|
وضعت مذكرة التوقيف التى أصدرها المدعى العام للمحكمة الجنائية بحق الرئيس السودانى عمر البشير، الدول العربية فى ازدواجية دقيقة، بين الالتزام بالمواثيق الدولية والدفاع عن شرعية أنظمتها السياسية. وفرضت على قمة الدوحة العربية فى نهاية شهر مارس2009 مواجهة مذكرة الجنائية بصورتيها القانونية والسياسية. حيث مطلوب من الدول ( الأردن وجيبوتى وجزر القمر وموريتانيا ) التى صادقت على ميثاق روما 1998 تسليم الرئيس البشير (تلقائيا) بمجرد أن تطأ أقدامه أراضيها والتجاوب مع المحكمة لتحقيق هذا الغرض. وانطلاقا من الدور الذى لعبه مجلس الأمن فى إحالة القضية للمحكمة، يرجح أن يطلب المجلس من كافة الدول العربية، بحكم عضويتها فى الأمم المتحدة، التعاون فى هذه المسألة. كما أن استهداف رئيس عربى بهذه الطريقة يفرض على مؤسسة الجامعة العربية البحث عن حلول سياسية، دفاعا عن كرامة أعضائها وتحاشى التداعيات السلبية على بلد مثل السودان، يعانى مجموعة من المشكلات المزمنة. بالتالى فقمة الدوحة مطالبة بوضع تصورات واضحة واتخاذ إجراءات محددة للمساهمة فى عبور هذا النفق. الحاصل أن أزمة النظام الاقليمى العربى الطويلة ظهرت معالمها فى محكات متعددة. وتجلياتها القاتمة تزداد يوما بعد يوم فى السودان، الذى يتعرض منذ سنوات لسلسلة مزمنة من المشكلات وسط عجز عربى مخيف. حتى أن غالبية مبادرات التسوية وطروحات الحل فى بعض أقاليمه جرت فى دول ليست عربية. وعندما اقتربت الجامعة العربية وتبنت فى سبتمبر الماضى مبادرة للتسوية فى دارفور، أخفقت فى أن تصطحب معها روشتة علاج عملية. لذلك لم تحرز التحركات التى خرجت من رحم التصور العربى تقدما ملموسا. فدخول الاتحاد الافريقى على الخط بالتوازى مع الجامعة العربية واجهته عقبات كثيرة،على الصعيدين الدولى والسودانى. على الصعيد الأول، أخفقت جهود الفريق العربى - الافريقى فى تليين مواقف بعض القوى الفاعلة فى أزمة المحكمة الجنائية، للتوصل إلى صيغة تبعد شبح المحاكمة عن الرئيس البشير. ولم يتمكن الفريق المشترك الذى ذهب إلى نيويورك من اقناع أعضاء مجلس الأمن باستخدام المادة ( 16 ) من ميثاق روما، التى تخول المجلس تجميد مذكرة التوقيف لمدة عام قابل للزيادة، على أن توظف هذه المدة الزمنية فى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة فى دارفور. حتى محادثات الدوحة بين الحكومة وحركة العدل والمساواة والتى انبثقت من مبادرة الجامعة العربية، اكتفت باتفاق حسن نوايا، أصبح فى مهب الريح بعد التصعيد المكثف فى الخطابين السياسي والاعلامى لكل من الحركة والخرطوم عقب صدور مذكرة التوقيف. على الصعيد الثانى ـ السودانى ـ لم تتمكن الدول العربية ـ جماعات وفرادى ـ من تقريب مسافات الحوار بين الحكومة ومتمردى دارفور، لتهيئة الأجواء أمام تسوية تكون رصيدا داعما للتحركات السياسية الرامية لقطع الطريق على مذكرة المحكمة الجنائية، ويعود السبب جزئيا إلى ابتعاد الخرطوم عن الدخول فى عمق الأزمة فى دارفور وعدم استعدادها لتقديم تنازلات صعبة فى مجالى السلطة والثروة كما حدث بالنسبة للجنوب مثلا، والتركيز على إرسال إشارات عبر بعض التظاهرات توحى بارتفاع شعبية الرئيس البشير، وأن ما يحدث هو جزء من منظومة استهداف سياسى للنظام السودانى، وتواطؤ من المحكمة الجنائية مع بعض القوى الدولية. كما ساعد تشدد معظم فصائل المتمردين فى مطالبهم على تعثر الجهود العربية، حيث قرأ عدد كبير منهم المذكرة على أنها وسيلة لرفع سقف تطلعاتهم، وأن الأمور ستسير فى صالحهم نهاية الأمر. ناهيك عن التعقيدات التى بدأت تواجه التحرك العربى، سواء على مستوى دخول أطراف خارجية، أو بعض مقاربات التسوية، أو تشبث الحكومة السودانية بمواقفها الرافضة للتعامل مع المحكمة الجنائية، والذى جعلها تبدو متشددة مع الأفكار التى سعت للالتفاف على مذكرة التوقيف القانونية بأدوات سياسية. لم تتجاوب الخرطوم مع فكرة المؤتمر الدولى التى طرحتها مصر لتطويق نتائج المذكرة. ولم تدرك أن هذه خطوة يمكن أن تحرج الدول المحرضة على النيل من الرئيس السودانى، والذى تتشكك دوائر كثيرة فى رغبته وقدرته على حل الأزمة. وتكشف أيضا مناورات فصائل المتمردين الذين أجادوا الاستفادة من تناقضات قوى دولية مؤثرة. فى هذا الخضم واصل السودان تعامله مع القضية باعتبارها استهداف سياسى استخدمت فيه أداة قانونية لا مجال فيها لتحركات دبلوماسية أو مرافعات قانونية. معتقدا أن الشواهد التى يملكها تقنعه بعدم جدوى المسار القانونى بالظهور أمام المحكمة أو باللجوء لتفسير الموقف على صورته السياسية التى قد تعطى فرصة للتوصل لقواسم تزيح أو تخفف وطأة الأزمة. مراحل الموقف السودانى الواقع أن طريقة التعامل السودانى مع المحكمة الجنائية منذ صدور مذكرة التوقيف فى 4 مارس 2009، مرت بثلاث مراحل أساسية. يكشف التوقف عندها عن حدوث تغير واضح ينذر بالمزيد منه. الأمر الذى يمهد الطريق أمام امكانية صياغة خيار عربى أو أكثر فى قمة الدوحة قابل للتداول. المرحلة الأولى، عدم الاعتراف بالمحكمة وما صدر عنها واستخدام عبارات قاسية للتشكيك فى نزاهتها ومآربها. والإيحاء أن الشعب السودانى بأكمله يدين خطوة المحكمة ويدعم رئيسه. وللتدليل على ذلك قام الرئيس البشير بالمشاركة فى تظاهرات شعبية فى أماكن مختلفة. وفى سياق التحدى يمكن الاشارة إلى موقفين. أحدهما، قيام الرئيس البشير بطرد 13 منظمة إنسانية دولية تعمل فى دارفور، ضمن حوالى مائة منظمة تمارس نشاطها فى الاقليم. بذريعة تآمرها وتعاونها مع المحكمة الجنائية ضد السودان. وهدد البشير بطرد كل من يخالف القانون السودانى، سواء كان منظمة طوعية أو بعثة دبلوماسية أو قوات أمنية. والآخر، مطالبة الدول الافريقية( 30 دولة) التى صادقت على ميثاق المحكمة الجنائية، فى اجتماع لمجلس السلم والأمن بمقر الاتحاد الافريقى بالانسحاب من المحكمة. وعلى هذا المنوال جرت تصريحات وخطابات النخبة الحاكمة فى السودان. المرحلة الثانية، ظهور بوادر تراجع عن الموقف التصعيدى السابق. تزامن مع وجود اصرار واسع على استهداف البشير. وتلميح المدعى العام للمحكمة الجنائية بتقديم استئناف لقضاة المحكمة لإبقاء تهمة ارتكاب إبادة التى اسقطها القضاة. وظهرت معالم التراجع فى بعض المحكات. مثل، تمديد خيوط التواصل مع بعض فصائل المتمردين الأخف ثقلا والأقل تأثيرا، والتلويح بأن الخرطوم لم تغلق باب الحل السياسى. وظهرت ملامح هذا الاتجاه فى الاتفاق الذى وقعته خمس فصائل دارفورية فى ليبيا وسمى بـ وثيقة طرابلس . وقررت الخرطوم إعادة التحقيق مع أحمد هارون وزير الدولة للشئون الانسانية المطلوب لدى المحكمة الجنائية. وتعتزم استدعاء لائحة تضم 176 مشتبها بتورطهم فى جرائم دارفور. وأشار نمر ابراهيم المدعى العام المسئول عن الجرائم فى الاقليم إلى أنه يولى اهتماما ببلاغ ضد كل من هارون وعلى كوشيب الرئيس الميدانى للجنجويد والمطلوب من قبل المحكمة أيضا. وأكدت الخرطوم أن لجان التحقيق التى شكلتها وزارة العدل استمعت إلى 257 شاهدا فى القضية وألقى القبض على 12 متهما. وهو ما يصب فى الطريق الذى رسمته بعض الدول العربية قبل صدور مذكرة توقيف البشير، ويقوم على اعتبار أن المحاكمات الداخلية ربما تخفف ضغوط المحكمة الجنائية. كان التراجع الأكثر وضوحا، فى موقف الرئيس البشير من حضور قمة الدوحة. فعقب تسلمه الدعوة القطرية جرى الترويج لذهابه إلى الدوحة لرئاسة وفد بلاده فى القمة العربية. فى خطوة بدت لكثيرين أنها تحمل تحديا سافرا للمحكمة ومذكرتها. وعندما تسربت معلومات بشأن امكانية اعتراض طائرة البشير والاتجاه لمطالبة قطر بالتعاون فى إلقاء القبض عليه والاشارة إلى قاعدة العديد الأمريكية وما يمكن ان تلعبه فى هذا الصدد، انحرف الموقف السودان عن ثباته. وقامت الرئاسة السودانية بتشكيل لجنة من مستشارى البشير فى الشئون السياسية والأمنية أقرت عدم المشاركة فى قمة الدوحة مراعاة لمصلحة البلاد العليا بسبب المخاطر المحتملة. وتعزز القرار بفتوى لهيئة علماء السودان (أعلى سلطة دينية) فحواها عدم مغادرة الرئيس البشير البلاد. المرحلة الثالثة، يمكن وصفها بالاقتراب من التكيف مع المعطيات الدولية ومحاولة تجاوز عقباتها بصورة عملية وسياسية. وعبرت عنه الخرطوم بقيامها بتكوين خمس مجموعات عمل تجوب كثير من الدول فى قارات مختلفة لشرح وجهة النظر السودانية، ومحاولة حشد دعم اقليمى ودولى لها. ويعكس هذا التحرك ادراكا سودانيا بخطورة القضية التى فتحتها مذكرة المحكمة الجنائية. كما أنه قد يجدد الفرصة للاستفادة من المادة ( 16 )، خاصة أن أحد الوفود الخمس سيتوجه إلى روسيا والصين. ويضاعف من فرص تكوين حائط صد أو ممانعة قوية من الدول العربية والافريقية، لما يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن لاحقا. فهناك اتجاه يتم الحديث فى وسائل الإعلام الدولية لفرض حظر طيران فوق دارفور وتفعيل المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة. ولعل فشل مجلس الأمن فى اصدار بيان يدعو السودان للتراجع عن قرار طرد 13 منظمة انسانية يمثل بروفة أو بارقة نجاح لهذا الاتجاه. خيارات قمة الدوحة من هذه الزاوية، تنبع أهمية التحرك الدبلوماسى العربى، الذى سيكون مسكونا بالخوف من استمرار تآكل الأطراف العربية. فمحاكمة الرئيس البشير خطيرة من حيث تأثيرها السلبى على وحدة السودان، الذى سيواجه باستحقاق مفصلى خاص بتقرير مصير جنوب السودان بعد حوالى عامين. بالتالى فالأمن القومى العربى الذى يتعرض منذ فترة لاختراقات صعبة يمكن أن تهز الكثير من أركانه الباقية. وهو ما يفرض على القمة العربية فى الدوحة تحديات مضاعفة، تستوجب التلويح باستخدام بعض الأوراق الاقتصادية والسياسية. فاقرار هذا المنهج فى التعامل مع الأزمات الاقليمية ربما يضع أى رئيس تحت مقصلته. وأمام القمة خياران رئيسيان: الأول: الإشارة إلى أهمية انجاز تسوية سياسية عاجلة فى اقليم دارفور. وحض جميع الأطراف على التحلى بالمسئولية وتقديم تنازلات متبادلة، توفر بيئة مناسبة لاتفاق مصالحة قابل للحياة. شريطة أن يتم تقديم رؤية شاملة توضح مرتكزات الحل وأسس السلام وآلياته، وتوفير الدعم المادى والمعنوى اللازم بالتنسيق مع الاتحاد الافريقى. الثانى : اتخاذ موقف صارم من تكريس مبدأ المعايير الدولية المزدوجة، التى تبدو وكأنها تستهدف العرب دون غيرهم. مع حض دول العالم النامى على التضامن مع السودان. لأن الفترة المقبلة من المتوقع أن تشهد خطوات وتحركات متسارعة لبلورة رؤية عملية لملاحقة الرئيس البشير ليتسنى تقديمه للمحاكمة. وهنا تأتى أهمية توفير شبكة تضامن واسعة داخل مجلس الأمن لاجهاض أى قرار يلزم كافة الدول (التى صادقت على ميثاق روما أو لم تصادق) بالتأكيد على أن هناك هواجس ومخاطر مشتركة.
|