الجدل حول رواية عزازيل

محمد عز العرب

‏العدد33‏:5مايو2009
منذ صدورها في عام 2008، أثارت رواية عزازيل ، لمؤلفها المصري د.يوسف زيدان (مستشار التراث ورئيس قسم المخطوطات بمكتبة الإسكندرية)، جدلا واسعا في مصر، سواء على الصعيد الأدبي أو الديني أو الاجتماعي أو التاريخي، فالرواية كنص أدبي يجمع بين أبعاد متعددة كعلم الأديان المقارن أو رحلة فلسفية عميقة أو مرحلة تاريخية مسكوت عنها، علاوة على أنها مكتوبة بلغة عربية راقية وممتعة، مما جعلها رواية غير نمطية، لدرجة أنه قد طبع منها ست طبعات حتى الآن، وتقع في 380 صفحة من القطع المتوسط. وبعد فترة من الهدوء، تجدد الجدل والصخب مرة أخرى، في أعقاب فوز مؤلفها بجائزة البوكر العربية في مارس 2009، بعد منافسة مع ست روايات هي الجوع للروائي المصري محمد البساطي، والحفيدة الأمريكية للكاتبة العراقية انعام كجي جي، والمترجم الخائن للسوري فوزي حداد، وروائح ماري كلير للتونسي الحبيب السالمي، والخيول البيضاء للفلسطيني الأردني إبراهيم نصر الله. تأسست هذه الجائزة رسميا في أبو ظبي في أبريل 2007، بالشراكة مع جائزة بوكر البريطانية وبدعم من مؤسسة الإمارات، وتبلغ قيمتها 60 ألف دولار، وتضمن للفائز ترجمة عمله إلى اللغة الإنجليزية.
مضمون الرواية
تدور فكرة الرواية حول ترجمة مخطوطات عبارة عن مذكرات لراهب مصري يدعى هيبا ولد بصعيد مصر، كتبت في ذروة الصراع الدائر بين الديانة المصرية القديمة والمسيحية التي استعدت لدخول مصر وكان والده يعمل صيادا وذهب ذات يوم إلى معبد مصري، كان به بعض الكهنة، التابعين للديانة المصرية القديمة، وهربوا داخل معبدهم إثر تعرضهم لاضطهاد مسيحي، وكان الصياد يحمل إليهم الطعام سرا، ورآه بعض المسيحيين يقترب من المعبد فانهالوا عليه ضربا. يدرس هيبا الطب داخل المعبد ثم يهرب إلى الإسكندرية، فيرى اضطهاد المسيحيين لليهود ولأبناء الديانة القديمة. وفي تلك الفترة، يشهد هيبا مقتل فيلسوفة الإسكندرية هيباتيا، ولأنها خطية بليغة اتهمها رجال الكنيسة بالهرطقة، وتم الاعتداء عليها وقتلها. كما تصور المخطوطات العلاقات العاطفية في حياة الراهب هيبا والتي تكون أولها مع امرأة وثنية تهجره وتطرده من حياتها بعد معرفتها بأنه راهب مسيحي. ورغم مشاعر الإحساس بالذنب التي يحملها هيبا في عقله ووجدانه فإنه يقع مجددا في معصية الجسد بعد أن يبدأ علاقة جديدة مع مرتلة الأناشيد الدينية في الكنيسة كنوع من البحث عن استمرارية الحياة خصوصا وأنه طبيب ينتصر لصالح الحياة دائما. وبالتالي فإن تسمية الرواية بعزازيل، باعتبار الأخير الشيطان (إبليس) الذي يغري هيبا بأن يحكي سيرته ويعزي إليه بارتكاب الخطايا ويجمل في عينيه المعاصي.
الكنيسة تعارض الرواية
تمثل الاتجاه المعارض بدرجة أساسية في رد فعل الكنيسة القبطية، فقد رأت في الرواية إساءة للعقيدة المسيحية. فعلى سبيل المثال، وجه القمص عبد المسيح بسيط - أستاذ اللاهوت الدفاعي بالكلية الإكليركية- اتهاما لزيدان باقتباس الرواية من كاتب إنجليزي، قائلا لم يبدع زيدان فكرة الرواية وإنما أخذ فكرة الرواية وأبطالها الرئيسيين الثلاثة: الراهب والقديس كيرولس عمود الدين والفيلسوفة المصرية هيباتا من رواية للكاتب الإنجليزي تشارلز كينجسلي، نشرها عام 1853 وترجمها إلى العربية الدكتور عزت زكي بعنوان هايبستيا، ولكن الدكتور زيدان انحرف بفكر الرواية الحقيقية. واعترض القمص على ظهور شخصية الراهب بطل الرواية بصورة المتشكك في عقيدته المسيحية، وأحيانا الملحد، بجانب تورطه في علاقات جنسية محرمة، على الرغم من أن الرواية الأولى كانت تظهره كناسك متقشف رفض التساهل مع اليهود الذين أحرقوا عددا من كنائس الإسكندرية. ويضيف بينما رأت رواية كينجسلي أن خلاص الراهب يتحقق بالعودة للدير ترى عزازيل أن الخلاص في خلع ثوب الرهبنة تماما، إضافة لتصوير رجال الكنيسة في ذلك الوقت بصورة سلبية للغاية. كما اعتبر الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس ومطران دمياط الرواية بأنها تمثل تعصبا ضد المسيحية أو تتدخل في أمور داخلية تخص العقيدة المسيحية. وأضاف نحن ككنيسة وطنية وقفنا ضد كل ما يسئ للإسلام، وأوقفنا القمص زكريا بطرس ورفضنا الرسوم المسيئة للرسول. وشبه فوز زيدان بالجائزة بفوز سلمان رشدي بجائزة مماثلة عن روايته آيات شيطانية، وهذه الجائزة ستشجع على الأدب المناهض للأديان خاصة أن القائمين عليها لم يكونوا متخصصين وغير مدركين للقضية التي ترصدها الرواية وتخالف الحقيقة. ويرى رمسيس النجار عضو هيئة مستشاري الكنيسة الأرثوذكسية أنه من الممكن في وسط المناخ الطائفي السائد في مصر أن يخرج علينا باحث لاهوتي مسيحي برواية للسيرة النبوية قد تلقي اعتراضات من الجانب الإسلامي ونصبح في سباق طائفي لا نعرف مدى نهايته. وقد برز في الاتجاه القبطي الرافض للرواية ما يشير إلى وجود النية لرفع قضايا في المحاكم المصرية لمصادرة العمل، حيث بدأ بعض المحامين الأقباط في تحريك دعاوى ضد الرواية لمنع ترويجها ومصادرتها، ومن بينهم المحامي نجيب جبرائيل رئيس مركز حقوق الكلمة، الذي اعتبر الرواية مسيئة، تطعن في العقيدة المسيحية، حيث تقول ببشرية المسيح وليس بألوهيته، معتمدة في ذلك على آراء نسطور والمحروم من الكنيسة الذي فصل بين الطبيعتين البشرية واللاهوتية للمسيحية. ويشير جبرائيل إلى أن زيدان عبر في تلك الرواية عن آرائه بهجومه اللاذع على الكنيسة القبطية، وأنه سوف يقوم بصفته - المستشار القانوني للبابا- برفع دعوى عاجلة لمنع تداول الرواية. ومن وجهة نظره، ثمة حق للكنيسة في المطالبة بمصادرة أي عمل إبداعي يتعدى على القيم المجتمعية والرموز الدينية والموروثات الثقافية. ويتفق مع الرأي السابق القمص صليب متى ساويرس وكيل المجلس الملي وكاهن كنيسة الجيوشي أن الكنيسة مثلها مثل المؤسسة الأزهرية لها الحق في أن تطالب بمصادرة أي كتاب يهدم في الأسس الدينية، أو يتطاول على الأديان. وواقع الامر أن رواية عزازيل لم تكن العمل الأدبي أو الفني الوحيد الذي يثير لغطا واسعا حول حق الكنيسة في طلب المصادرة أو منع النشر أو حظر الترويج، حيث تكرر هذا الوضع مع فيلمي بحب السيما وواحد صفر، ومسلسلي أوان الورد وبنت من شبرا، ورواية وليمة لأعشاب البحر.
مسيحيون ضد المصادرة
هناك آراء شديدة الانفتاح والتسامح تجاه الأعمال الإبداعية والفنية، يتبناها بعض الأقباط، سواء كانوا رجال دين أو سينمائيين أو صحفيين. يؤكد د.صفوت البياض رئيس الكنيسة الإنجيلية على موقفه ضد فكرة المصادرة، لأن العلاج الحقيقي للفكر الشاذ أو المتطرف هو بطرح فكر أخر جيد في عمل إبداعي أخر يهدم الفكر السيئ الموجود بالعمل الذي تريد مصادرته، فالفكر أيا كان لونه إذا تم مصادرته تحول صاحبه لشهيد رأي.. ووفقا لوجهة النظر هذه، المصادرة هي نوع من أنواع الرعاية. فلو أردت أن تنشر عملا أعمل على مصادرته، لكن بمناقشة العمل أو الفيلم بهدوء ستسقط الرواية أو الفيلم الرخيص حال كشف سوءاته، وليس بمصادرته. ويقول د.البياض بشأن الخطوط الفاصلة بين المقدس والإبداع بالتطبيق على رواية عزازيل إن المقدس هو النصوص القطعية السماوية غير القابلة للتأويل، لكنها قابلة للتفسير، ولا يوجد نص لا يخضع للتفسير، وكل المتون والنصوص يجب أن تفسر، فالنص حمال أوجه، فالنص لابد أن يتفق مع العصر، وأن أهم ميزات النصوص الإلهية أنها صالحة دائمة لكل الأزمنة. ويرى كمال زاخر المنسق العام لجبهة العلمانيين الأقباط أن رواية عزازيل أدبية مكتملة الأركان، تعبر عن رأي الكاتب وإبداعه، ولا يمكن نقدها على أساس مرجعية دينية، وإنما وفقا للأدوات الأدبية ورؤية المتخصصون في هذا المجال. ويرى هاني جرجس فوزي المنتج السينمائي أنه لا يجوز لأحد مصادرة أي عمل إبداعي، فأحد الحقوق الأساسية للإنسان إنتاج عمل فكري، ومن حق الرافضين لعمله القيام بإصدار عمل فكري مضاد، أو يقوموا بدورهم في ترسيخ وعي جيد لدى الجمهور، وتنبيههم بأن هذه الأعمال هشة. فالمشكلة في الكنيسة (أو المؤسسة الدينية على وجه العموم) أنها غير قادرة على بلورة وعي لدى الجمهور. فالخوف من الرد على العمل الإبداعي يظهر أن هناك أشياء لدى المؤسسة الدينية تفضل إخفاؤها وتخشى من ظهورها للعيان. وبالتالي، يقف هذا الاتجاه ضد فكرة مصادرة أي عمل إبداعي مرئيا أو مكتوبا، لأنها تعطي مشروعية وانتشار للعمل المراد مصادرته. كما أن حدود النشر ومساحات الحرية اتسعت بدرجة لم يعد تخيلها بحيث صار من الصعوبة على أي جهة رقابية أن تصادر العمل بشكل كامل في وجود فضاء عام جديد الإنترنت وتزايد مساحة النشر الإلكتروني بخلاف انتشار كبير للفضائيات. علاوة على ذلك، فإن جمهور الديانة الذي سيتأثر إيمانه بعمل إبداعي ليس أهلا لأن يعتنق هذه الديانة، وإيمانه بها محل شك. فالمعيار الوحيد للحكم على العمل الفني أو الأدبي هو قواعد هذا العمل، وأنه من الخطأ تقييم الأشياء والحكم عليها بوجهة نظر غير القواعد الفنية التي ينتمي إليها العمل أيا كان لونه أدبي/ مسرحي/ درامي..إلخ.
الاتجاه المؤيد
الاتجاه المؤيد يقودها أدباء ومثقفون وأكاديميون وينظرون إلى عزازيل باعتبارها فتح جديد للرواية العربية والتي تلقي الضوء على المناطق المظلمة في التاريخ العربي، في حين يشير اتجاه بأن هذه الرواية تمثل إسقاطا تاريخيا على المرحلة المعاصرة. وقد قال الناقد سامي خشبه (قبل وفاته) عن الرواية أنها تتضمن مناطق حوارية مكتوبة بحساسية مرهفة حول سعي بطلها هيبا وهو ذو نزوع إنساني إلى معرفة الحقيقة رغم وقوعه في الخطيئة والغواية مرتين حيث كان عقله ساحة لصراع معرفي بين تصورات مصرية قديمة وإيمانه الجدي بالمسيحية. أما الناقد والأديب محمد السيد عيد فقد أوضح أن كاتب عزازيل أراد من تصويره للصراع بين المسيحية والوثنية، وبين الفرق المسيحية وبعضها أن يبين خطورة سيطرة المتشددين الدينيين على الرأي العام في أي مكان، حيث لا يترتب عليه سوى العنف والقتل والدم، والصورة التي يقدمها زيدان للاسكندرية الوثنية تجعل الفرد يتحسر على اندثارها، ولا يقصد بالوثنية في هذا السياق الكفر، بل الوثنية كمرحلة تاريخية، ازدهر فيها العلم والفكر، وسبقت الإسكندرية كل ما عداها من مدن. ويرى السيد عيد أنه يحسب لزيدان الدخول في منطقة لم يتطرق إليها الأدباء من قبل، لعدم توفر مراجعها، وصعوبة التوغل فيها، حيث طّوع المادة التاريخية للعمل الأدبي، دون أن يطغى التاريخ على الفن، وهو ما كان مأزقا يواجه العديد من الكتاب.
رد فعل المؤلف
أما رد المؤلف على الآراء السابقة، فقد تلخص في أن التاريخ حالة ذهنية - على حد قوله- لكنه يعيش في داخلنا، فهو يقدم رؤية لواقع معاصر من خلال إطار تاريخي. كما أنه لم يخض نقاشا على أرضية دينية إسلامية أو مسيحية، فكلاهما تراث. وقد أشار زيدان في بعض الحوارات الصحفية إلى أنه لو كان يريد الإساءة إلى المسيح عليه السلام لعاد بالرواية قرونا إلى الوراء، ولم يجعلها في القرن الخامس، وهو ما يجعله يندهش من الهجوم الذي تعرضت له روايته، دون الدخول في مواجهات أو مجرد الرد على ادعاءات الكنيسة، لكن ثمة أهمية قصوى للجناح الغاضب من الرواية أن يقرأها بعقول منفتحة أو إدارة الوجوه عنها في حال عدم فهمها بشكل عميق.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023