياسي في مصر بعد الثورة.

وكانت النتيجة النهائية لهذا النمط من الفرز هو تطور حالة من الاستقطاب الديني بين قوى الإسلام السياسي في مواجهة القوى غير الدينية بكل توجهاتها.

السمة الثانية، هي تراجع حجم وثقل الحركات الثورية الجماهيرية. وقد تحقق هذا التراجع بفعل فشل (وربما تفضيل) معظم هذه الحركات في القبول بفكرة العمل السياسي الحزبي أو التحول إلى أحزاب سياسية، وذلك تحت تأثير استمرار وهج وجاذبية صيغة "العمل الثوري" لدى المندمجين في تلك الحركات، وهو ما يفسر استمرار تمسك بعضها بفكرة "الثورة مستمرة"، و"مكملين"...إلخ من الأفكار والشعارات التي عكست عدم قدرة هذه الحركات على الخروج من مرحلة الثورة وصيغة العمل الثوري إلى مرحلة العمل السياسي وبناء مؤسسات ما بعد الثورة. ونتيجة لذلك، فقد شهدت هذه المرحلة تطور حالة من الصراع بين الحركات الجماهيرية من ناحية، ومعظم القوى السياسية الحزبية، خاصة التيار الحاكم (الإسلامي)، من ناحية أخرى. لكن تجدر الإشارة هنا أن الاتجاه إلى استخدام العنف من جانب بعض هذه الحركات كان قد بدأ خلال المرحلة الانتقالية، واستمر خلال هذه المرحلة، خاصة في ظل الأداء السياسي "السلطوي" لنظام الإخوان المسلمين في السلطة، وفي إطار سعى الأخير إلى تفريغ الساحة السياسية لصالحه. لكن نهاية هذه المرحلة شهدت عودة الحركات الجماهيرية مرة أخرى، وعلى رأسها حركة "تمرد" التي شكلت الحركة الرئيسة ضمن مقدمات ثورة يونيو.

المرحلة الثالثة، ويمكن التأريخ لها بثورة يونيو ٢٠١٣ وحتى الآن، واتسمت بعدد من السمات. الأولى، هي تراجع شديد للقوى الدينية بكل توجهاتها، وافتقادها جزءا كبيرا من شرعيتها، وذلك بفعل ثورة يونيو التي مثلت في جوهرها- ضمن أبعاد أخرى- عملية تصحيح لتداعيات ثورة يناير، وعلى رأسها ظاهرة تديين السياسة التي مارستها القوى الدينية بعد ثورة يناير. وقد تأكد هذا التراجع في الانتخابات البرلمانية التي أجريت خلال عام ٢٠١٥. السمة الثانية، هي عودة الخريطة الحزبية لسماتها التقليدية خلال مرحلة ما قبل ثورة يناير ٢٠١١. فعلى الرغم مما شهدته الخريطة السياسية بعد يناير من ظهور عدد كبير من الأحزاب الجديدة، والتي كان من المفترض أن تساهم في إثراء الحياة السياسية والحزبية، وتقديم تجربة حزبية تختلف عن تلك التي عرفتها مصر خلال مرحلة ما قبل ثورة يناير، خاصة في ظل التعديلات الجوهرية التي تم إدخالها على الأطر الدستورية والقانونية، إلا أن هذا لم يحدث، ولازالت هذه الأحزاب تعاني من العديد من الأمراض السياسية والثقافية التي عانت منها الأحزاب القديمة، كشف عنها استمرار ظاهرة افتقاد هذه الأحزاب للقواعد الاجتماعية، وتوالي ظاهرة الانقسامات والصراعات الداخلية. السمة الثالثة، هي استمرار تراجع ظاهرة الحركات الجماهيرية، لأسباب عديدة منها استكمال استحقاقات خارطة الطريق التي وضعتها ثورة يونيو، والانكشاف السياسي والتنظيمي للعديد من هذه الحركات، فضلا عن قرار حركة "تمرد" عدم التحول إلى حزب سياسي.

وهكذا، فإن الاستنتاج المهم الذي يمكن أن نخلص إليه من استعراض المراحل الثلاث لتطور الخريطة السياسية في مصر منذ ثورة يناير وحتى الآن أن هناك محددين أساسيين لعبا الدور الأكبر في تطور هذه الخريطة. الأول، هو طبيعة النخب السياسية والحزبية ذاتها في مرحلة ما بعد الثورة. والثاني هو الرأي العام أو المواطن المصري، والذي ساهم بشكل كبير في إعادة بناء الخريطة السياسية في مراحل مختلفة، سواء من خلال الانتخابات أو العمل الثوري. وفي المقابل، وعلى العكس مما يشاع، فقد مثلت الدولة محددا ثانويا في تحديد الخريطة السياسية في مصر بعد الثورة.

طباعة
د.محمد فايز فرحات

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية