بعد اختيار الإخوان المسلمين لمرشدهم الجديد :
إطلالة على سيناريوهات المستقبل
د. عمرو الشوبكي *

‏العدد8‏:22يناير2004
لم يخرج اختيار محمد مهدي عاكف ـ 76 عاما ـ كمرشد جديد للجماعة عن التوقعات التي أكدت على أن المرشد القادم سيكون من الحرس القديم ، أما نواب المرشد الإثنين محمد خيرت الشاطر والدكتور محمد السيد حبيب فهم ينتميان عمريا إلي جيل أصغر من جيل المرشد ، وإن كانوا فكريا أقرب إلي الجيل القديم ، وبمجيئهم أسدل الستار على بعض التوقعات التي رشحت عبد المنعم أبو الفتوح أحد أبرز رموز جيل الوسط التجديدي في حركة الإخوان المسلمين كنائب للمرشد الجديد .
ورغم كل الجدل الذي أثير حول احتمالات انشقاق الإخوان عقب وفاة المرشد السايق ، وبورصة الأسماء المتعددة التي طرحت خلفا له ، وأعطت انطباعا بأن الجماعة تعاني من صعوبات في الحفاظ على تماسكها الداخلي ، جاء انتخاب عاكف بهذه السلاسة ونجاح الإخوان في الحفاظ على وحدتهم التنظيمية ليمثل نجاحا للجماعة واستثناءا واضحا عن صورة الإنشقاقات السائدة وسط الحركات السياسية المصرية .
والحقيقة أن نجاح الإخوان في الحفاظ على وحدتهم يرجع إلي مجموعة من الأسباب الخاصة بطبيعة الجماعة وطبيعة الظرف السياسي المحيط بها ، دون أن يعني ذلك أن سيناريو الانقسام الداخلي مستبعد تماما في المستقبل ، ولكن في ظل مرحلة أخري وسياق آخر تدل كل المؤشرات على إنه لم يحن وقته بعد .
والحقيقة أن سيناريو التماسك و سيناريو الانقسام ، يرجعان إلي دوافع تخص واقع الجماعة والواقع السياسي معا ، وأن استمرار صيغة التماسك عائده إلي الواقعين معا ، أما انقسامها فسيرجع إلي تغير في الواقع المحيط لن تستطع الصيغة التعايشية القائم عليها فكر الجماعة أن تتعامل معه .
اذا نظرنا إلي السيناريو الأول أي التماسك والوحدة ، فسنجد إنه يرجع إلي عدة أسباب أولها يتعلق بما يمكن أن نسمية الثقافة السياسية التي تحكم حركة الجماعة ، والقائمة منذ البداية على استهداف المجتمع وليس السلطة السياسية ، التي نظر الإخوان لها عادة باعتبارها جزءا من المجتمع وليست عدوه له ، هذا الفهم أدي بالإخوان المسلمين أن يمتلكوا منذ البداية ثقافة الحوار مع الجميع حكام ومحكومين ، وبالتالي فقد تجاوزا الثقافة السياسية اليسارية أو الثورية التي علمت أعضائها أن الهدف النضالي الأسمي هو مواجهة السلطة وقلب النظام القائم بصرف النظر عن ظروف المجتمع .
أما الإخوان فقد كان من البداية عينهم على دعوة المجتمع وليس الحرب على السلطة حتي لو كان هدفهم النهائي هو تغيرها ولكن ظلت ثقافتهم السياسية تحث أعضائها على التفاعل مع المجتمع ، فكان دورهم في المساجد والزوايا والمستوصفات الصحية جنبا إلي جنب مع دورهم في النقابات والبرلمان ، وهذا في الحقيقة ما جعلهم أكثر هدوءا في التعامل مع قضية السلطة السياسية ، فلم يتربي إجمالا الكادر الإخواني على أن الثورة غدا أو بعد غدا وأن حكومة المنفي يجب أن تعد من الآن ، بقدر ما إنه اعتاد التريث واعتبار التغيير هو عملية بطيئة وتتم عبر وسائل دعوية ، وبالتالي فأن صراع الأجيال داخل الجماعة لم يحكمه الاستعجال أو القرارات الجذرية التي تنتهي أما بانشقاق جيل الوسط عن الجماعة أو تخلية عن أفكارة التجديدية ، إنما هي تخضع لعملية تراكمية يحقق فيها جيل الوسط مكاسب مؤكدة دون أن يتعامل معها الجيل الكبير على أنها هزائم قاضية ، وبالتالي ظلت الثقافة الدعوية مدخلا مريحا للحلول الوسط بين التيارات المختلفة على عكس الثقافة الثورية التي لم تعط أي مساحة للتعايش بين الأجيال والأجنحة المختلفة .
أما السبب الثاني ، فيتعلق بحرص الجماعة على التمسك بخطاب العموميات الذي من الصعب القول إنه يحدد برنامجا واضحا للعمل السياسي ، فهو يخلط بين المقدس والسياسي ، والديني والاجتماعي ، والعمل تحت قبة البرلمان وتحت مآذن المساجد ، ولازال غير واضحا في الأجابة عن الأسئلة المفصلية التي يمكن أن تثير خلافا داخليا في صفوف الجماعة ، حول مدنية السلطة السياسية وقبول الشيوعيين والعلمانيين داخل لعبة تدوال السلطة وليس فقط الحق في التعبير .
ورغم أن بعض رموز الجماعة من جيل الوسط كعبد المنعم أبوالفتوح مثلا ، قد أعلنوا بشكل واضح تبنيهم لهذه الأفكار بل أن الجماعة نفسها قد انفتحت في الفترة الأخيرة على قضايا الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ، وحقوق المرأة والأقليات ، إلا أن من الصعب القول أنها تحولت نحو الفصل بين الحيز السياسي والديني بل استمرت في الاحتفاظ بالحيزين في إطار لغة عامة عادة ما تتميز بعدم الخوض في التفاصيل .
ويبدو أن هذا النقد الذي كثيرا ما وجه إلي الجماعة حول غياب البرنامج السياسي التفصيلي ، بدا حاميا لها من الانشقاق على اعتبار أن الانقسام يكمن في مناقشة التفاصيل ، والوحدة عادة ما تكون حول العموميات .
أما السبب الثالث وراء استمرار صيغة التماسك ، فيتعلق بقراءة الجماعة للواقع السياسي الحالي ، فجيل الوسط الأكثر ليبرالية إجمالا من الجيل القديم يعرف جيدا إنه ليس هناك مستقبل لإطروحاته السياسية خارج الجماعة ، فليس هناك أي فرصة لقبول حزب سياسي إسلامي ديمقراطي ، كما أن الأحزاب السياسية الشرعية تعاني من الانهيار الداخلي والعزلة شبة الكاملة عن الجماهير ، وبالتالي يصبح البقاء داخل الجماعة والحفاظ على وحدتها لايرجع فقط لقناعة داخلية إنما وعي بطبيعة الظرف السياسي الخارجي الذي يتميز بالجمود التام ، والعجز عن دمج حتي الفصائل الليبرالية واليسارية المنتمية لنفس هذا الجيل داخل العملية السياسية . هذا الوضع ينسحب بصورة أقصي على جيل الوسط الإخواني الذي يمتلك قدرات حقيقية للفعل والمبادرة تستلزم نظاما ديمقراطيا ، لكي يستطيع أن يوظف تلك الطاقات لصالح نهضة المجتمع ، ويكون قادرا أيضا على أن يدمجها في عملية التطور الديمقراطي والنضال السلمي داخل قواعد قانونية مدنية محددة سلفا .
و هكذا فأن سيناريو التماسك مرشح للاستمرار طالما بقي الظرف السياسي المحيط بالجماعة على ما هو علية ، اما سيناريو االإنقسام فهو من الوارد تصورة في حال إذا سمح للإخوان المسلمين بحزب سياسي شرعي ، وهنا في الحقيقة سيتضح الفارق داخل الجماعة بين مشروعين أحدهما دعوي وديني يمتلك بعض المفردات السياسية ويعبر عنه أساسا الجيل القديم ، والآخر سياسي مدني مستمتد من مرجعية إسلامية ، ويعبر عنه جيل الوسط .
ويمكن القول أن هذا الجيل الذي تربي في الجامعات المصرية وساهم في النشاط النقابي والسياسي تحت قبة البرلمان وفي عدد من النقابات المهنية ينتمي إلي تلك المجموعة السياسية التي تمتلك رؤي أكثر حداثة وإصلاحية من الرؤي التقليدية داخل الجماعة ، وتعتبر نفسها بالأساس حركة سياسية تستمد شرعيتها من الشعب ومن أصوات المواطنين وليس النصوص المقدسة .
ولعل الفارق بين التيارين يكمن أساسا في تلك المساحة التي يتعامل فيها كل منهما مع الديني والمقدس ، فالتيار الدعوي الذي تعد رموزة أساسا من الجيل القديم وينتشر في معظم مستويات الجماعة وأجيالها المختلفة ، ويضم أساسا هؤلاء الذين دخلوا الجماعة لكونها تدعو إلي مكارم الأخلاق وتطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية ، وليس باعتبارها جماعة سياسية تهدف إلي الوصول للحكم عن طريق نضال سلمي وعبر برنامج سياسي وتحالفات سياسية واضحة المعالم ، ويضم هذا التيار المهيمن داخل صفوف الجماعة أجيال مختلفة من الوسط والشباب رغم أن رموزه أساسا من جيل الإخوان المؤسسين ، ويخضع لثقافة مكتب الدعوة ولجنة الأسر وغيرها من المستويات ذات الطابع الديني والدعوي ، أما التيار السياسي فهو ينطلق من الثوابت الدينية الإسلامية ويطالب بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ولكن في إطار رؤية سياسية تنحو نحو النضال السياسي السلمي ، وتتعامل مع ما تقدمه من أفكار باعتبارها أفكار مدنية تتحرك في الحيز السياسي وليس المقدس وبالتالي قابلة للنقد والاختلاف .
والحقيقة أن فرص تبلور هذا التيار في حزب سياسي تكاد تكون معدومة في ظل السياق الحالي ، ولكن في حال إذ عرفت مصر مشروع إصلاح سياسي حقيقي تم على أساسة دمج كل القوي السياسية داخل عملية التطور الديمقراطي ، سيصبح من المؤكد أن هناك مستقبل ينتظر تيار إخوان الوسط ، وستصبح سيناريوهات التعايش الداخلي التي تتمتع بها الجماعة في الظروف الحالية عاجزة عن الاستمرار ، وسيصبح الانقسام بين التيار السياسي و التيار الدعوي مسألة راجحة ، إلا إذا قبل التياران بتحول التنظيم بشكل هادئ من جماعة تخلط بين الدعوي والسياسي إلي جماعة سياسية ذات برنامج سياسي ، حتي لو كان إطاره المرجعي الإسلام ، ولكنه سيناقش كبرنامج سياسي وليس كنص مقدس .
علية فأن هذه الاعتبارات الأربعة هي التي حسمت الاختيار السلس لمهدي عاكف ـ 76 عاما ـ كمرشدا جديدا للجماعة ، فهو ينتمي إلي الجيل القديم ، ولكنه أكثر من ينتمي إلي هذا الجيل إنفتاحا على مقولات جيل الوسط ، وأعلن قبوله بعضوية قبطية داخل الجماعة و استعداده للتحالف مع الناصريين والشيوعيين إذا استدعي الأمر .
وهكذا فأنه يمكن القول أن المرشد الجديد هو ابن العقل القديم ولكنه يمثل الصورة الأكثر انفتاحا على العقل الجديد وهو يعبر عن التربية الصارمة للتنظيم الخاص الذي كان من ضمن مؤسسية في الثلاثينيات ، وهو أحد أبرز مؤسسي التنظيم الدولي ، في نفس الوقت فأن الإنشقاق عن الجماعة ، لا يمكن تخيلة في المرحلة الحالية ، إنما يمكن فقط الحديث عنه في حال إذا تغير الظرف السياسي وسمح للإخوان ببناء حزب شرعي ، عندها سيكون الفصل لا مناص عنه بين الديني والسياسي وهو ما سيترجم ربما في ميلاد تيارين أحدهما حزبي وسياسي سيعبر عنه جيل الوسط ، والآخر دعوي وديني سيعبر عنه جيل الكبار وأنصارهم من الأجيال الأصغر .
* خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023