زيارة أوباما لأنقرة ومستقبل الدور الإقليمى التركى بشير عبد الفتاح
| ||||||||
|
بقدر ما يمكن اعتبار زيارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما لتركيا بمثابة فرصة مهمة لترميم التصدعات التى ضربت العلاقات بين البلدين إبان سنوات ادارتى سلفه بوش الابن، فقد أثارت جدلا حامى الوطيس بشأن مستقبل الدور الإقليمى التركى وما يواجهه من فرص وتحديات. فلقد عرج أوباما من الدعوة إلى تدشين شراكة إستراتيجية مع تركيا تعيد الدفء إلى العلاقات الإستراتيجية المميزة والتاريخية بينها وبين بلاده وتساعد على تجسير الفجوة بين الإسلام والغرب، ثم تجديد دعم واشنطن للمساعى التركية الحثيثة الرامية إلى الانضمام للإتحاد الأوربى مشيدا فى هذا الخصوص بالإصلاحات الهائلة التى شهدتها تركيا على مختلف الصعد، إلى الإشادة بركائز قوة الدور الإقليمى التركى المتمثلة فى الديمقراطية والعلمانية علاوة على الدور التركى النشط فى منطقتى بحر قزوين والشرق الأوسط. ولم يتردد أوباما فى تسجيل إعجابه بالنموذج التحديثى العلمانى التركى الذى أفرز تجربة ديمقراطية سمحت بمنح الأكراد مزيدا من الحقوق إلى الحد الذى أتاح إطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة الكردية. وفى معرض تأكيده على التزام بلاده بالعمل على تسوية الصراع العربى الإسرائيلى وتمسك إدارته بحل الدولتين، أعلن أوباما تأييد إدارته التام للدور التركى فى هذا الخصوص، وهو الأمر الذى يعد اعترافا أمريكيا رسميا وصريحا بالوساطة التى تقوم بها تركيا بين إسرائيل وأطراف عربية والتزاما واضحا من قبل إدارته بدعمها وتأييدها. وفى خطابه الذى ألقاه على هامش فعاليات منتدى حوار الحضارات الذى استضافته مدينة اسطنبول بحضور حوالى 1500 شخصية عالمية، عمد أوباما إلى إبراز أهمية تركيا كجسر بين الغرب والعالم الإسلامى إذ جعل من تلك المدينة التركية التاريخية منبرا يخاطب من خلاله العالم الإسلامى، حيث ألقى كلمة أكد خلالها على أن تركيا تشكل نموذجا يحتذى للتلاقى بين الغرب والشرق معتبرا أنها تمثل الركن المسلم فى العالم الغربى. وحرصا منه على تفعيل ذلك المنحى التصالحى حيال تركيا، آثر أوباما إثلاج صدور الأتراك حينما أبدى دعم بلاده إياهم فى اثنتين من أشد قضاياهم حساسية وهما الأرمينية والكردية، إذ أكد أنه لن يستخدم تعبير"جريمة تطهير عرقى" لوصف المجازر التى اتهمت بارتكابها الدولة العثمانية ضد الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى، ولم يتردد فى مناشدة البرلمان التركى مناقشة القضية الأرمينية، كما أبدى تفهما لجهود أنقرة المستمرة من أجل مناهضة مقاتلى حزب العمال الكردستانى، والتى تمضى بالتوازى مع الدور التركى المتميز فى الحرب الأمريكية ضد الإرهاب فى أفغانستان. ولعل فى اختيار تركيا من قبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما لتكون أول دولة إسلامية يزورها خلال المائة يوم الأولى لتوليه منصبه رسميا، ما يؤكد مقدار الأهمية التي يوليها البيت الأبيض للعلاقة مع أنقرة، التى يوقن الأمريكيون بأنها أصبحت تؤدي دورا إقليميا مهما يمكن لواشنطن التعويل عليه فى ظل إستراتيجيتها الجديدة المسماة "القوة الذكية" والقائمة فى جانب منها على توظيف الأدوار الإقليمية المتنامية للقوى الصاعدة بما يخدم المصالح الأمريكية حول العالم، والتى صاغها عدد من الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين من أمثال جوزيف ناي وريتشارد أرميتاج، وتعتقد في ضرورة اعتماد واشنطن إستراتيجية القوة الذكية توخيا لتحقيق الهيمنة الرضائية، عبر التخلي عن سياسة استعداء القوى الدولية القائمة أو الصاعدة، كروسيا والصين وبعض دول ما يسمى أمريكياً بأوربا القديمة كفرنسا وألمانيا، فضلاً عن الدول المحورية في العالم الإسلامي مثل تركيا، ومصر، وبما يحول دون خلق جبهات للصراع لا داعي لها مع تلك القوى على نحو يستنزف قدرات الولايات المتحدة ويشوّه صورتها عالميّاً وينال من قدرتها على الاحتفاظ بريادتها للعالم. وبقراءة موازية، يمكن الادعاء بأن زيارة أوباما لتركيا ودعمه لها على كافة الأصعدة، إنما جاءت لتعضد من مكانة حكومة حزب العدالة والتنمية، التى سيتسنى لها الاستفادة من نتائجها فى ترميم التصدعات التى أصابت شعبيتها مؤخرا وتدعيم موقعها التنافسى مع خصومها فى الداخل من العلمانيين والعسكريين والقوميين المتطرفين، وذلك عبر تعزيز موقفها التفاوضى فى مواجهة شركائها الأوربيين، وإضفاء شرعية دولية على الدور الإقليمى الذى تضطلع به فى منطقة الشرق الأوسط، والذى شهد تناميا ملفتا خلال العامين الماضيين. حزمة ألغام أمام التطلعات غير أن ارتفاع سقف التطلعات بخصوص الدور الإقليمى التركى استنادا إلى الدعم الأمريكى المتوقع لهذا الدور، يبقى محفوفا بحزمة من الألغام الكامنة فى العلاقات التركية الأمريكية فى أكثر من موضع استنادا إلى مسحة الغموض والمراوغة التى تكتنف التعاطى الأمريكى مع بعض القضايا التركية. ففيما يخص القضية الأرمينية، وعلى الرغم من تلافى الرئيس أوباما وصف ما تعرض له الأرمن على أيدى الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى بالإبادة الجماعية سواء فى تركيا أو فى تعرضه السنوى لهذه المناسبة يوم 24 أبريل، مبررا ذلك بحرصه على إفساح المجال لحوار المصالحة الأرمنى – التركى الذى بدأ فى أكتوبر الماضى بزيارة الرئيس التركى عبد الله جول لأرمينيا، آملا أن يفضى تذويب الجليد بين البلدين إلى إضعاف وشائج التقارب بين أرمينيا وروسيا، يمكن القول إن تعاطى إدارة أوباما مع القضية الأرمينية لا يزال مشوبا بالغموض. فإبان حملته الرئاسية الانتخابية لم يتورع عن إعلان ذلك الوصف، وذلك فى بيان كان قد أصدره بتاريخ 19 يناير2008، قال فيه حرفيا "بصفتى عضو بمجلس الشيوخ الأمريكى فإننى أؤيد بقوة إصدار القرار الخاص بالإبادة الجماعية للأرمن وأعد بالاعتراف بحدوث هذه الإبادة فيما لو انتخبت رئيسا للولايات المتحدة". وإبان زيارته الأخيرة لتركيا وإلقائه خطابا أمام برلمانها، تعمد الإشارة لتلك القضية معطياً دروساً ومحاضرات للأتراك في السياسة والحضارة والتعدديّة والحوار، مناشدا إياهم ضرورة التصالح مع الماضي، والاعتراف بقبائحه واستبعاد خيار القوّة عند التعاطى مع المشاكل الإثنية، ضارباً أمثلة من الماضي الأمريكي فى التعامل مع الهنود الحمر والسود ومآسي العبوديّة. وشدد أوباما على قوّة وثراء التنوّع، ضارباً أيضاً أمثلة من راهن أميركا، وأنه الأسود، الذي كان حراماً عليه مجرّد التصويت في الانتخابات، بينما هو اليوم على رأس الدولة التي كانت تضطهد أمثاله فيما مضى. وما برح أوباما يتعرض لضغوط هائلة من قبل اللوبى الأرمنى فى بلاده لحمله على الاعتراف بمذابح الأرمن، إذ حثه أربعة أعضاء في مجلس النواب الأمريكي على إصدار بيان قبل يوم الرابع والعشرين من أبريل على الاعتراف بمذابح الأرمن، على غرار ما فعل أعضاء في إدارته من أمثال هيلارى كلينتون ونائبه جو بايدن، ومن قبلهما رونالد ريجان، الذى كان الرئيس الأمريكى الوحيد الذي وصف علنا قتل الأرمن بأنه إبادة جماعية، بينما تجنب سائر الرؤساء الأمريكيين اعتماد هذا الوصف حرصا على مصالح الولايات المتحدة مع تركيا الحليف المهم في حلف شمال الأطلسي، وإن عمدوا إلى إبقاء الملف مفتوحا إلى يومنا هذا. وهو نهج عام فى سياسة واشنطن حيال هذه القضية، حيث سبق أن دانت هذه المذابح، لكنها لم تصفها بأنها عملية إبادة رغبة فى إرضاء الأرمن وحرصا منها على العلاقات مع تركيا. إضافة إلى ما سبق، تبقى محاولات تسوية الخلاف الأرمنى التركى أسيرة عراقيل عديدة تتخطى مسألة الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن وتطال ترسيم الحدود بين البلدين إلى جانب الصراع الأرمنى الأذربيجانى حول إقليم ناجورنو كارباخ، الذى تحتله أرمينيا بعد حرب ضروس مع أذربيجان حليفة تركيا، التى ترهن تطبيعها لعلاقاتها مع أرمينيا بإنهاء احتلالها له إرضاء لأذربيجان، التى لم تتردد فى الإعراب عن قلقها من إعلان الرئيس الأرمنى قبل أيام أن اعتراف تركيا بمذابح الأرمن ليس شرطا لتطبيع العلاقات معها، ثم إعلان الخارجية الأرمينية عن خارطة طريق لذلك التطبيع، وهو ما دفع أنقرة إلى الإعلان عن سفر أردوغان إلي باكو قريبا لتوضيح الموقف وتأكيد دعم أنقرة لها فى قضية كراباخ. المسألة الكردية وفيما يخص المسألة الكردية، وبرغم تأكيد أوباما اتهاماته لحزب العمال الكردستاني بممارسة الإرهاب وتفهم واشنطن لمساعى أنقرة تقويض نشاطاته ودعمها لتلك المساعى، طالب تركيا عدم التردد فى الانفتاح على أكرادها. ورغم إشادته ببعض الخطوات التركيّة في هذا السياق إلا أنه اعتبرها غير كافية وطالب بالمزيد. كذلك التقى أوباما رئيس حزب المجتمع الديموقراطي الكردى، الذى فاز بغالبية بلديات المحافظات والمناطق الكرديّة جنوب شرق البلاد ليرفع رصيده من 56 إلى 98 بلديّة على حساب حزب العدالة والتنمية الحاكم، وذلك رغم علم أوباما بموالاة ذلك الحزب لحزب العمال الكردستاني وبرفض أردوغان الإلتقاء بقيادته قبل أن تنعت حزب العمال بالإرهاب. وفيما كان مقررا لهذا اللقاء أن يستغرق ثلاث دقائق فقط، امتد لقرابة عشر دقائق، قدّم خلالها رئيس الحزب أحمد ترك تصوّر حزبه لحلّ القضيّة الكرديّة في تركيا، شفهيّاً وكتابيّا، ضمن مذكّرة مؤلّفة من ثلاث صفحات، كما زعم تُرك أن أوباما وفّر عليه التعريف بنفسه، قائلا إنه يعرفه وقدم نفسه على أنه صديق للشعب الكردي ويساند نضاله من أجل نيل حقوقه شريطة أن يكون نضاله سلميَّاً ديموقراطيَّاً وألاّ يكون بوسائل عنيفة عبر الحرب والكفاح المسلّح. مجرد مناشدة للأوربيين وعلى صعيد المساعى التركية للانضمام إلى الإتحاد الأوربى، لم تتخط الجهود الأمريكية لدعم تلك المساعى مجرد مناشدة الأوربيين الإصغاء للمطلب التركى وتذكيرهم بأهمية تعزيز التقارب مع أنقرة، وبرغم تأكيد أوباما على أن تقارب الأوربيين مع تركيا مطلوب وإن لم يرق إلى مستوى منحها العضوية الكاملة فى إتحادهم، فقد قوبل مطلبه هذا بعدم ترحيب أوربى بل وغضب من قبل الإتحاد، الذى أورد فى تقرير البرلمان الأوروبي، المعني برصد ومتابعة ما أنجزته تركيا لنيل عضوية النادي الأوروبي، أنه لا زال هنالك 12 ملفا عالقا لم تنجزها تركيا. وبخلاف التقارير الأوروبيّة السابقة ذات الصلة، والتى كانت تحرص على تفادى ذكر تلك القضيّة أو التوقف عندها، أفرد التقرير الأخير مساحة واسعة للقضيّة الكرديّة، مسميا إياها بالاسم، كما خصص فقرة لوضع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، الأسير في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، منذ أكثر من عقد، أشارت إلى حالته الصحيّة والنفسيّة المتردّية وحملات العزلة التي تفرضها السلطات التركية عليه فضلا عن حرمانه من حقوقه القانونيّة والإنسانيّة. وعلاوة على ما سبق، لاحت فى أفق العلاقات التركية الأمريكية مجددا منغصات من شأنها أن تزعزع الثقة المتنامية بين الطرفين، كان من أبرزها: إصرار تركيا على موقفها الرافض للطلب الأمريكى بإرسال قوات تركية مقاتلة إلى أفغانستان، علاوة على عدم ترحيب الأتراك بدعوة أوباما إياهم لإعادة فتح مدرسة تأهيل الرهبان المسيحية فى جزيرة هيبلى أضا التركية، ما أعاد إلى أذهان الغرب حساسية أنقرة حيال الأقلية المسيحية فى تركيا والتى تشكو الغبن وضياع حقوقها وممتلكاتها. فضلا عن تحفظ أنقرة على تولّي رئيس الوزراء الدانماركي راسموسين الأمانة العامة لحلف الناتو في أغسطس 2009، رغم أنه يحظى بدعم واشنطن وسائر دول الحلف، بسبب رفضه الاعتذار عن الرسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للرسول محمد، والتى نشرتها صحف دانماركية قبل أعوام، متعللا باحترامه لقوانين حرية الصحافة، ولما كانت مهمة الناتو ستركز على أفغانستان خلال السنوات القليلة المقبلة، فقد ارتأى أردوغان أن راسموسين لن يكون الشخص المناسب لقيادة الناتو فى بلد إسلامى. ورغم أن محللين غربيين يرجعون هذا التحفظ التركى لسبب آخر هو رفض الحكومة الدانماركية طلب نظيرتها التركية وقف بث قناة "روج تى فى" التابعة لحزب العمال الكردستاني لبرامجها من الدانمارك على الرغم من اعتبار أوربا للحزب منظمة إرهابية. وبناء عليه، وما بين فرص عديدة متاحة لتنامى الدور الإقليمى التركى عقب زيارة أوباما لأنقرة، وتحديات شتى تعترض طريق ذلك الدور، يظل مستقبله مرتهن بمدى قدرة الأتراك على تعظيم استفادتهم من الفرص المتاحة وتطويع التحديات المحتملة توطئة لتجاوزها من جهة، فضلا عن جدية المسعى الأمريكى لدعم هذا الدور وحسن توظيفه من جهة أخرى.
|
||||||||
|
علق على المقال نسخة الطباعة | ||||||||
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037 فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023 |