إصدارات المركز - الملف المصري

أعداد سابقة

العدد رقم 38- بتاريخ : 1-10-2017

مستقبل الأزمة الليبية: الحلول والتحديات

يعتبر الملف الليبي من أكثر الملفات التي تستحوذ على أولويات السياسة الخارجية للدولة المصرية نتيجة العديد من المصالح المصرية في ليبيا، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة أنواع، النوع الأول هو المصالح الحدودية/الأمنية، وهي نوعية المصالح التي تتقاطع مباشرة مع واقع التوتر السياسي في الداخل الليبي، ومع قضايا وملفات مكافحة الإرهاب والتطرف. والنوع الثاني من المصالح المصرية في ليبيا هو المصالح الاقتصادية، وهي المصالح التي تتعلق بالعلاقة التجارية بين البلدين كون ليبيا إحدى الدول التي تعتمد علي المنتجات المصرية لتغذية سوقها المحلية في عدد من القطاعات، كما أن ليبيا أحد أهم أسواق العمالة المصرية في المنطقة، ويأتي النوع الثالث من المصالح المصرية في ليبيا في سياق التفاعل الإقليمي والدولي في منطقة شمال أفريقيا، وهي التفاعلات التي تحرص مصر أن تكون جزءاً منها، تلك المصالح وغيرها جعل من الأزمة الليبية بالنسبة لمصر واحدة من أهم الأزمات اهتماما من جانب الدولة المصرية سواء علي المستوي السياسي والاقتصادي أو الأمني والعسكري ومن ثم جاء التحرك المصري في ليبيا كجزء حيوي ومحوري من استراتيجية الأمن القومي المصري.

لعبت القبيلة دورا أساسياً في الصراع الليبي في أعقاب سقوط نظام القذافي والذي أدي لضعف في بنية الدولة المركزية مما سمح لتنامي نفوذ القبيلة وتصاعد أدوارها الأمنية والسياسية والاجتماعية في محاولة لملأ الفراغ السياسي والأمني الذي خلفه سقوط نظام القذافي وانهيار مؤسسات الدولة الليبية، وهو ما جعل من الصراع السياسي والعسكري بين معسكر الكرامة الممثل للتيار المدني في ليبيا وتحالف فجر ليبيا الممثل للتيار الإسلامي أن يكون مجرد واجهات سياسية وعسكرية للقبائل الليبية التي ينخرط أبناؤها بالأساس في القتال الدائر في ليبيا. ومن ثم فإن أي حديث عن تسوية سياسية للصراع الليبي يتوقف في جزء كبير منها على تسوية الخلافات بين القبائل الليبية التي تصل لأكثر من 140 قبيلة تنقسم كل منها إلى عدة فروع وعشائر لإيجاد صيغة مناسبة لتوزيع المناصب السياسية والأمنية فيما بينها، وهو ما يمكن اعتباره نقطة انطلاق نحو حل سياسي للازمة الليبية.

وصل عدد التنظيمات المسلحة في ليبيا عام 2015، إلى ما يقرب من 1700 تنظيم مسلح، وفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، وبدأت تتشكل هذه المليشيات عقب سقوط نظام القذافي عام 2011، وساعد على انتشارها وزيادة عددها عدم وجود أجهزة أمنية متماسكة تعمل بكفاءات متباينة، فضلا عن انتشار التشكيلات القبلية المسلحة، مما حول ليبيا إلى نموذج لدولة ميليشيات تسيطر كل منها على مساحة من الأراضي، الأمر الذي أدى إلى فشل محاولات التوصل إلى اتفاق سياسي يُنهي حالة الانقسام، والصراع في ليبيا وهو ما يجعل من تماسك الجيش الوطنى الليبى المدخل الحقيقى لإعادة الأستقرار بالداخل الليبى على المستوى الأمنى من ناحية ومكافحة الإرهاب والتنظيمات المسلحة من جهة آخرى.

تقدمت الدولة الفرنسية بمبادرة سياسية لحل الخلاف السياسي بين طرفي الصراع الليبي حيث تضمنت المبادرة عشرة بنود، كان أهمها التأكيد على تفعيل اتفاق الصخيرات الموقع فى 17 ديسمبر 2015 وعلى مواصلة الحوار السياسي، والدعوة إلى نزع السلاح وإدماج المسلحين الراغبين فى الانضمام إلى الجيش الوطني الليبي، والعمل على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت ممكن، ويأتي التحرك الفرنسي لحل الازمة الليبية كنتيجة لسياسة الرئيس الفرنسي ماكرون والذي أعلن خلال الحملة الانتخابية الرئاسية ان الأمن فى أفريقيا أولوية فى سياسته الخارجية وفى صدارته الملف الليبي، وتسعي هذه الورقة التى توضيح أهمية توقيت هذه المبادرة وأسبابها ودلالاتها، مع إلقاء الضوء على التحديات التى تواجهها ومدى اختلافها أو تشابهها مع المبادرات والتحركات العربية، خاصة فيما يتعلق بالدور الفرنسي.

مازالت ليبيا مرشحة للبقاء كدولة غير مستقلة نظرا لأنها أصبحت هدفاً من قبل المقاتلين العائدين من العراق وسوريا، لذلك خلقت التداعيات الأمنية لعودة هؤلاء العديد من المخاطر والتهديدات الأمنية على دول الجوار، الأمر الذي يجعل أدوار هذه الدول عامل هام وحاسم في طبيعة الصراع الليبي، ولذلك اعتمدت دول الجوار على محددات غلب عليها الطابع الأمني في التعامل مع الأزمة الليبية والتي تمثلت في التركيز على ضبط الحدود، واستحداث قطاعات عسكرية متخصصة مثل قوات الانتشار السريع، ورغم ذلك واجهت تلك الدول العديد من التحديات في التعامل الأمني منها عائق التضاريس ورخاوة المناطق الحدودية مع ليبيا واتساع مساحات انتشار الإرهاب فيها، وضعف قدرة الجيش الليبي فى السيطرة على الداخل، كما برز العديد من التناقضات السياسية بين دول الجوار تجاه ليبيا استغلتها التنظيمات الإرهابية لذا يتطلب من دول الجوار اعتماد آليات مشتركة لمحاصرة بيئة الفوضى الأمنية في ليبيا.

تعتبر الازمة الليبية نموذجا لصراع اقليمي ودولي بين أطراف متعددة فمنذ سقوط القذافي 2011 ، تنامت الأدوار الإقليمية والدولية بداية من التدخل العسكري عبر حلف شمال الأطلسي بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي وتأييد عربي، ما دفع كل طرف سياسي ليبي ان يستند لدعم خارجي وفر له قوة سياسية وأمنية في مواجهة منافسيه المحليين، هذا المشهد المستمر منذ أربع سنوات دفع المبعوث الأممي غسان سلامة في العمل بخطته الجديدة، والتي تضمنت أربعة مسارات في آن واحد. الأول دولي مع القوى الرئيسية فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، والثاني مع مصر والإمارات والجزائر، والثالث استئناف الحوار السياسي الليبي لتعديل الاتفاق، والرابع ضرورة إطلاق الحوار الأمني بين المؤسسات الأمنية الرسمية والمجموعات المسلحة حتى يمكن احتواؤها وتحييدها عن الصراع السياسي مع العمل على فك ارتباطاتها الخارجية وفصلها عن الظهيرين السياسي والاجتماعي الذي يوفر لها دعما يجعلها في مركز متقدم على مؤسسات الأمن الرسمية.

يعتبر قطاع النفط في ليبيا واحداً من عوامل الصراع السياسي والأمني بين الفصائل السياسية والتنظيمات المسلحة، وعلى الرغم من تمكن قوات الأمن الوطني وحراس النفط من السيطرة على حقول النفط تحت إمرة الدولة الليبية إلا أن التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة تضع مستقبل صناعة النفط على حد الخطر. ومن ثم هناك العديد من التساؤلات التي تُطرح حول التحديات التي تواجه الدولة الليبية لتطوير صناعة النفط بجانب المتطلبات التي يجب على الحكومة الليبية انتهاجها لتطوير صناعة النفط، وما هي التطورات التي يمكن أن تطرأ على أوضاع صناعة النفط الليبي في ضوء إمكانية نجاح المساعي الغربية الليبية لزيادة الإنتاج للعودة إلى مستويات ما قبل انتفاضة فبراير من العام 2011 .