إصدارات المركز - الملف المصري
رئيس التحرير : د. دينا شحاتة

أعداد سابقة

العدد رقم 54- بتاريخ : 1-2-2019

مصر ورئاسة الاتحاد الأفريقي ٢٠١٩

يعكس اختيار مصر لرئاسة الاتحاد الأفريقي خلال عام 2019 نجاح الجهود التي تبذلها الدولة المصرية منذ عام 2014 لاستعادة مكانتها في القارة الأفريقية. وتبرز في هذا السياق عدد من الملفات الهامة التي يفترض أن تحظى باهتمام مصر؛ حيث يأتي في مقدمتها إرساء الأمن والاستقرار، وذلك من خلال ما تمتلكه مصر من خبرات في إدارة ومنع وتسوية المنازعات. ويتمثل الملف الثاني، في دعم التنمية الاقتصادية، حيث تحظى مصر بخبرات في العديد من المجالات الاقتصادية والتنموية، خاصة في دعم البنية التحتية الأفريقية. أما الملف الثالث، فيتمثل في إمكانية تقديم مصر تصور جديد لتطوير وحل المشكلات التي تعيق عمل الاتحاد. ويتمثل الملف الرابع، في تعزيز الهوية الثقافية الأفريقية، من خلال ما تمتلكه مصر من خبرات في الحفاظ على التراث الحضاري والإنساني. وأخيرًا وليس أخرًا يأتي الملف الخامس، والذي يتمثل في دعم الشباب والمرأة، والطفل في أفريقيا. ويمكن القول أن تنفيذ تلك الملفات يتطلب من مصر تقديم استراتيجية شاملة تتضمن الاحتياجات، والطموحات الأفريقية، والتي تمثلها أجندة 2063، مع توضيح حدود الإمكانيات، والقدرات المصرية.

مبادرات الحوكمة في الاتحاد الأفريقي

شهدت الألفية الجديدة تزايد الإدراك من جانب قادة الدول الأفريقية على ضرورة وضع خارطة طريق جديدة مشتركة للتغلب على التحديات التي تعوق من تقدم القارة، وبحيث تتحمل أفريقيا المسئولية الرئيسية في النهوض بمقدراتها. وقد انعكس ذلك في العديد من المبادرات التي تستهدف دفع القيم والمبادئ الأساسية للديمقراطية والحوكمة الجيدة، والتي تضمنتها المعاهدات والمواثيق والبروتوكولات والمقررات التي تبناها الاتحاد الأفريقي. ومن أبرز تجليات ذلك إقامة «برلمان عموم أفريقيا»، وإنشاء «محكمة عدل تابعة للاتحاد الأفريقي»، فضلًا عن إقرار مبادرة «الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا» (النيباد) عام 2001، والتي اضطلعت مصر بدور رئيسي في صياغتها وتبنيها. وانبثق عنها «الآلية الأفريقية لمراجعة النظراء»، والتي تعد أداة مبتكرة للتقييم الذاتي في مجال الحوكمة بمفهومها الشامل. وتؤكد مصر دومًا دعمها لأهداف الآلية من خلال حرصها على التعاون الوثيق مع أشقائها الأفارقة في هذا المجال. ومن المنتظر أن تعمل مصر جاهدة من خلال رئاستها للاتحاد من أجل الإسراع بتنفيذ المبادرات التي شاركت بفاعلية في بلورتها.

دور مصر في تعزيز بنية السلم والأمن الأفريقية

فرضت بيئة التهديدات للسلم والأمن في أفريقيا العديد من التحديات بالنسبة للأمن القومي المصري، سواء في جواره المباشر، مثل ليبيا، أو في المناطق الجغرافية التي ترتبط بها مصالح استراتيجية للأمن القومي المصري، وعلى رأسها حوض النيل، والقرن الأفريقي، والساحل والصحراء. وقد انعكس ذلك فى حرص مصر على دعم بنية السلم والأمن الأفريقية، من خلال انخراطها وتفاعلها مع جهود الوساطة وتسوية النزاعات أو جهود حفظ السلام؛ مثل إنشاء وتفعيل القوة الأفريقية الجاهزة (ASF) كأحد أهم دعائم بنية السلم والأمن الأفريقية فضلاً عن المشاركة في القدرة الأفريقية للتدخل السريع في الأزمات (ACIRC). وفيما يخص مكافحة الإرهاب، فإن مصر تحث على ضرورة إتباع استراتيجية شاملة وعدم الاقتصار على الجوانب العسكرية والأمنية فى مواجهته. وفى ظل رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، هناك عدد من الأولويات التي من المتوقع أن تركز عليها مصر؛ من بينها الدفع بجهود منع النزاعات والوقاية منها، والانخراط في جهود الوساطة، فضلًا عن بناء القدرات الأفريقية في مجال السلم والأمن، وتطوير موقف أفريقي موحد فيما يخص إصلاح عمليات حفظ السلام الأممية.

التنافس الإقليمي داخل الاتحاد الأفريقي

يعد التنافس بين القوى الإقليمية الرئيسية، والمتوسطة داخل الاتحاد الأفريقي أحد أهم المعوقات، التي تحول دون فاعلية دوره، وتتنوع أسباب هذا التنافس ما بين الرغبة في تحقيق أهداف وتطلعات تخدم المصالح الخاصة لتلك القوى، أو مصالح قوى خارجية. وينعكس ذلك التنافس في نواحي عدة؛ من بينها السلوك التصويتي داخل الاتحاد، والتدخل في شئون دول الجوار، والوساطة في بعض النزاعات أو القضايا التي يمكن من خلالها ترتيب الأوضاع على النحو الذي يحقق أهدافها. ويترتب على ذلك التنافس عدد من الآثار، تأتى في مقدمتها عدم فاعلية عمل مؤسسات وهيئات الاتحاد، والحيلولة دون تنفيذ قراراته، فضلًا عن التدخل الدولي في الشأن الأفريقي، وبالتالي إغلاق الأفق أمام جميع محاولات تطوير الاتحاد، سواء كان على المستوى الوظيفي، أو على المستوى المؤسسي. ومن أجل الحد من التأثير السلبي لهذا النهج التنافسي، سعى الاتحاد الأفريقي في الفترة الأخيرة، من خلال أجندة 2063، البحث عن الأطر القارية الجماعية التي تدعم مظاهر التعاون والتقارب، وإجراء تقييم ومتابعة مستمرة لمستوى التقدم في التنسيق بين الدول الأفريقية.

الاتحاد الأفريقي وتعزيز التعاون الاقتصادي في أفريقيا

أحمد عسكر

تحظى القارة الأفريقية بعدد من العوامل المحفزة لتحقيق التكامل الاقتصادي والتنموي بين دول القارة؛ من بينها التقارب الجغرافي، والتجانس الثقافي، والاشتراك في التطور التاريخي والاجتماعي لدول القارة. إلا أنه يوجد فى المقابل عدد من التحديات التي تعوق مساعي تحقيق هذا التعاون، تتمثل أهمها في ضعف البنية التحتية التي تعاني منها دول أفريقيا، فضلًا عن عدم وجود استراتيجيات شاملة لتعزيز التعاون الاقتصادي البيني، والأهم التبعية الاقتصادية للقوى الكبرى. وكخطوة هامة نحو التغلب على تلك التحديات تأتى أهمية أجندة أفريقيا 2063، والتي تشتمل على رؤية طموحة بشأن مستقبل القارة الأفريقية على كافة المستويات خاصة الاقتصادي؛ وتحظى تلك الأجندة باهتمام مصري ملحوظ، دفعها إلى ربطها باستراتيجية مصر التنموية 2030 للتأكيد على التوجه الأفريقي لمصر. لذلك جاء اختيار مصر لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي ليعكس أهمية دور مصر الإقليمي على الساحة الأفريقية، ويفرض عليها المزيد من التحرك للقيام بالدور المنتظر منها، في ظل تعدد القضايا المثارة على الساحة الأفريقية، وعلى رأسها ثنائية الأمن والتنمية.