|
في سابقة هي الأولى من نوعها في الحياة السياسية الإسرائيلية، واستنادا على عدم مخالفة القانون، كلف الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بنيامين نيتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، بعد عشرة أيام انقضت على انتهاء الانتخابات، رغم أنه (نيتنياهو) قد حل ثانيا في نتائج الانتخابات التي أجريت في العاشر من فبراير 2009. وفي الحقيقة فإنه كان واضحا منذ البداية في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات أن تسيبي ليفني الفائزة بفارق صوت عن نيتنياهو لن يمكنها بسهولة تشكيل الحكومة في ظل تفوق كتلة اليمين عامة في الانتخابات وحصولها على 65 مقعدا من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدا، خاصة وأن القانون لا يلزم أو لا ينص على ضرورة أن يقوم رئيس الدولة بتكليف الفائز في الانتخابات بتشكيل الحكومة. وهكذا وجد الرئيس الإسرائيلي نفسه أمام معضلة حقيقية أطلقت عليها صحيفة هاأرتس عقدة التكليف، خاصة في ظل عدم تمكنه من إقناع ليفني ونيتنياهو بتقاسم السلطة في شكل تناوب على رئاسة الوزراء، مثلما حدث في عام 1984 عندما تناوب كل من العمل (شيمون بيريز) والليكود (اسحاق شامير) على رئاسة الحكومة بواقع عامين لكل منهما.
كما شهدت إسرائيل حدثا فريدا أخر في أعقاب الإعلان عن النتائج، إذ أعلن كل من تسيبي ليفني ونيتنياهو فوزهما وسط أنصارهما، فليفني اعتمدت على التفويض الذي حصلت من الرأي العام عبر صندوق الانتخابات، لاسيما في ظل تزايد الإقبال على المشاركة، إذ إنه على الرغم من أن كافة التوقعات حتى قبيل الانتخابات كانت تشير إلى أن نسب المشاركة ستشهد تراجعا جديدا لتنخفض عن الانتخابات الماضية التي عرفت أدنى مستويات مشاركة الإسرائيليين بنسبة بلغت 63.2%.
وقد عمق من تلك التوقعات ما أعلن قبل يوم من الانتخابات بأن يوم الانتخابات سيشهد جوا عاصفا، بما قد يقلل من نسب المشاركة خاصة بين المترددين واللامبالين بالانتخابات. ومع ذلك فإن نسبة المشاركة وصلت إلى ما يفوق الـ 67%، مقتربة من النسبة التي وصلتها في انتحابات عام 2003 وهي 69%. بتعبير آخر، فإن هذا الانتخابات قد أوقفت منحنى انهيار نسب مشاركة الإسرائيليين في الانتخابات التي انحدرت من نسب تتراوح ما بين 82% و87% في العقود الثلاثة الأولى بعد قيام الدولة، إلى ما يتراوح بين 63% و67% في العقود الثلاثة الأخيرة. بينما اعتمد نيتنياهو في إعلان فوزه على فوز اليمين عامة، وباعتباره الحزب الأكبر في اليمين فقد فسر ذلك على أنه انتصار له سيمكنه من تشكيل الحكومة، رغم علمه بأن ذلك سيجعله أسيرا لليمين، باعتبار الأخير صاحب الفضل في حصول نيتنياهو على رئاسة الحكومة.
المجتمع والاندفاع نحو اليمين
وحقيقة الأمر، فإن تلك الانتخابات قد أكدت على النمط العام لتوجهات الرأي العام الإسرائيلي المتجه بقوة نحو اليمين خلال العقد الأخير، والرافض لمنح الثقة لرئيس وزراء فشل سابقا، باستثناء أرئيل شارون الذي لم ينظر له الرأي العام باعتباره فاشلا، فأعاد انتخابه مرتين. ومن ثم فإن حصول حزب كاديما على العدد الأكبر من المقاعد لا يلغي تفوق اليمين، بشقية السياسي والديني، والذي أعطاه الرأي العام الإسرائيلي التفوق على سائر التوجهات الأخرى، سواء الوسط أو اليسار. وعلى الأرجح فإنه لو كان زعيم الليكود أي شخص آخر غير نيتنياهو لحقق فوزا سهلا على ليفني. وما يدعم ذلك التحليل أن الحرب الأخيرة على غزة، والتي خاضها حزبا كاديما والعمل على أمل استثمارها في رفع شعبيتهما مقارنة بالليكود قد رفعت شعبية ليفني، بينما لم تفعل ذات الأمر بالنسبة لباراك؛ فالرأي العام قد خبر باراك سابقا وأثبت فشلا واضحا في رئاسة الحكومة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تصويت الرأي العام الإسرائيلي لليمين منذ انتفاضة الأقصى في عام 2000 ليس أمرا جديدا، بل إن تزايد نسب ذلك التصويت يأتي منسجما تماما مع انجراف الرأي العام الإسرائيلي بشكل واضح خلال العشر سنوات الأخيرة نحو تفضيل اليمين وتوجهاته إزاء العلاقة مع الفلسطينيين والتسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، في ظل تدهور واضح لتلك العملية، وسيادة لغة العنف والتهديد على العلاقة بين الطرفين. والواقع فإن ثمة علاقة عكسية بين إحساس الإسرائيليين بالتهديد لوجودهم وبين تأييدهم لعملية التسوية السلمية، فكلما زاد إحساسهم بالخطر على وجودهم قل تأييدهم لعملية التسوية. بتعبير أخر، فإنه يمكن القول، إن أبرز تغير شهده الرأي العام الإسرائيلي منذ اندلاع الانتفاضة هو التحول الواضح نحو اليمين والذي بلغ ذروته في انتخاب شارون في شهر فبراير عام 2001 لمنصب رئيس الوزراء، ثم إعادة انتخابه في عام 2003، كما أثرت تلك الانتفاضة سلبا على المزاج القومي والشخصي، حيث جعلته أكثر مرارة، بما انعكس في تدعيم حظوظ أحزاب اليمين.
سيناريوهات تشكيل الحكومة
لم ينه قرار الرئيس الإسرائيلي بتكليف نيتنياهو بمهمة تشكيل الحكومة الأزمة الناجمة عن نتائج الانتخابات، فقرار الرئيس تعامل مع الجزء الأيسر من المعضلة، ومن ثم فلم يتم استبعاد الكثير من الخيارات التي كانت مطروحة قبل الانتخابات لتشكيل الحكومة، حيث بقى أمام نيتنياهو على الأقل ثلاثة سيناريوهات لتشكيل الحكومة، أسهلهم وأكثرهم حظوظا هو البديل الأقرب أيضا للانهيار سريعا.
السيناريو الأول: حكومة يمين فقط. تضم بالإضافة إلى الليكود (27 مقعدا)، وحزب إسرائيل بيتنا (15 مقعدا)، وحركة شاس (11 مقعدا)، وحزب يهدوت هتوراة (5 مقاعد)، وحزب الاتحاد الوطني (4 مقاعد) وحزب البيت اليهودي (3 مقاعد). وهذا السيناريو يضم قوى اليمين كافة ويؤمن للحكومة 65 مقعدا، وهو ما سيجعلها عرضة أو لقمة سائغة للأحزاب الصغيرة، التي ستملك حق الفيتو على كل قرارات تلك الحكومة، كما أنها ستمتلك قرار إبقاء تلك الحكومة على قيد الحياة أو انهيارها في اللحظة التي تقررها تلك الأحزاب أو أي منها. ومن ثم يمكن القول أن ذلك السيناريو رغم سهولة تحققه فإنه يبدو خيارا مرا للغاية، من زاوية أنه يمثل وصفة سحرية للفشل السريع، إضافة إلى ما سيلحقه من أضرار بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فالإدارة الأمريكية الجديدة لن تكون مرحبة تماما بالتعامل مع حكومة يمينية على هذا النحو، ومن المؤكد أن الخلافات بينهما ستزداد، خاصة فيما بتعلق بعملية التسوية مع الفلسطينيين. وسوف يظل هذا السيناريو هو الخيار الأسهل، وسيظل يمثل الملاذ الأخير لنيتنياهو في حال فشل في السيناريوهات الأخرى.
السيناريو الثاني: حكومة تضم الأحزاب الثلاثة الرئيسية (كاديما والليكود وإسرائيل بيتنا)، وهي حكومة ستحوز 70 مقعدا في الكينست، بما يعني أن موقفها وقدرتها على البقاء من الناحية النظرية يبدو أفضل من الحكومة السابقة بفارق خمسة مقاعد، بيد أن الواقع هو أنها لن تكون أفضل حالا، حتى مع افتراض أن كاديما قبل الدخول في حكومة مع إسرائيل بيتنا، إذ إن قرار إقالة تلك الحكومة يبقى أيضا في يد أي من الأحزاب الثلاثة، ومن ثم فعند أي اختلاف ومغادرة أي من الأحزاب للحكومة ستسقط الحكومة. وهكذا ستصبح الحكومة كما لو كانت بثلاثة رؤساء للوزارة، وسيكون لكل منهم فيتو قوي على قرارات تلك الحكومة.
السيناريو الثالث: هو خيار وسط بين الخيارين السابقين، بمعنى أن يتم استبدال حركة شاس في السيناريو الأول بحزب كاديما، أو تضاف الأحزاب اليمينية باستثناء شاس إلى الخيار الثاني. وبذلك تبدو الحكومة أقرب إلى اليمين بما يريح نيتنياهو ويخلصه من مشكلة التنكر لليمين الذي حمله إلى سدة الحكم، وفي الوقت ذاته يلعب كاديما دور الوجه الحسن لتلك الحكومة في علاقتها بالولايات المتحدة وفيما يتصل بعملية التسوية، على نحو الدور الذي لعبه حزب العمل في حكومة شارون الأولى (2001-2003). وستستند الحكومة في هذا السيناريو إلى 82 مقعدا، حيث ستضم كل من كاديما (28 مقعدا) بالإضافة إلى الليكود (27 مقعدا)، وحزب إسرائيل بيتنا (15 مقعدا)، وحزب يهدوت هتوراة (5 مقاعد)، وحزب الاتحاد الوطني (4 مقاعد) وحزب البيت اليهودي (3 مقاعد). وربما ستكون العقبة الوحيدة أمام هذا السيناريو هو وجود اتفاق ما بين الليكود وشاس بشأن دعم شاس لليكود في مواجهة كاديما، على نحو ما أكد المعلق بصحيفة معاريف بن كاسبيت، إنه ليس في حكم الوارد لدى نيتنياهو التخلي عن شاس، على اعتبار أن هناك اتفاقا مكتوبا بينه وبين زعيم الحركة، الحاخام إيلي يشاي، بشأن الحكومة المقبلة تم التوصل إليه قبل الانتخابات الأخيرة. ومن ثم يبدو أن الخيار الأقرب إلى التنفيذ هو الخيار الأول أي تشكيل حكومة يمين ضيقة. لاسيما وأن كاديما لا يتحمس للمشاركة فى حكومة يقودها نيتنياهو.
وإذا كانت تلك هي السيناريوهات المطروحة أمام الليكود وبنيامين نيتنياهو، فإن كاديما الفائز في الانتخابات يجد نفسه أمام خيارين أحلاما مر. الأول هو الانضمام إلى حكومة يقودها الليكود، ما يعني تنازلا من حزب كاديما، بل بالأحرى سيكون كما العودة إلى أحضان الحزب الأساسي الذي انشق عنه قبل أربع سنوات. والثاني هو البقاء في المعارضة بكل ما يحمله من تداعيات قد تصل إلى حد انشقاق بعض قيادات الحزب وعودتهم إلى حزبهم السابق الليكود أو تكوين حزب جديد. وعلى الأرجح فإن ليفني التي تتقدم الساحة بخطى ثابتة ستفضل الخيار الثاني انتظارا لجولة أخرى من الانتخابات المبكرة لن تتأخرا كثيرا، فحكومة بدون كاديما لن تعيش لأكثر من عام ونصف عام، بينما ستعني مشاركتها (ليفني) في الحكومة انزلاقا إلى الفخ الذي سبقها إليه حزب العمل خلال السنوات الثمانية الماضية.
أما حزب العمل، فقد حسم موقفه وقرر البقاء في المعارضة، فيما يشير إلى أن الحزب قد أدرك أخيرا رسالة الرأي العام، وقبل التعامل مع تحدي تصحيح وضعه في الخريطة الحزبية في إسرائيل، قبل أن تصبح شهادة وفاته التي خطتها الانتخابات الأخيرة نافذة المفعول.
|