http://acpss.ahram.org.eg/ahram/standard/CommBan.jpg

 

 خطاب أوباما للعالم الإسلامي                     

                   هل يمثل نهاية لحقبة ما بعد 11 سبتمبر؟

    د. دينا شحاته*

 

 العدد 128: 10 يونيو 2009

دعا باراك اوباما في خطابه إلي العالم الإسلامي من القاهرة في الرابع من يونيو 2009 إلي فتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلي المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.

لغة أمريكية سياسية جديدة

أتي خطاب القاهرة بلغة مغايرة إلي حد بعيد عن تلك التي تبنتها الإدارة الأمريكية السابقة تجاه العالمين العربي والإسلامي حيث ابتعد الخطاب عن التطرق إلي قضايا العالم الإسلامي من منظور الإرهاب والحرب علي الإرهاب الذي تبنته الإدارة السابقة والذي ربط ضمنيا بين الدين الإسلامي وظاهرة الإرهاب وقام بتصوير الصراع بين العالمين الغربي والإسلامي علي انه صراع حضاري تتصادم فيه قيم الحرية والديمقراطية بقيم العنف والاستبداد والانغلاق علي الذات.

وقد نتج عن خطاب وممارسات الإدارة الأمريكية السابقة خاصة فيما يخص احتلال العراق وأفغانستان، والانحياز الكامل لإسرائيل، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل واسع في العراق وفي جوانتانامو والتدخل بشكل سافر في شؤون الدول العربية الداخلية بحجة الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية إلى تدهور غير مسبوق في العلاقات بين الولايات المتحدة من ناحية والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخرى، والي تعميق الصراعات الداخلية والإقليمية داخل العالم الإسلامي وتمكين التيارات الراديكالية والدول الداعمة لها بشكل غير مسبوق.

وبعد ثمانية أعوام من الصدام والشك المتبادل جاء خطاب اوباما إلي العالم الإسلامي كمحاولة لمراجعة الذات ولفتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وفي تصورنا فان خطاب اوباما إلي العالم الإسلامي من القاهرة يضع نهاية لمرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 ويؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تشهد عودة إلي الحوار والعمل الدبلوماسي المكثف من اجل التعاطي مع القضايا الخلافية التي ركز عليها مضمون الخطاب. وقد تضمن الخطاب العديد من النقاط الايجابية ومن أهمها رد الاعتبار للإسلام وللحضارة الإسلامية والإشادة بإسهامتهما التاريخية والحضارية، وتبنى موقف أكثر توازنا تجاه القضية الفلسطينية، وتبنى موقف أكثر رصانة تجاه قضايا الديمقراطية والحريات في العالم العربي والإسلامي.

دور تاريخى للحضارة الاسلامية

استهل اوباما خطابه بالتأكيد علي الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام والحضارة الإسلامية في بناء التراث الحضاري الانساني حيث أشاد بدور الحضارة الإسلامية في تطوير العلوم والفنون والمعمار وفي تقديم نموذج ايجابي للتسامح الديني والمساواة بين الأعراق. كما أشاد بدور المسلمين في أمريكا واسهامتهم في بناء المجتمع الأمريكي ، واشار في أكثر من مكان إلي الحريات الدينية التي تتمتع بها الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وعلي ضرورة احترام هذه الحقوق في كل المجتمعات التي بها جاليات مسلمة.

 كما أكد اوباما على ضرورة دحض الصور النمطية و التمييز بين الإسلام كديانة تحث على السلام واحترام الكرامة الإنسانية والنفس البشرية وبين الاستغلال السيئ للدين من قبل قلة من المتطرفين واستشهد في أكثر من مكان بآيات قرآنية تحث علي التعايش والتسامح والسلام بين الشعوب والطوائف المختلفة. وقد ساعدت اللغة الايجابية التي استخدمها اوباما في الحديث عن الإسلام وعن المسلمين واستشهاده بالعديد من الآيات القرآنية في إعطاء الخطاب صبغة مختلفة تماما عن تلك التي اتسمت بها خطابات الإدارة السابقة وكانت تتضمن إشارات متكررة للعنف والإرهاب والي مصطلحات مستفزة مثل محور الشر والحروب الصليبية.

توازن نسبى إزاء القضية الفلسطينية

 أما فيما يخص القضية الفلسطينية فقد تبنى اوباما موقفا أكثر توازنا عن الإدارة السابقة والتي انحازت بشكل كامل لإسرائيل وعملت علي اختزال القضية الفلسطينية في منظومة الحرب علي الإرهاب.

 وبالرغم من تأكيد أوباما علي العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعلي الأواصر المتينة بينهما وعلي ضرورة الاعتراف بالاضطهاد التاريخي الذي تعرض له ملايين اليهود، إلا انه أكد مع ذلك علي التطلعات المشروعة للفلسطينيين ألا وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم، كما أكد علي أن السبيل الوحيد للتوصل إلي تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين يستطيع فيهما الإسرائيليون والفلسطينيون أن يعيشوا في سلام وأمان.

 وفي هذا الإطار طالب الرئيس الامريكى الجانب الفلسطيني بالتركيز علي توحيد الصف وإعادة بناء المؤسسات ونبذ العنف والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

وفي تطور مهم امتنع أوباما عن وصف حماس بأنها حركة إرهابية واعترف بأن الحركة لها قاعدة شعبية، وحين وجه كلماته الى الاسرائيليين طالبهم بالإقرار بأن حق فلسطين في البقاء هو حق لا يمكن إنكاره مثلما لا يكمن إنكار حق إسرائيل في البقاء ، وأكد علي أن الولايات المتحدة لا تقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية وانه قد آن الأوان لكي تتوقف هذه المستوطنات.

وأخيرا طالب اوباما الدول العربية أن تعترف بأن مبادرة السلام العربية كانت مبادرة هامة وأن مسؤولياتها لا تنتهي عند طرح هذه المبادرة ، وحث الدول العربية على مساعدة الشعب الفلسطيني علي تطوير مؤسساته وعلي الاعتراف بإسرائيل واختيار سبيل السلام، وأكد أنه سيسعى شخصيا للوصول إلي حل الدولتين. إلا أن اوباما لم يطرح في خطاب القاهرة كما كان متوقعا ملامح خطة السلام التي أعلنت الإدارة الأمريكية في مرحلة سابقة أنها تعمل علي إعدادها مما دفع العديد من المراقبين إلي انتقاد خطابه حول قضية السلام.

الديموقراطية .. خيار الشعوب

وأخيرا فقد تبنى اوباما موقفا أكثر رصانة تجاه قضايا الديمقراطية حيث أكد من ناحية علي أن قيم الديمقراطية واحترام الحريات الدينية وحقوق المرأة إنما هي قيم عالمية وجزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان التي توافقت عليها الدول والشعوب، إلا انه أكد مع ذلك إن الولايات المتحدة لا تسعى أن تفرض نمطا معينا من الحكم علي دول بعينها وأنها تحترم الخصوصيات المحلية لكل دولة/ مشيرا إلى ان بلاده ستتعاون مع الدول الديمقراطية و تسعى أن تعمل مع الدول والشعوب الإسلامية من خلال عدد من البرامج على تحقيق تلك القيم والأهداف.

كما اقر اوباما بان الديمقراطية لا يمكن اختزالها في العملية الانتخابية. وفي إشارة ضمنية إلى التيارات الإسلامية انتقد اوباما التيارات التي تسعى إلي السلطة من خلال القنوات الديمقراطية ولكنها تنقلب بعد ذلك علي الديمقراطية مؤكدا علي أن الديمقراطية تقتضى احترام عملية تداول السلطة وضمان الحريات.

وفي المجمل فان اللغة التي تبناها اوباما في خطابه إلي العالم الإسلامي والمواقف التي أعلن عنها تجاه عدد من القضية الحيوية كان لها وقع ايجابي ونجح الخطاب إلي حد كبير في طي صفحة مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وفي التأسيس لمرحلة جديدة. وقد عبرت العديد من الدول الإسلامية في أعقاب الخطاب عن رغبتها في التعاون بجدية مع إدارة اوباما من اجل تصحيح الأوضاع في المنطقة العربية والإسلامية.

إلا أن الخطاب رغم إيجابياته الكثيرة لم يكن موفقا في بعض النقاط. فتصنيف الحرب علي العراق تحت بند التطرف العنيف يخلط الأوراق ويدعم الرؤى المغلوطة التي طرحتها إدارة بوش حول العلاقة بين الحرب علي التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وعملية احتلال العراق، كما أن اختزال الصراع في باكستان وأفغانستان في إطار الحرب علي الجماعات العنيفة اغفل جوانب مهمة من هذه الصراعات والتي ترتبط بضعف الدولة وتراجع شرعية النخب السياسية القائمة بسبب الفساد والصراعات الداخلية، وأيضا بسبب سماحها للقوات الأمريكية بشن عمليات عسكرية علي أراضيها استهدفت في كثير من الأحيان جماعات مدنية كما أن الرئيس الأمريكي لم يطرح في حديثه عن باكستان وأفغانستان أفق زمني لانسحاب القوات الأمريكية كما فعل مع الحالة العراقية.

قضايا غير مفصلة

كما أن الخطاب تعاطى بشكل مقتضب مع القضية الإيرانية والتي تطرح نفسها بقوة علي الساحة العربية فلم يطرح خطاب القاهرة أية خطوات عملية فيما يخص الملف الإيراني. وبدا تأكيد أوباما علي سعيه لتفادى حرب تسلح في المنطقة و إلي تطلعه إلي خلق عالم خال من الأسلحة النووية غاية في التبسيط خاصة في ضوء الخطر الذي تمثله الترسانة النووية الإسرائيلية علي السلام والأمن الاقليمى. وأخير فان خطاب اوباما رغم شموليته لم يتطرق لبعض القضايا المهمة مثل ظاهرة الدول الفاشلة في المنطقة والصراعات الداخلية في العديد من الدول العربية ومنها العراق ولبنان واليمن والسودان والصومال والتهديد الذي تمثله تلك الظاهرة علي امن المنطقة.

وقد تباينت ردود الأفعال علي خطاب القاهرة. فمن ناحية رحب العديد من المعلقين بدعوة اوباما لفتح صفحة جديدة علي أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وباعترافه بحقوق الشعب الفلسطيني وبالتزامه بحل الدولتين واعتبروا الخطاب بداية عهد جديد للعلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ونادوا الدول العربية والإسلامية باتخاذ خطوات ايجابية للعمل مع الإدارة الأمريكية الجديدة علي التعاطي مع القضايا الإقليمية.

 ومن ناحية ثانية عبر آخرون عن إحباطهم من المواقف التي تضمنها الخطاب تجاه العديد من القضايا وخاصة القضية الفلسطينية واحتلال العراق وأفغانستان واعتبروا تصريحات اوباما امتدادا للسياسات الأمريكية في المنطقة، وأكدوا علي أن الخطاب كان مجرد حملة علاقات عامة أو حملة لتسويق السياسات الأمريكية في المنطقة ولكن بشكل أكثر ذكاء وجاذبية. وبين هذين الطرفين رحب طرف ثالث بالخطاب ولكنه أكد علي أن العبرة بالأفعال وليست بالنوايا وأنهم في انتظار تحركات علي أرض الواقع تترجم النوايا الطيبة التي عبر عنها اوباما في خطابه إلي سياسات وإجراءات ملموسة.

الخطاب وتحريك المياه الراكدة

إلا أن الخطاب ورغم التحفظات العديدة التي قوبل بها نجح فيما يبدو في تحريك المياه الراكدة في المنطقة. ففي الأسابيع القليلة التي تلت الخطاب نجحت قوى 14 آذار المدعومة من الولايات المتحدة ومن دول الاعتدال في المنطقة في الفوز بأغلبية في الانتخابات النيابية اللبنانية. كما احتدت الانتخابات الإيرانية وتصاعد التأييد للمرشح الاصلاحى مير حسين موسوي بشكل ملحوظ.

و أخيرا قامت كل من إسرائيل وحركة حماس ورغم العديد من التحفظات بالاعتراف بحل الدولتين وباستعدادهما إلي الدخول في مفاوضات. ورغم أن الطريق لازال مليء بالصعوبات علي جميع تلك الأصعدة إلا انه ولأول مرة منذ ثماني سنوات أصبح هناك فرصة لإيجاد حلول دبلوماسية وسلمية للعديد من الصراعات الداخلية والخارجية التي أودت باستقرار المنطقة العربية في السنوات الثماني الأخيرة.

 ومن المهم في المرحلة القادمة أن تقوم الدول العربية بالبناء علي الزخم الذي نتج عن خطاب اوباما والتحرك السريع من اجل طرح مبادرات تساعد علي إعادة إحياء عملية السلام وعلي تحرير العراق وعلي احتواء الصراعات الداخلية والإقليمية التي تعصف بالمنطقة ذلك من خلق بيئة إقليمية جديدة تساعد الحكومات والشعوب العربية علي الإلتفات إلي الشأن الداخلي والعمل علي تحقيق التنمية والديمقراطية التي تتطلع إليها شعوب هذه المنطقة.

 

* خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023