إصدارات المركز - الملف المصري
رئيس التحرير : د. دينا شحاتة

أعداد سابقة

العدد رقم 53- بتاريخ : 1-1-2019

حماية التراث والآثار في مصر

يواجه تراث مصر الثقافي العديد من التحديات؛ حيث تأتى في مقدمتها القصور في مفهوم التراث، وجعله مقتصرًا على الأثر في حد ذاته، وليس ما يحيط به. كما أن وجود الحدائق التاريخية داخل الكتلة الحضرية، يعرضها لمخاطر التلوث البيئي والبصري وسوء الاستغلال والاستعمال، فضلًا عن ضعف الموارد المادية اللازمة وعدم وجود آليات لتوفير موارد جديدة، وكذلك القصور في الجانب التشريعي، وتفشي الفساد في المحليات والمؤسسات المنوط بها الحفاظ على التراث، وغياب المنظور الشامل في مفهوم الأثر، وترسيخه كمنتج تاريخي بائد في انقطاع تام عن الهوية والحاضر. وقد تسبب تراكم تلك التحديات في الإضرار بتراث مصر الثقافي وهدم وإزالة معظم الأنوية القديمة للمدن في الدلتا والوادي، وعلى الرغم من محاولات مواجهة هذا العبث بالتراث الثقافي خاصة الممثل في الأنسجة القديمة للمدن، فهناك العديد من المنشآت الأثرية التي صارت مهددة بالرفع من قائمة مدن التراث المميز لليونسكو لتوضع على قائمة تراث في خطر، وهو ما يتطلب ضرورة التدخل السريع من قبل الدولة، مع وجود إدارة رشيدة للموارد المتاحة، والاستماع إلى المتخصصين والاستفادة من دراساتهم وخبراتهم في هذا المجال.

الدروس المستفادة من التجارب الدولية لحماية التراث الثقافي في مصر

 إن تراث وآثار الدول لم تعد حكرًا على الدولة المالكة، ولكن ملكًا للإنسانية جمعاء، ومن التحديات الرئيسية التي تواجهها بعض مواقع التراث العالمي؛ هي تأثير بعض المشروعات التنموية على القيمة العالمية الاستثنائية لهذه المواقع. وبالنسبة لمصر فيوجد سبعة مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي؛ منها ستة مواقع كتراث ثقافي، وموقع واحد تراث طبيعي. وعلى الرغم من أن إنشاء قسم لتنمية الموارد في وزارة الآثار يعد خطوة هامة داعمة لقطاع الآثار، إلا أنها لا تعد كافية خاصة مع وجود تحديات عديدة؛ مثل عدم مرونة القوانين التي تضع عقبات كثيرة أمام أي متبرع، فضلًا عن غياب ثقافة التبرع للتراث واقتصارها على الأعمال الخيرية. ومن ناحية أخرى فإن مصر بحاجة إلى تشكيل آليات جديدة لحماية الآثار، خاصة في وقت الاضطرابات السياسية، مثل وحدة متخصصة لحماية الممتلكات التراثية داخل الجيش المصري، والتي يمكنها أن تساهم في حماية الممتلكات الثقافية الخاصة بدول أخرى في المنطقة. وأخيرًا يجب أن تضغط مصر بكافة الوسائل على المتاحف الغربية، من أجل استرداد الآثار التي سلبت منها، والتي تعبر عن هويتها ومجدها القديم.

دور المجتمع المدنى فى الحفاظ على التراث المعمارى المصرى

د. أمنية عبد البر

على الرغم من المكانة الخاصة التى تتمتع بها العمارة المصرية الآثرية والتراثية، إلا أنها معرضة للعديد من المخاطر التى تهدد سلامتها وتنذر باندثارها وطمسها؛ من بينها تنامى الحركة العمرانية والحضرية التى تشهدها معظم المدن المصرية، خاصة فى محافظتى القاهرة والإسكندرية، والتى أدت إلى اعتدائها على المراكز التاريخية لهذه المدن دون مراعاة لطبيعتها الخاصة؛ حيث تم استبدال بيوتها التراثية ببنايات تفتقر لجماليات العمارة، وأسس التصميم وآدمية المسكن. وكرد فعل لتلك التجاوزات السابقة فقد تشكلت العديد من منظمات المجتمع المدني وجماعات الضغط من أجل إيقاف عمليات هدم بيوت وعمارات مهمة كانت شاهدة على تاريخ المدن المصرية، إلا أن جهود تلك المنظمات مازال تعيقها العديد من التحديات؛ حيث تأتى فى مقدمتها ندرة مصادر التمويل المحلية اللازمة من أجل المضى فى مشاريع معنية بالترميم أو التوثيق أو حتى التدريب، خاصة مع عدم وجود جهات مانحة محلية مهتمة بالاستثمار فى التراث المصرى، فضلًا عن صعوبة الإجراءات والقوانين الحاكمة لعمل الجمعيات والمؤسسات فى مصر، والتى لا تمنحها المرونة والحرية الكافية لأداء مهامها أسوة بالقطاع الخاص.

حفظ التراث الموسيقي بين المعنيين المتحفي والتطوري

حظيت مصر بتاريخ ممتد وحافل بالتنوع الثقافي انعكس على عمق التراث الموسيقى. وقد جاءت فكرة حفظ التراث الموسيقى في أعقاب ظهور التقنيات، والتكنولوجيا التي ساهمت في ابتكار الأسطوانات في أوائل القرن العشرين، مرورًا بظهور فن السينما، وانتهاء بأحدث التقنيات التي تسجل كل ما هو مسموع ومرئي. وعند هذه اللحظة اتخذت دعوة الحفاظ على التراث الموسيقي منحيين متوازيين؛ الأول تولته الدولة عبر إنشاء مراكز حفظ التراث الموسيقي في شكل متحفي بتخصيص أقسام لتسجيلات كبار الموسيقيين والمطربين المصريين في أكثر من مؤسسة لرعاية الفنون، أما الثاني فقد طُور من مسألة حفظ التراث من خلال نقله شفهيًا عبر الأجيال، إلى حفظه عبر إنشاء فرق موسيقى التراث؛ لتقوم أجيال جديدة بغناء الألحان القديمة بعد إعادة توزيعها بشكل يتناسب مع إيقاع العصر. ورغم أهمية البعد المتحفي في الحفاظ على التراث الموسيقي من تسجيلات قديمة وتدوينات، فإنه لن يحفظ ولن يكتب له الاستمرار، إلا بتطويره وتشجيع الأجيال الشابة على إعادة صياغته بما يلائم إيقاع عصرهم وثراء انفتاحهم على فنون وغناء الشعوب الأخرى. 

المنظومة القانونية والمؤسسية لحماية الآثار المصرية

يعاني قطاع الآثار في مصر من إشكاليات عديدة تأتى في مقدمتها تعرض المتاحف المفتوحة، ومخازن وزارة الآثار التي لا يتم جرد وتسجيل ما بها من مقتنيات للسرقة. فضلاً عن نقص المخصصات المالية لوزارة الآثار، مما يجعلها غير قادرة على القيام بالعديد من الأنشطة، وكذلك محدودية العائد من المتاحف المصرية. ومن أجل التصدي لتلك التحديات اهتمت الدولة بتطوير الجانب التشريعي الخاص بحماية قطاع الآثار - وإن ظل بحاجة إلى التفعيل - وذلك سواء من خلال إدخال تعديلات على القوانين القائمة مثل التي أقرها البرلمان يوم 23 أبريل 2018 على القانون رقم (117) لعام 1983، أو استصدار قوانين جديدة مثل القرار الجمهوري رقم (550) لعام 2018 والذي صدر يوم 14 ديسمبر 2018. وبالإضافة للجانب التشريعي فقد حرصت الحكومة المصرية كذلك على اتخاذ عدد من الخطوات لمعالجة المشكلات المرتبطة بالتراث والآثار مثل؛ إشراك القطاع الخاص، وتجديد المناطق ذات الطابع التراثي. وعلى الرغم من تلك المساعي الجادة إلا أن إصلاح القطاع مازال بحاجة لتضافر جهود المجتمع سواء قطاع خاص أو حكومي أو مجتمع مدني.