توابع مقلقة لزلزال الإنتخابات الرئاسية الإيرانية

 بشير عبد الفتاح

‏العدد 129‏: 20 يونيو2009

ما إن أعلن وزير الداخلية الإيرانى المقرب من الرئيس أحمدى نجاد فوز الأخير في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة  التى أجريت يوم الثانى عشر من شهر يونيو الجارى إثر حصده 63% من الأصوات تاركا 33 % لمنافسه الأقوى موسوي ،حتى إندلعت تظاهرات إحتجاجية غاضبة تطورت إلى إضطرابات وأعمال عنف وإشتباكات بين أنصار الأخير وقوات الأمن لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ الثورة الإسلامية فى العام 1979.الأمر الذى أنعش مخيلة المراقبين بإحتمالات متعددة تلف مستقبل الأوضاع فى إيران.

وبداية، يمكن القول إنه لا يزال هناك إجماع وطنى على الثوابت الراسخة التى بنى عليها النظام السياسى الإيرانى، لاسيما مبدأ ولاية الفقية، بكل ما ينطوى عليه من ملامح نظام الحكم الثيوقراطى المناهض للديمقراطية الليبرالية. وما برح الإيرانيون، بشتى أطيافهم السياسية والإثنية، يتفقون على توجهات سياسة بلادهم الخارجية، التى وضعها المرشد الأعلى، والتى شكلت قاسما مشتركا فى برامج مرشحى الرئاسة الأربعة. يضاف إلى ذلك أن إحتجاجات مناصرى موسوى لم تعكس رفضا حقيقيا لنظام ولاية الفقيه برمته أو حتى تعبر عن رغبة ملحة فى إصلاحات ديمقراطية تفسح المجال أمام تعددية وتنافسية حقيقيتين وتمهد السبيل لدوران فعلى للنخبة الحاكمة، وإنما كانت تنطوى على إعتراض واضح على شخص الرئيس نجاد الذى أعطى للبرنامج النووى أولوية على معالجة الشأن الإقتصادى الداخلى، كما أمعن فى إستعداء الولايات المتحدة والغرب وبالغ فى إستفزاز إسرائيل على نحو وضع الإيرانيين تحت ضغوط نفسية هائلة جراء المخاوف من تبعات ذلك.

ولم يكن بمقدور الحشود الشعبية التى تجاوبت مع دعوات موسوى للإحتجاج والتظاهر أن توفر له سندا قويا يعينه على تصعيد المواجهة مع المرشد الأعلى للثورة، إذ لا يزال الرجل يفتقد إلى ما يخوله الوقوف فى وجه نظام يحكم مرشده الأعلى قبضته على زمام الأمور، حيث يدين له الجيش والأجهزة الأمنية بالولاء التام. أما رجال الدين، فرغم أن عددا منهم لم يبارك فوز نجاد بولاية ثانية إذ التزم مجلس خبراء القيادة، وهو أعلى سلطة دينية فى إيران، الحياد إزاء نتيجة الإنتخابات، إلا أنه شاطر المرشد الرأى فى أن الإنتخابات شهدت مشاركة هائلة وأن أعمال العنف التى أعقبتها تحركها قوى خارجية معادية لإيران، ما يشى بعدم إستعداد ركائز النظام المهمة للإصطدام بالمرشد والأجهزة الموالية له، خصوصا قوات الباسيج والحرس الثورى، الذى حذر رئيس المكتب السياسى له يد الله جوانى أنصار موسوى قبيل يومين من الإنتخابات الرئاسية من مغبة الإقدام على ما أسماه "ثورة مخملية" ضد نجاد مؤكدا أنه سوف يتصدى لها بكل قوة.

ويمكن القول إن وقوف الرئيس السابق محمد خاتمى إلى جانب موسوى ، لا يعد قوة دفع حقيقية للأخير بنفس القدر الذى يمكن أن يمثله تأييد شخصية بوزن هاشمى رافسنجانى، ذى النفوذ الهائل فى الدولة كونه يترأس مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى جانب مجلس خبراء القيادة الذى يختار مرشد الثورة ويمتلك حق إقالته من الناحية الدستورية، وسعيا منه لحرمان موسوى وأنصاره من دعم رافسنجانى، حرص خامنئى على إستمالة الأخير أو تحييده على الأقل، سواء من خلال الترهيب كمنع القضاء الإيرانى لأبنائه فايزة ومهدى رافسنجانى من السفر للخارج على خلفية تورطهما فى التحريض على الإحتجاجات وأعمال العنف التى تشهدها إيران منذ الإعلان عن فوز نجاد بولاية ثانية، أو من خلال الترغيب كمحاولته إسترضائه وإعادة الإعتبار له إبان خطبة الجمعة (19 يونيه) حينما أكد على نزاهته ووصفه بأنه أحد الأعمدة الرئيسية للثورة ونظام ولاية الفقيه، لما قدمه من دعم لهما طيلة العقود الماضية فضلا عن مكانته فى مجلسى تشخيص مصلحة النظام و الخبراء.

كان موسوى قد أصدر أربع بيانات منذ الإعلان عن فوز نجاد بولاية ثانية، وجه أولها إلى المرشد الأعلى للثورة يناشده فيها السماح بإعادة الإنتخابات لكن الأخير لم ينصفه معتبرا فوز نجاد عيد جديد للأمة الإيرانية ومحذرا محركى الإحتجاجات الذين إتهمهم بالعمالة لمصلحة قوى خارجية معادية لإيران. والبيان الثانى، وجهه إلى الشعب الإيرانى داعيا إياه للتحرك والإحتجاج على نتائج الإنتخابات، غير أن النتيجة كانت إغضاب المرشد وإثارة القلق الداخلى من دون نتيجة ملموسة برغم تعبير دوائر عالمية عديدة عن قلقها. أما البيان الثالث، فكان إلى المراجع الدينية فى قم، غير أنه لم يحقق الغرض منه بسبب إيثارغالبية رجالاتها عدم الإصطدام بالمرشد، ليبدو موسوى كما لو كان قد استنفد أوراقه كلها من دون فائدة، ما إضطره إلى توجيه هجومه على المرشد الأعلى للثورة من خلال بيانه الرابع الذى نشره على موقعه الإليكترونى ردا على خطبة المرشد يوم الجمعة انتقد فيه بشده ما ورد فى الخطبة واتهم خامنئى للمرة الأولى بتهديد الجمهورية الإسلامية وإعطاء سلاح جديد لمناهضى نظام ولاية الفقيه والثورة برمتها. الأمر الذى يمكن أن يعنى بأن مساعى خامنئى لإسترضاء رافسنجانى أو تحييده إنما هى مقدمة لإستبعاد موسوى من الساحة السياسية الإيرانية على غرار ما جرى مع بنى صدر ومنتظرى من قبل، وهو ما إستشعره موسوى الذى ناشد مناصريه تنظيم إضراب عام حالة إقدام السلطات على إعتقاله.

التيار الاصلاحى لم يتبلور بعد

ومن جهة أخرى، يصعب الإدعاء بأن إيران قد شهدت تبلورا حقيقيا لما يمكن أن يسمى بالتيار الإصلاحى، الذى جنح بعض أنصار موسوى إلى نعته مبالغة خلال الإضطرابات الأخيرة ب"المعارضة". ففى داخل النخبة السياسية الإيرانية لا توجد فوارق جوهرية بين أفرادها، الذين تم إختيارهم بعناية فائقة وبعد تدقيق مضن من قبل الأجهزة غير المنتخبة الموالية للمرشد كمجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء، وبالتالى يعمل الجميع تحت مظلة المرشد الأعلى، الذى يمثل رأس المحافظة، ووفقا لمبادىء الثورة الإسلامية على نحو ما لوحظ فى مرشحى الرئاسة الأربعة، الذين لم تكن بينهم أية إختلافات حقيقية فى الثوابت والإستراتيجيات وإنما فقط فى الأساليب والتكتيكات، ليبقى وصف "إصلاحى" و"محافظ" مجرد مفردات يروجها الإعلام الموالى للمرشد فى محاولة لإضفاء مسحة من التنافسية الزائفة أو الديمقراطية الوهمية على نظام سياسى مغلق على تيار بعينه.

علاوة على ما سبق، يشكل القمع الصارم الذى تقابل به أية محاولة للخروج على نظام ولاية الفقيه أو النيل من الثوابت التى يقوم عليها، قوة ردع حقيقية لكل من تسول له نفسه تجشم معاناة المغامرة. فلقد شهدت إيران أولى محاولاتها فى هذا المضمار عام 1980 فى عهد أول رئيس منتخب بعد الثورة وهو أبو الحسن بنى صدر، الذى وصف بأنه ليبرالى حاول أن يضفى على مبادىء الثورة الإسلامية مسحة ليبرالية ديمقراطية على الصعيدين الداخلى والخارجى، لكنه سرعان ما إتهم بالخيانة وتمت إقالته ليفر إلى فرنسا عام 1981حيث كان الخمينى منفيا قبل الثورة. وإلى مآل مشابه آل آية الله منتظرى، الذى كان نائبا للخمينى وكان مرشحا لخلافته، حيث تم عزله بعد أن غيّر رأيه لاحقا فى قضية سمو الولى الفقيه وعصمته وطالب بتعديلات في الدستور الإيراني تمس سلطاته. فقد روج منتظري بعد عزله لنظرية جديدة أسماها "الولاية المشرفة" بمعنى ألا تكون ولاية الفقيه ملزمة وألا يتاح للولى، حالة السماح بوجوده، التدخل فى شؤون الحكم والسياسة، وألا يكون فوق القانون أو المساءلة. وهى المواقف التى دفع منتظرى ثمنها غاليا بعد أن أثارت غضب الخمينى الذى أرغمه على الاستقالة في مارس 1989.

خامنئى يحسم الموقف

ومن جانبه، ضيق خامنئى الخناق على أية محاولة للخروج على الوضع القائم، حينما أكد في خطبة الجمعة فوز الرئيس أحمدي نجاد وحذر من اعتماد خطاب متطرف أو استمرار المظاهرات المنددة بنتائج الانتخابات الرئاسية ،التى نفى حدوث أي تزوير فيها، محملا على ما أسماها بقوى إرهابية تستغل هذه المظاهرات للنيل من استقرار البلاد. وبعد تأكيده أن ما تشهده إيران هو خلاف فى وجهات النظر بين بعض عناصر النخبة ليس أكثر، استبعد خامنئي إمكانية حدوث ثورة جديدة أو إنقلاب فى إيران بسبب نتائج الإنتخابات على غرار ما حصل في جورجيا، التى شهدت ثورة ملوّنة بدعم من الغرب قبل سنوات. وفى مسعى منه لإمتصاص غضب الجماهير المحتجة فى الداخل والتصدى للإنتقادات الخارجية، أعلن مجلس صيانة الدستور عزمه إعادة فرز الأصوات في عدد من الصناديق المختلف عليها بما يتيح إعادة إحصاء 10 % فقط منها على نحو عشوائى وبحضور ممثلي المرشحين المعترضين على نتائج الانتخابات، لكنه شدد على أن ذلك لا يمكن أن يحدث تغييرا حقيقيا في النتيجة مع وجود فارق أصوات يقدر بنحو 11 مليون صوت بين الرئيس نجاد والمرشح الإصلاحي  موسوي.

متغيرات خارجية

تبقى الإشارة إلى أهمية المتغير الخارجى، خصوصا بعد أن أشار  أحدث تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى أن عدد قتلى الاحتجاجات في إيران ارتفع إلى 19 شخصا حتى يوم 21 يونيه، كما أدان الاتحاد الأوروبي بشدة في بيان لقادته استخدام العنف ضد المتظاهرين، كذلك أقر مجلس النواب الأميركي بغالبية ساحقة بلغت 405 صوتا مقابل صوت واحد، مشروع قرار لدعم الإيرانيين الذين يدافعون عن قيم الحرية وحقوق الإنسان، ويدين أعمال العنف التي تمارسها الحكومة الإيرانية والميليشيات الموالية لها ضد المتظاهرين، وإلغاء الحكومة لوسائل الإتصال الإلكترونية المستقلة، ويؤكد الطابع العالمي للحقوق الشخصية وأهمية إجراء انتخابات ديموقراطية وعادلة. غير أنه يصعب التعويل حاليا على الدور الأمريكى، الذى يعد الأكثر أهمية فى المعادلة، إذ لا يزال أى تدخل أمريكى محتمل من أى نوع أو حتى على غرار ذلك الذى جرى أيام الدكتور مصدق فى العام 1953 ، محفوفا بمخاطر شتى لأن الأمر جد مختلف هذه المرة لاسيما وأن إدارة أوباما تدرك ألا بديل للنظام القائم فى إيران يمكن التعويل عليه، كما أن الموقف من العلاقة مع واشنطن والبرنامج النووى إنما هى ثوابت فى السياسة الإيرانية يحددها المرشد الأعلى لا تختلف إستراتيجيات التعاطى معها بإختلاف الرؤساء الإيرانيين.

وبناء عليه، جاء الموقف الأمريكى واضحا وحاسما بإعلان الخارجية الأمريكية عقب فوز نجاد وما إستتبعه ذلك من إضطرابات، أن هذا الأمر شأن داخلى إيرانى وأن واشنطن عازمة على المضى قدما فى التفاهم مع إيران واستئناف المفاوضات معها حول برنامجها النووى أيا كان رئيسها. ولم تكن الضغوط التى تلقاها أوباما بسبب صمته حيال ما يجرى فى إيران لتجبره على تغيير سياسته تلك إلا من مطالبات للنظام الإيرانى بعدم استخدام العنف فى قمع المتظاهرين، كما أن القرار الذى أقره مجلس النواب بغالبية كبيرة فى شأن دعم المتظاهرين الإيرانيين ليس له أية صفة إلزامية ويمكن إعتباره محاولة للحفاظ على ماء وجه واشنطن أمام دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان فى أمريكا والعالم أكثر مما يتضمن إشارات لتقويض النظام الإيرانى.

وإنطلاقا مما سبق، تظل فرص حدوث أى تغيير حقيقي أو جوهرى فى بنية النظام السياسى الإيرانى على المدى القريب محدودة، وإن ظلت إحتمالات نموها مقترنة باكتمال تبلور ما يمكن أن يعتبر نواة لنخبة إيرانية ليبرالية مستنيرة لاحت إرهاصاتها فى أعقاب الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، تلك التى يمكن أن تشكل قاطرة أو قوة دفع مهمة لتغيير حقيقى فى إيران مستقبلا، خصوصا إذا ما وعت أهمية دورها وأدركت مكامن قوتها وعرجت بإستراتيجياتها من مجرد الزج برجالاتها إلى مواقع السلطة والحكم إلى آفاق النضال والعمل الدءوب من أجل إحداث تغيير جذرى فى طريقة تفكير الشعب الإيرانى عبر توعيته وتنويره بأهمية تغيير الواقع السياسي والاجتماعي الراهن في بلاده بغية تحريرها من السمت الثيوقراطى الذى يطبق على نظامها السياسى ويفرض تلك الهالة من التقديس على سلطة الزعيم الروحى، خصوصا بعد أن وعى دعاة الإصلاح فى داخل إيران وخارجها مدى صعوبة الرهان على الموقف الدولى أو الدعم الخارجى، لاسيما وأن القوى الكبرى تظل أحرص على مصالحها مع نظام إيرانى تتحفظ على طبيعته وسياساته، أكثر من الرهان على حركات إحتجاجية داخلية لحظية متواضعة التأثير.   

 

 

 


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023