إصدارات المركز - الملف المصري
رئيس التحرير : د. دينا شحاتة

أعداد سابقة

العدد رقم 50- بتاريخ : 1-10-2018

التحديات الإقليمية والمصالح المصرية

تواجه منطقة الشرق الأوسط العديد من التهديدات الأمنية تأتى في مقدمتها وجود قدر كبير من الفوضى والسيولة ، فضلا عن تدخل فاعلين إقليمين مثل تركيا، وإيران، وإسرائيل في صميم قضايا المنطقة. بالإضافة إلى خطر الإرهاب الذي بات يواجه المنطقة على نحو غير مسبوق. وفيما يخص مصر فإنها تواجه تحديًا هامًا يضغط على مواردها، ألا وهو انتشار مصالحها الحيوية في اتجاهات جغرافية مختلفة، مثل مسرح البحر الأحمر وشرق المتوسط والأوضاع في ليبيا ومسرح الصحراء الغربية. كما تواجه مصر عدد من التهديدات غير التقليدية، من بينها تحدى الزيادة السكانية مع انعكاسات ذلك على حجم ظاهرة البطالة، والاحتياجات التعليمية والصحية. ومن ثم فإن مواجهة مصر وتصديها لتلك التهديدات الأمنية تتطلب منها تعزيز المكونات الداخلية للأمن القومي المصري، من خلال إعطاء الأولوية للقضاء على الإرهاب، وتحقيق الاستقرار الذي يدعم النمو الاقتصادي، ويقتضى ذلك قدرًا من «الكمون الاستراتيجي»، بهدف إعادة حشد عناصر القوة المصرية التي تبدو مبعثرة بشكل يعطل تحرك مصر الخارجي. كما تحتاج مصر للنهوض بعناصر القوة الناعمة لديها، بما يعزز من وزنها الدولي، ودورها الإقليمي.

تحديات الدور المصري في الشرق الأوسط

اتسمت ملامح السياسة الخارجية المصرية بعد 30 يونيو بالحرص على تحقيق الاستقرار الإقليمي، والبعد عن الولاءات الطائفية، وعدم الانخراط في سياسات التنافس الإقليمي، بالإضافة إلى الانحياز للتسويات السياسية، وإعطاء الأولوية لاسترجاع الاستقرار الأمني بالمنطقة، منعًا لتدعيم بيئة حاضنة لتمدد الإرهاب. وفي هذا الإطار تضع مصر كل من القضية الفلسطينية وأمن الخليج في أولويات السياسة الخارجية، كجزء من الأمن القومي المصري. وبالتالي تحرص مصر دومًا على انتهاج سياسة عدم التدخل في الشئون الداخلية لأية دولة، وانعكس ذلك على سياسات مصر تجاه الأزمات الاقليمية، في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا. وعلى الرغم من الجهود المصرية لمعالجة تلك الأزمات، يبقى هناك عدد من التحديات التي تحول دون تفعيله وتحد من تأثيراته، والتي تعود في إحدى جوانبها إلى عدم فاعلية الدور المصري في جامعة الدول العربية - رغم تواجده - بسبب ضعف أوراق الضغط أو التحفيز التي تملكها مصر، ومن ناحية أخرى بسبب عوامل تعود إلى المنظمة نفسها نتيجة إعلاء المصالح القومية علي حساب المصالح الإقليمية. فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية في مصر، وتحديات مواجهة الإرهاب، وأخيرًا تحدى تعزيز دور الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الدينية، خاصة وأن القوة الناعمة المصرية سوف يكون لها دور فعال بعد انتهاء اللهيب المسلح في المنطقة.

مستقبل خريطة الطاقة في منطقة البحر المتوسط

يعد قطاع الطاقة من أحد المجالات الواعدة لتعزيز التعاون بين دول جنوب وشمال منطقة البحر المتوسط، خاصة مع وجود عدد من المنصات المهمة لدفع وتشجيع هذا التعاون، والتي أسستها المفوضية الأوروبية مع الدول الأعضاء في الاتحاد من أجل المتوسط في عام 2015 . كما يحظى التعاون في مجال الغاز الطبيعي بأهمية كبيرة ومن المتوقع أن يكون أحد المحددات الأساسية لرسم خريطة الطاقة في منطقة البحر المتوسط خلال السنوات القادمة. وعلى الرغم من ذلك فإنه من المتوقع أن يثير هذا التعاون توترًا كبيرًا في العلاقات بين بعض دول البحر المتوسط، نتيجة عوامل عديدة من بينها بروز الموقف التركي الأخير الهادف إلى عرقلة التقدم في عملية الاستغلال الأمثل لاكتشافات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، بالإضافة إلى عدم انضمام تركيا وإسرائيل إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982م. ومن ثم فإن هذا الواقع الجيوسياسي المعقد، بات يقتضى ضرورة استصدار قرار دولي يطالب إسرائيل وتركيا بالانضمام إلى معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار والمحيطات، مع تعزيز التعاون الإقليمي في منطقة البحر المتوسط، وذلك من خلال الاستفادة من نموذج التعاون الثلاثي بين مصر وقبرص واليونان.

صفقة القرن ومستقبل القضية الفلسطينية

بعد الجهود والمساعي المتعددة التي شهدتها القضية الفلسطينية من أجل التوصل إلى حلول توافقية لموضوعات الحل النهائي، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 م وعاصمتها القدس الشرقية، جاءت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، طارحة مبادرة مبهمة البنود من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، أطلق عليها «صفقة القرن». ويتضح من مقارنة الممارسات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يتم تسريبه من بنود تلك الخطة أن هناك رغبة في غلق قضايا الحل النهائي وهى الاستيطان، والقدس، واللاجئين، والمياه أمام أي محادثات قادمة مع الجانب الفلسطيني، وهو ما تؤكده السياسات الإسرائيلية الحريصة على استمرار فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، مع استمرار الاستيلاء على مزيد من الأراضي بالضفة الغربية تمهيدًا لضم الضفة بالكامل للأراضي المستولى عليها، مع تنفيذ مخططات من شأنها السيطرة الكاملة على القدس. بالإضافة إلى مساعي إلغاء حق العودة وشطب مشكلة اللاجئين نهائيًا من أي محادثات قادمة. ومحاولة تكريس استمرار السيطرة على منابع نهر الأردن والاستيلاء على المياه الفلسطينية الجوفية في الضفة الغربية المحتلة. وأخيرًا العمل على شرعنة كل ما تنفذه من إجراءات استيطانية وتهويدية، بتشريع قوانين ملزمة بالكنيست، وآخرها قانوني «القومية اليهودية» و«القدس الموحدة».

العلاقات السعودية الإماراتية: التوجه نحو «التوأمة»

تشهد العلاقات السعودية الإماراتية تقاربًا ملحوظًا سواء في محيط العلاقات العربية، أو حتى في المحيط الأضيق الخاص بالعلاقات الخليجية، حتى بلغ التنسيق بينهما في العامين الأخيرين، حدًا دفع البعض لإطلاق وصف «التوأمة» على ما يجري بينهما. بينما توقع البعض أن يتجه البلدان إلى بناء «مجلس تعاون مصغر»، وكان من مظاهر ذلك الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق المشترك في مايو 2016، ولجنة التعاون والتنسيق في ديسمبر 2017، والحوار الاستراتيجي الذي عقد بانتظام بين البلدين تحت مظلة ما أطلق عليه بـ «خلوة العزم» (المنبثقة عن مجلس التنسيق)، وجرى تدشينها، في الاجتماع الأول لمجلس التنسيق في جدة يونيو 2018. وهناك أربعة مؤشرات عن توطيد العلاقات بين البلدين، وهى العلاقة الشخصية للقيادة، والحرب في اليمن و ثورة التحديث والبناء الداخلي في السعودية، والتقارب بشأن الإرهاب وقطر، حيث تدل جميعها أن أسس التحالف السعودي الإماراتي تتجه إلى الاستقرار على حالتها الراهنة، على الأقل لعقد أو عقدين مقبلين.

الدور الإقليمي الإيراني أمام اختبارات صعبة

على الرغم مما أتاحته الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت أرجاء العديد من البلاد العربية منذ نهاية عام 2010 من فرص لتصاعد الدور الإيراني في العديد من ملفات الشرق الأوسط، إلا أن هذا الدور صار يواجهه العديد من التحديات، فعلى المستوى الداخلي أنعكس على الاحتجاجات التي انتشرت في إيران بعد أن تحولت من طابعها الاقتصادي المعيشي البحت إلى طابع سياسي أكثر اتساعًا. فضلًا عن تزايد الضغوط الإقليمية، وكانت من بين مؤشراتها الاحتجاجات التي شهدتها مدينة البصرة العراقية ضد تمدد النفوذ الإيراني في الداخل العراقي، والعقبات التي تواجه الحضور الإيراني في سوريا، فضلا عن محدودية الخيارات الإيرانية في الملف اليمنى، والضغوط الداخلية التي يواجهها حزب الله في لبنان بسبب انخراطه في الصراع العسكري السوري. وعلى المستوى الدولي يواجه الدور الإقليمي لإيران تحديًا غير مسبوق، خاصة مع سياسات إدارة ترامب التي قررت توسيع نطاق خلافاتها لتشمل إلى جانب الاتفاق النووي، الدور الإقليمي لإيران وبرنامج الصواريخ الباليستية إلى جانب الاتهامات الموجهة إليها بدعم الإرهاب. إلا أنه يبدوا أن إيران لن تستسلم لتلك الضغوط، وأنها ستتبع تكتيك تصعيد الأزمات الإقليمية المختلفة، من أجل التعاطي مع التطورات التي تشهدها المنطقة.