إصدارات المركز - الملف المصري
رئيس التحرير : د. دينا شحاتة

أعداد سابقة

العدد رقم 44- بتاريخ : 1-4-2018

مستقبل العلاقات المصرية السودانية

يعد الحديث عن مستقبل العلاقات المصرية - السودانية محفوف بالمخاطر، حيث ظلت هذه العلاقة متأزمة طوال تاريخها، ويرجع تأزم هذه العلاقات إلى تقاطع المصالح والتوجهات المختلفة في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية أبرزها الملف المائي المتعلق بسد النهضة وصراع النفوذ والتكالب الإقليمي والدولي على القارة الأفريقية والإدراك الثقافي والتاريخي والأيديولوجي لكل طرف للآخر، ورغم هذه التعقيدات إلا أنه يمكن تطوير آليات لتقاوم تقاطع المصالح خاصة من جانب مصر لضمان استمرار التفاعلات حتى تحت مظلة الأزمات.

تنطلق العلاقات المصرية-السودانية من خمس منطلقات هي العوامل الجغرافية، والعوامل التاريخية، والعوامل الثقافية والعوامل الاقتصادية والعوامل التمازجية، وللحديث عن مستقبل العلاقة بين البلدين ينبغي أولا أن يكون هناك تصورا مشتركا خاصة تجاه حوض النيل فلا ينبغي أن تتقوقع العلاقات المصرية - السودانية في الإطار الثنائي، بل لابد أن تكون لها أبعاد إقليمية ودولية، ثانيا الحاجة الماسة لعلاقات مع دول الجوار خاصة ليبيا وتشاد لما تمثله هذه البلاد من أهمية لكلا البلدين، ثالثا مراجعة دعم النظم الإخوانية في السودان حيث عملت هذه النظم على تسميم العلاقات بين مصر والسودان .

يعكس ملف المياه طبيعة العلاقات بين مصر والسودان من حيث طبيعة التعاون والتوافق من جانب والتباين والصراع من جانب آخر، ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب أبرزها التراكمات المرتبطة بالإرث التاريخي والحساسيات بين البلدين وتغليب المحدد السياسي على المصالح الإستراتيجية للبلدين، علاوة على انحياز مصر لبعض القوى السياسية السودانية وافتقاد المبادرة والتواجد بفاعلية في الساحة السودانية، ورغم وجود إطار قانوني ينظم العلاقات المائية بين مصر والسودان خاصة اتفاقيتي 1929 و1959، إلا أن هناك عدد من الاختلافات حولهما حيث غلب الطابع السياسي بقدر أكبر عن الطابع الفني والهندسي والقانوني، وعلى جانب آخر يعد موقف السودان من سد النهضة أبزر عناصر العلاقات المائية بين البلدين، حيث مر بعدد من المراحل بداية من التوازن ثم التأييد المطلق والكامل لأثيوبيا، ومن ثم فإن الحديث عن مستقبل العلاقة المصرية - السودانية يستلزم وجود صياغة جديدة لبناء منظور شامل للعلاقات على المستوى الاستراتيجي تأخذ في الاعتبار الأوضاع الإقليمية والتحركات المصرية الأخيرة تجاه القارة الأفريقية.

على مدار أكثر من 50 عام لعبت وسائل الإعلام دور سلبي تجاه العلاقات المصرية - السودانية، وينقسم الدور الذي لعبته وسائل الإعلام إلى ثلاث مراحل، الأولى من بعد استقلال السودان وحتى الثمانينيات، الثانية من 1995 إلى يناير 2011، والثالثة من يناير 2011 حتى الآن، و بجانب الإعلام التقليدي لعبت منصات السوشيال ميديا الدور الأسوأ في العلاقة بين البلدين حيث سادت لغة الشتائم والسباب والسخرية. وفي ظل هذا تم دس الكثير من السموم والأكاذيب والافتراء، وتسميم أجواء العلاقات بين البلدين، علاوة على منع الإعلاميين من كل بلد دخول كلا البلدين بأشكال متعددة، وبالتأمل وتقييم كل ما سبق يتبين أنه من الضروري أن يعاد النظر في أداء ودور وأهداف الإعلام في العلاقات المصرية - السودانية.

يرجع تأرجح العلاقات المصرية - السودانية إلى عدد من القضايا التي تشهدها الساحة السياسية يأتي على رأسها قضية سد النهضة ومثلث حلايب وشلاتين، ورغم ارتباط مصر والسودان بروابط سياسية وعقائدية، علاوة على أن كلاهما يمثلان جزء لا يتجزأ من أمنهما القومي، إلا أن السودان قد غابت عن أولويات السياسية المصرية وأدى ذلك إلى انفتاحها على تكتلات لا تعزز المصالح المصرية، بدلا من تعزيز الاتفاقات والتعاون المشترك بين مصر والسودان ويأتي على رأسها اتفاق الحريات الأربعة الذى تم توقيعه في 2004، الذي نص على حرية التنقل، وحرية الإقامة، وحرية العمل، وحرية التملك بين الدولتين، ورغم مضي أكثر من أربعة عشر عامًا، على توقيع الاتفاقية إلا انه لا يزال تنفيذها محل تساؤلات، لما يشهده البلدان من توترات خلال الفترات التالية للتوقيع. لذلك فإن كل من القاهرة والخرطوم في حاجة ماسة إلى أطر جديدة تتجاوز الخلافات الماضية، برؤية مستقبلية تضع العلاقة بينهما في إطار التحرك الإقليمي المرتبط بالتكالب الدولي والإقليمي في المنطقة.

أسست القمة المصرية - السودانية مرحلة تطور في العلاقات بين البلدين انطلاقا من قضايا القمة وسياقاتها الإقليمية والتوترات التي شابت العلاقات المصرية - السودانية، وارتكزت القمة على عدد من القواعد من بينها التهدئة الإعلامية بين البلدين، وتعزيز التوافقات السياسية في بعض الملفات، وبناء وتأسيس مرحلة إستراتيجية للعلاقات بين البلدين تقوم على عدد من المحددات، أبرزها التأكيد على محورية مفهوم الإرادة السياسية المشتركة لحل أي إشكالية في العلاقات، و الإشارة بشكل عملي إلى الجوانب التنفيذية في العلاقات والمشروعات المشتركة المعنية بالربط الكهربائي، والبري، والبحري، وربط السكك الحديدية، و تطوير أطر العلاقات من خلال مراجعة الآليات التي تم التأسيس لها في مختلف المجالات، و تعظيم التعاون الاقتصادي وتحقيق المصالح المشتركة في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني والنقل والبنية التحتية، والتأكيد على العلاقات الأخوية والأزلية والروابط المشتركة التي تجمع شعبي وادي النيل.