الاضطرابات الكردية فى سورية
إنذار خطر للتدخل الأجنبى العنيف
د. محمد السعيد إدريس *

‏العدد10‏:25مارس2004
منذ الغزو الأمريكى - البريطانى للعراق واحتلاله والأنظار تتجه إلى سورية تارة وإلى إيران تارة أخرى فى محاولة لمعرفة من الذى ستكون له الأولوية عند الأمريكيين للبدء به بعد العراق فى سيناريو قد تختلف شكلاً لكن قد يتوافق موضوعياً مع سيناريو غزو العراق أى إجراء تغييرات جذرية فى بنية النظام السياسى الحاكم فى سورية وإيران تمكن من نهج سياسة إقليمية ودولية تتوافق مع الأهداف والمصالح الأمريكيين - الإسرائيلية فى المنطقة.
الدافع لهذا التوقع لم يكن مرجعه فقط التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة لدمشق وطهران التى وصلت فى أحيان كثيرة إلى التهديد العسكرى، ناهيك عن الضغوط والسياسية والإعلامية (قانون محاسبة سورية مثالاً والمسعى الأمريكى لتحويل ملف البرامج النووية الإيرانية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن لتكرار سيناريو التفتيش الدولى وقد (--- فى إيران)، لكن كان مرجعة أيضاً وجود عوامل داخلية تغرى بتكرار سيناريو غزو العراق مع سورية وإيران بعد تعديله كى يتلاءم مع الحالتين السورية والإيرانية.
أهم هذه العوامل وجود استعدادات داخلية لحدوث اضطرابات عرقية وطائفية كافية لتفجير حالة متوترة من عدم الاستقرار السياسى، بسبب خصوصية البنية العرقية والطائفية فى البلدين، وهى بنية متنوعة ومختلطة الأعراق والطوائف.
ودائما كان الأكراد فى سورية وإيران محط أنظار الأمريكيين أولاً، ومحط أنظار المراقبين بشكل عام على ضوء صعود الدور الكردى فى العراق وتصاعد المكاسب التى حققها أكراد العراق فى ظل الاحتلال الأمريكى بعد سقوط نظام صدام حسين. ودائماً كان هناك سؤال يطرح نفسه: هل يمكن أن يعلب أكراد سورية وأكراد إيران الدور نفسه الذى لعبه أكراد العراق؟ وهل يمكن أن تصل الأوضاع إلى درجة مطالبة أكراد سورية وأكراد إيران بفيدرالية كردية على غرار الفيدرالية التى طرحها أكراد العراق؟ جاءت الاضطرابات الكردية فى سورية وعلى مدى أكثر من عشرة أيام لتجدد طرح هذا السؤال: ما هو مستقبل الاستقرار السياسى فى سورية؟ وهل آن أوان فتح ملف أكراد سورية كمقدمة لفتح الملف السورى كله فى ظل نفاذ صبر الأمريكيين من المماطلة السورية فى الاستجابة للمطالب الأمريكية. مصدر أمريكى مسؤول قال فى تصريح صحفى لا يمكننا أن ننتظر إلى ما لا نهاية موقف سورية من مطالبنا. وتتلخص هذه المطالب فى ثلاث مسائل: أمن القوات الأمريكية فى العراق، أمن إسرائيل فى جنوب لبنان وأمن أمريكا وإسرائيل معاً ضد ما تسميه الإدارة الأمريكية الإرهاب خاصة من جانبى منظمتى حماس والجهاد وضد أسلحة الدمار الشامل السورية.
فعلى الرغم من رفض كبار المسؤولين السوريين والإعلام الرسمى السورى وصف تلك الاضطرابات بأنها انتفاضة كردية. فإنها تحمل كل معالم ومؤشرات وجود انتفاضة كردية فى سورية قابلة للانفجار فى الوقت المناسب، بدليل انتقال الاضطرابات من القامشلى إلى حلب إلى دمشق وانخراط أغلب الأحزاب والقوى السياسية الكردية فى تداعياتها، ودخول أكراد العراق كطرف غير مباشر له أهميته وله رمزيته، تماماً كما أن الصدام الذى حدث فى سورية بين محافظتى الجزيرة (الحلة) وجارتها الجنوبية دير الزور له أيضاً أهميته ورمزيته.
فالصدام الذى وقع فى مبارة بين فريقين لكرة القدم فى مدينة القامشلى (محافظة الجزيرة الحلة ينتمى أحدهما لمحافظة دير الزور والاخر لمحافظة الحكة.
فالصدام وقع بين جماهير الناديين قبيل بدء المباراة، إلى أنه لم يكن بسبب أحداث تخص المباراة بقدر ما كان بسبب أمور أخرى أهم لها علاقة بالتوتر الاجتماعى وتعكس عملية الفرز المذهبى والعرقى فى البلد المجاور العراق.
فمحافظتا دير الزور والرقة تشكلان الخاصرة السورية الشرقية، وهما مسكونتان بعوائل كبيرة تنتمى إلى القبائل والعشائر العربية التى ما تزال تجوب الصحراء على طول الحدود السورية - العراقية (600 كم) وتعتبر قبيلة شمر هى الأبرز ومعظم فروعها وبطونها يستوطن منذ القدم أرض وصحراء محافظة دير الزور فى الشمال الشرقى من سورية. هذه العوائل والعشائر ترتبط بالقرابة وصلة التواصل المباشرة مع امتداداتها فى العراق، وبالذات مع عشائر وعوائل ما يعرف بـ المثلث السنى فى شمال بغداد وغربها، وتكاد المشاعر والملامح واللهجات والتقاليد تتطابق، بما يعنى وجود درجة ما من مشاركة أبناء هذه القبائل والعشائر لمعاناة إخوانهم المقيمين بالعراق الذين يخوضون شرف التصدى لقوات الاحتلال الأمريكية، ويدركون بوعى خطر التعاون الكردى فى العراق مع القوات الأمريكية، وخطر الاضطرابات العرقية والمواجهات الدامية التى وقعت بين الأكراد والعرب فى مدن شمال العراق.
أما التركيب السكانى لمحافظة الجزيرة (فى أقصى الشمال الشرقى) فيختلف كلياً. فإلى جانبى قبائل شمر العربية تقيم فى مدن هذه المحافظة وقراها المجاورة للحدود العراقية والتركية عوائل وعشائر كردية سنية ويزيدية، إضافة إلى أعداد كبيرة من المسيحيين السريان والأرمن والأشوريين. أكراد هذه المحافظة أقرب إلى أكراد العراق وأكثر تفاعلاً مع الأحداث والتطورات الكردية فى العراق، والتداخل فى المضامين السياسية قوى لدرجة أن الصدام الذى وقع بين مدينتى حلب يوم 16 مارس 2004 أى بعد أربعة أيام من وقوع أحداث القامشلى كانت بين عرب وأكراد يحيون ذكرى مذبحة جلبجة التى ارتكبتها القوات المسلحة العراقية فى نظام صدام حسين ضد الأكراد فى تلك المدينة الكردية العراقية، ولدرجة أن احتفالات عيد النيروز التى أقامها أكراد القامشلى يوم 21 مارس 2004 رفعت فيها صور مسعود البرزانى زعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى العراقى ووالده الملا مصطفى البرزانى إلى جانب عشرات من صور عبد الله أو جلان الزعيم الكردى التركى، وكذلك رفعت الأعلام الكردية التى حولتها بعض الفتيات إلى مناديل يغطين بها رؤوسهن. بهذا المعنى نستطيع أن نقول أن المواجهة التى حدثت فى مدينة القامشلى يوم الجمعية 12 مارس 2004 بين مشجعى فريق الفتوة (دير الزور) وفريق الجهاد (القامشلى) كانت مواجهة بصورة أو بأخرى ذات مذاق عراقى أى كانت امتداداً للصراع العرقى الدائر فى العراق بين العرب والأكراد. لكنها كانتى من ناية أخرى انتفاض كرادية ضد النظام السياسى فى سورية بدليل أن المواجهة وقعت فى القامشلى وتدخلت فيه قوات الأمن السورية وصلت أصداؤها مباشرة إلى دمشق وبعدها إلى جلب.
ففى مساء الجمعة 12 مارس 2004 قام عدد من الطلاب الأكراد بالاعتصام فى حرم المدنية الجامعية احتجاجاً على أحداث القامشلى. وعلى أثر ذلك قامت قوات فقط النظام بمحاضرة المدنين الجامعين. وفى يوم السبت تابع الطلاب تحركاتهم باتجاه ساحة الأمويين ولكنهم اصطدموا بقوات فقط النظام وفى اليوم التالى (الأحد 14 مارس) جرى اعتصام فى ساحة عرنوس (وسط دمشق)، وامتدت الأحداث إلى حدثين حلب، وتواصلت فى دمشق. ولم تكن أحداث حى الرز (وأدى المشاريع) أقل اضطرابا وكانت المحصلة وقوع عدد كبير من القتلى اختلف عليه بين التقديرات الرعية الحكومية وتقديرات الأحزاب الكردية، وقوع عد كبير من المصابين واعتقال مئات تم الإفراج عن عدد كبير منهم فيما بعد.
هذه الأحداث كانت لها فى العراق حيث خرج نحو خمسة آلاف كردى فى مسيرة فى مدينة إرييل بشمال العراق يوم الأربعاء 17 مارس 2004 احتجاجاً على معاملة الأكراد فى سورية، وكانت لها أصداؤها
عند الأكراد المقيمين فى أوروبا، حينما قام أكراد سوريون بالاستيلاء على القنصلية السورية فى جنيف يوم 17 مارس. ونقلت وسائل الإعلام العالمية عن عناصر عرفت نفسها بأنها كردية تعيش خارج سورية مطالب لم تظهر من قبل عند أكراد سورية حيث تم الحدثيى عن مناطق سورية الشمالية على إنهاء كردستان الغربية ، وطالب البعض من هؤلاء بخروج المحتلة (الجيش النظامى السورى) من الأراضى السورية فى الشمال يدعوى أنها كردية. تداعى الأحداث على هذا النحو توافق تورط أحزاب كردية سورية فى زيادة تؤثر الأحداث حيث اجتمع قيادة مجموع الأحزاب الكردية فى سورية ركزت فيه على اتهام عناصر مسلحة تابعة لحزب البعض بارتكاب اعتداءات على الأكراد خاصة فى مدينتى المسكة ورأس العين، وفى بيان استهدفوا منه التهدئة طالبوا السلطات بالاستجابة لعدد من المطالب أهما: -
إطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية هذه الحوادث. -وضع حد الأعمال الاستفزازية التى تقوم بها قوات الأمن والميليشيات المسلحة وسحب الأسلحة الموزعة على هذه الميلشيات. -سحب القوات، بعد استقرار الأوضاع، ورفع الحصار عن بعض المناطق والأحياء الكردية وخاصة فى ضاحية دمر (زورافا - وادى المشاريع) وإعادة المياه والكهرباء المقطوعة من أيام. -إجراء تحقيق عادل وشامل فى محاسبة المذنبين والمسؤولين عما حصل. -تعويض المتضررين من أعمال السلب والنهب.
مجمل هذه التطورات يفرض إعادة طرح قضية قدرة نظم الحكم العربية على التعامل بالوعى الكافى لدمج الأقليات ومعالجة قضية الأقليات العرقية والطائفية فى الوطن العربة، وفى وقت تقف فيه أطراف إقليمية ودولية حريصة على توظيف هذه الأقليات لفتح أبواب التدخل العنيف فى الشؤون الداخلية العربية. أن ما حدث فى سورية من اضطرابات كردية شارك فيها النظام وشارك فيها المواطنون العرب جرس إنذار خطر يقول أن ما حدث له أسبابه الداخلية العميقة كما أن له أسبابه الإقليمية والدولية. وإذا لم يتم حل الأسباب الداخلية سيكون للأسباب والعوامل الإقليمية والدولية قدرة على تفجير الأحداث داخل سورية، تعرض أسباب للتدخل العنيف فى الشؤون السورية.
* خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023